مقاتلات وخنافس في سماء العريش
 
 

لم تنقطع أصوات الانفجارات في مدينة العريش في محافظة شمال سيناء، وتحديدًا في الساعات الأولى من الصباح وأواخر الليل طوال اﻷسبوع. حدد سكان المدينة مصدر هذه الأصوات، وهو مناطق جنوب العريش، فيما شوهدت مقاتلات حربية تحلق في الأجواء.

والأحد الماضي، اُستهدفت منطقة مزارع جهاد أبو طبل، التي تُعد من المناطق الخطرة خلف الطريق الدائري الجنوبي للمدينة، بالقذائف الجوية. بينما فجّر تنظيم «ولاية سيناء»، الإثنين الماضي، آليات عسكرية غربي العريش، ما تسبب في إصابة 4 أفراد من قوات الجيش، وصدر بيان التبني في اليوم التالي للعملية. سمع السكان، الأربعاء، تفجيرات أخرى والتي جرت لإزالة مبانٍ في منطقة الحرم الآمن لمطار العريش. وبخلاف أصوات الانفجارات المزعجة لأهالي العريش أثارت ظاهرة أخرى المخاوف، وهي هجوم أسراب من الحشرات الطائرة على المحافظة، ما سبب حالة من الهلع بين الأهالي، إلا أن مركز البحوث الزراعية أكد أنها حشرات غير سامة.

فيما حصنت القوات المسلحة والشرطة جميع الارتكازات داخل العريش بتحصينات جديدة، ودشنت ارتكازات جديدة على الكباري العلوية الواصلة بين غرب وشرق أحياء المدينة.

داخل المدينة المُحصّنة

أكد مصدر محلي أنه شاهد طائرات «أباتشي» تقصف أهدافًا بصواريخ، وتطلق زخات رصاص متتالية، مساء الأحد الماضي، في محيط منطقة مزارع «جهاد أبو طبل»، جنوبي العريش.

وتعتبر «جهاد أبو طبل»، من المناطق الخطرة في مدينة العريش، والتي تعتبر بؤرة إرهابية، وتوجد خلف الطريق الدائري الجنوبي للمدينة، وتكثر فيها مزارع الزيتون.

وسُمع أمس، دوي انفجار كبير هزّ أركان المدينة وسمع صداه في كل الأحياء، قرب الساعة الرابعة مساءً، حيث تبيّن أن سلاح المهندسين التابع للقوات المسلحة قام بتفجير بنايات مقامة في المنطقة الآمنة لحرم مطار العريش.

تزامنت تلك الانفجارات مع قيام قوات الشرطة والجيش بعمل تحصينات أمنية جديدة عالية المستوى، حول جميع الارتكازات الأمنية داخل الكتلة السكانية لمدينة العريش.

وقامت القوات بإحاطة جميع الارتكازات بحوائط (HESCO) من جميع الجوانب وإحاطة مواقع تمركز المدرعات والأسلحة الثقيلة، وفي بعض التمركزات أُنشأت أبراج باستخدام نفس الحوائط وزودتها بأسلحة ثقيلة.

حوائط HESCO عبارة عن حواجز سريعة التجهيز يتمّ ملؤها بالرمال أو الحجارة، وهي مصممة لتحمل الموجات الارتدادية للسيارة المفخخة والتصدي لقذائف «آر بي جي» والطلقات النارية بمختلف أعيرتها، واستخدمت للمرة الأولى من قِبل الجيش الأمريكي في حرب الخليج الأولى.

ومؤخرًا دَشنت قوات الشرطة ثلاثة ارتكازات حَصينة جديدة، اثنين منهما أقيما أعلى اثنين من الكباري العلوية الواصلة بين ضفتي وادي العريش والواصلة بين أحياء شرق وغرب المدينة، والثالث أُقيم في منطقة «سوق الخميس» في الشارع المؤدي إلى مقابر العريش، وهي منطقة خطرة للغاية لقُربها من الطريق الدائري الجنوبي والظهير الصحراوي للمدينة، ودائمًا ما كان يستخدم «ولاية سيناء» تلك المنطقة في الولوج والانسحاب من المدينة بعد تنفيذ حوادثه الإرهابية.

إقامة تلك التحصينات والارتكازات أعطى انطباعًا لمجموعة من الأهالي تحدثوا إلى «مدى مصر» أن التضييقات الأمنية والأوضاع الاستثنائية لن تنتهي قريبًا في العريش.

كان الرئيس عبد الفتاح السيسي أعلن في منتصف يناير 2018 عن إقامة حرم آمن لمطار العريش، بمساحة خمسة كيلو مترات حول حقول الطيران، وذلك في أعقاب واقعة استهداف طائرة وزير الدفاع السابق، صدقي صبحي، بصاروخ أثناء وجودها في المطار في ديسمبر من العام الماضي، وكان بصحبته وزير الداخلية السابق، مجدي عبد الغفار.

