رجل يشاهد فيلمًا عن «البيريود» عن أوسكار الوثائقي القصير

لا أذكر أبدًا أن امرأة نطقت أمامي كلمة «الدورة الشهرية» أو مرادفاتها المباشرة من قريب أو بعيد، لم أسمعها؛ سواء من أمي أو شقيقاتي أو أي من قريباتي، يمتد ذلك حتى الآن.

دون قصد، ظللت أتعامل مع الدورة الشهرية على أنها نوع من «العورة» أو «العيب». لا أذكر أيضًا أنني نطقتُ الكلمة حتى أمام صديقاتي المقربات كي لا أجرح مشاعرهن. أعلم أيضًا أن بعض قريباتي لا يشترين الفوط الصحية إذا كان الواقف في الصيدلية رجلاً، فهن يخجلن من نطق الكلمة أمام رجل.

منذ أقل من سنتين حين توطدت علاقتي بالفتاة التي صارت الآن زوجتي، لاحظت أنها تنطق كلمة «البيريود» أمامي بلا حرج. فسّرت ذلك بشدة تقاربنا. مرة احتجت أن أذكر اسم الدورة الشهرية في سياق مزاح لا أذكر تفاصيله الآن، كانت أمي قد سألتني عن حال صديقتي (كان ذلك أثناء دورتها الشهرية)، فمازحت صديقتي بأنني لم أخبر أمي أنها الآن تمر بالدورة الشهرية، كأنني مثلًا «أستر عليها»، ففاجأتني بأنها لن تغضب مني إذا أخبرت أحدًا بذلك. ألجمتني المفاجأة، فشرحت لي أنها لا تعتبر الدورة الشهرية عيبًا أبدًا، ولا تخجل من ذكرها ولا من ذكري أنا لها، لأنها حالة طبيعية تمر بها أي امرأة، ليس فيها ما يهينها أو يسبب لها الخجل.

سكت تمامًا وفكرت في الأمر: الكلام منطقي تمامًا. لا عيب في الأمر بأي شكل.

تذكرتُ نفسي مبتسمًا وأنا أشاهد الفيلم الوثائقي القصير Period. End Of Sentence الفائز بجائزة الأوسكار للفيلم الوثائقي القصير، لمخرجته الإيرانية المقيمة بأمريكا رايكا زيتابشي. فقد كان رجال القرية الصغيرة، حيث صُوِّر الفيلم، يخجلون من نطق الكلمة أمام النساء، وكان بعضهم يتحدث عن مصنع إنتاج الفوط الصحية الذي تم تأسيسه بالقرية على أنه مصنع حفاضات للأطفال. قريبًا كنت مثلهم تمامًا، أخجل من نطق الكلمة أمام امرأة.

بالطبع، ساعدني الفيسبوك كثيرًا، فمن خلاله تابعت كتابات بعض النسويات عن اعتبار الدورة الشهرية وصمة للمرأة. ومن خلاله أيضًا عرفت بالحملة الجميلة التي نفذتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تحت عنوان: الدورة الشهرية في السجون، ليس فقط لأنها تطالب بحق أساسي للنساء السجينات في مصر وتسلط الضوء على معاناتهن في الحصول على الفوط الصحية، التي هي حق بديهي لهن، لاحتياجهن إليها بسبب طبيعتهن كنساء، بل لأن الحملة حاولت أيضًا منع وصم المرأة بسبب دورتها الشهرية التي هي مكون طبيعي جدًا من مكونات جسدها.

لعل هذه الحملة وغيرها كانت سببًا لإعلان إحدى شركات التسويق المصرية «شارك آند شريمب» عن حق كل عاملة في يوم إجازة مدفوع الأجر، وذلك في اليوم الأول أو الثاني من الفترة المرهقة (فترة الحيض)، مؤكدةً على فخر الشركة بإدخال مصر في قائمة الدول التي تطبق هذا القرار، على ألا تكون العاملات مضطرات لتقديم أي مستند طبي يثبت أي شيء بصدد دورتهن الشهرية كما تفعل بعض الدول. ونلاحظ في الإعلان أنه جاء استجابة للمبادرات والحملات التي قادتها المنظمات النسائية.

يبدأ الفيلم بسؤال فتيات وفتيان عن معنى كلمة «دورة شهرية»، لتلتقط الكاميرا ردود الفعل ولغة الجسد. من هنا يتشكل أهم ملامح الفيلم، في تقديري: عدم المباشرة. لا يشرح ولا يستعرض أدلة، بل يكتفي باقتناص لقطات كاشفة تمامًا. الفتيات يخجلن من مجرد سماع الكلمة، والفتيان يقولون إنهم يجهلون معناها. في أحد المشاهد تسأل المعلمة تلميذات الفصل عن الكلمة فيخجلن للغاية. تُوقِف المعلمة بعض التلميذات، إحداهن تتأزّم ملامحها على نحو يصعب وصفه حقًا. فكرتُ أنه المشهد الذي أختلف مع صانعي الفيلم حوله، ففيه إيلام شديد للتلميذة المسكينة.

يخترع رجل مبدع آلة بسيطة وكفؤة، تصنع فوطًا صحيةً فعالةً تمامًا ورخيصة الثمن أيضًا. تتعلم نساء القرية كيفية تشغيلها لإنتاج الفوط بعد متابعة «تقفيلها» وتعبئتها يدويًا. ويمضي العمل في لا مباشرته الذكية، مُظهرًا قدرة النساء على تنظيم أنفسهن في فرق متنوعة بتنوع المهام، ثمة جداول دقيقة لمواعيد الحضور والانصراف، ومعدلات إنتاج يتم تحقيقها ليلاً، إذا انقطعت الكهرباء عن المصنع الصغير نهارًا. في مشهد عمل النساء في إنتاج الفوط تختلف كادرات التصوير ما بين السريعة الواطئة التي تظهر خفة الحركة وزخم الإنجاز ونشاط الأيدي النشطة في العمل، والكادرات الهادئة القريبة التي تظهر تفاصيل العمل.

بلا هتاف، يثير فينا صانعو الفيلم انفعالات كثيرة عبر تطور الأحداث. النساء اخترن اسم منتجهن: «فلاي» [أي يطير]. أردن أن تنبت للنساء أجنحة ليفلتن من قمع مجتمعهن الذكوري. ذلك كله ببساطة آسرة، فحين تعرض إحدى مؤسِّسات المشروع، شابانا، الفوطة على بعض النساء تقارنها ببعض الفوط المتاحة في المحلات بأسعار مرتفعة، مثبتة قوة إنتاجهن، حيث تُشبِّه فوطتهن العَمَلِيَّة بأنها لا تبدو أنيقة كالفوطة المنافسة، فهي أشبه بالعريس المقتدر لكن غير الوسيم، لتنفجر ضحكات النساء. وحين يمر فتيان على «حوش» بيت فيه عرض للفوط، تحدث مفارقة محرجة، تستثمرها المخرجة في إضحاكنا، مثلما تراوح بين مشاهد الريف ذات الخضرة المريحة الممتدة إلى الأفق، ومشاهد الأزقة القذرة الضيقة والغرف المكدسة، بذات المهارة التي تُنوِّع الإيقاع بين مشاهد سريعة ذات زوايا تصوير قريبة من الأرض لإظهار حركة العاملات النشيطات، ومشاهد هادئة ذات زوايا منبسطة تحتضن الأفق الأخضر الهادئ.

اعلان