ويغطي الحرم اﻵمن لمطار العريش، حسبما أعلن عنه السيسي، مسافة خمسة كيلو مترات من جهات المطار الثلاث؛ الشرقية والغربية والجنوبية، فيما يمتد لمسافة كيلو ونصف الكيلو متر فقط من جهة الشمال، تنتهي عند الطريق الدائري، حتى لا يقتحم الكتلة السكنية لمدينة العريش. ومنذ يونيو من العام الماضي، بدأت أعمال إنشاء جدار حول المنطقة المحيطة بمطار العريش، ولا تزال مستمرة.

ويعتبر هذا الجدار من أكبر التحصينات العسكرية التي أُقيمت في شمال سيناء منذ الحرب المستعرة فيها بين الجيش وتنظيم «ولاية سيناء» منذ عام 2014.

وحاول التنظيم عدة مرات استهداف العمال المدنيين المشاركين في إنشاء الجدار، عن طريق التهديد والخطف والقتل بالرصاص وتفجير العبوات في مواقع العمل.

وساهمت التحصينات المحيطة بالمطار، ومشروع الجدار، في الحد بشكل كبير من قدرة «ولاية سيناء» على الولوج إلى الكتلة السكانية للمدينة وتنفيذ حوادث القتل والخطف بحق المدنيين ورجال الأمن كذلك، وهو ما يفسر محاولات التنظيم المتعددة لوقف بناء الجدار.

غرب التحصين

على الرغم من تأثر قدرته بالتحصينات اﻷمنية ومن بينها الجدار، تمكن تنظيم «ولاية سيناء» يوم اﻹثنين الماضي من اقتحام منطقة الحرم الآمن لمطار العريش.

ونشر التنظيم أمس، الأربعاء، فيديو قصير لتفجير آلية عسكرية من طراز «YPR» بالقرب من جدار جنوب العريش.

وأظهر الفيديو انفجار عبوة ناسفة أثناء سير الآلية العسكرية على طريق بمحاذاة جدار العريش الجنوبي، وظهر في الخلفية جدار العريش العملاق الذي بدأت القوات المسلحة في بنائه بمحاذاة الطريق الدائري منذ شهر يونيو الماضي، والذي يفصل الكتلة السكانية للمدينة عن ظهيرها الصحراوي ومنطقة الحرم الآمن لمطار العريش.

وبحسب مصدر أمني، فإن برميل متفجّر استهدف آليات عسكرية أثناء سيرها بالقرب بين منطقتي السبيكة والروضة غرب مدينة العريش، الإثنين الماضي، ما أسفر عن إصابة ضابط و3 جنود بإصابات خطرة.

وأوضح المصدر أن البرميل انفجر في مدرعات عسكرية وسيارة تشويش إلكتروني، ثم جرت اشتباكات بين المسلحين وقوات الجيش.

والثلاثاء الماضي تبنى «ولاية سيناء» في بيان نشرته وكالة «أعماق»، الذراع الاعلامية لتنظيم «داعش»، الهجوم على آلية عسكرية بمنطقة الميدان عربي العريش.

وخلال شهر أبريل الماضي جرت هجمات مماثلة في منطقة غربي العريش التي تمتد بين قريتي الميدان والروضة على الطريق الدولي «العريش/القنطرة»، وأسفرت عن سقوط جنود وضباط ومدنيين ما بين قتيل ومصاب، فضلًا عن تنفيذ مسلحي التنظيم كمائن على الطريق أكثر من مرة.

وتمدد «ولاية سيناء» إلى غرب مدينة العريش وبدأ ينشط في تلك المنطقة مع الربع الأخير لعام 2017، ونفذ عدة هجمات كان لها صدى كبيرًا أولها الهجوم على قافلة أمنية بالقرب من ملاحات السبيكة بواسطة سيارة مفخخة يقودها انتحاري، في شهر سبتمبر 2017، ما أسفر عن مقتل 18 شرطيًا وإصابة ستة آخرين. الهجوم الثاني كان الهجوم على مسجد بلال بقرية الروضة في نوفمبر من نفس العام، عندما فتح مسلحون نار أسلحتهم الآلية على جميع المصلين من أهل القرية وقت صلاة الجمعة ما أسفر عن مقتل 305 وإصابة 182 آخرين.

من جانبه أعلن اتحاد قبائل سيناء، وهو مجموعات قبلية مكونة من شباب عائلات وقبائل شمال سيناء، أهمها قبيلة الترابين، تتعاون مع القوات المسلحة وأجهزة الأمن المختلفة في الحرب على الإرهاب، عن مقتل ثلاثة جنود من قوات الأمن دون تحديد ملابسات مقتلهم، وهم حمدي كمال، وعمرو عاطف، ومصطفى سعودي.

خنافس في سماء المدينة

مع بداية الأسبوع، اجتاحت أسراب من الخنافس السوداء الطائرة سماء مدينة العريش بغزارة، وانتشرت في الأحياء السكنية وخاصة في الشوارع الرئيسية وحول أعمدة الإنارة.

أثارت تلك الأسراب حالة من الذعر لدى الأهالي وتخوفات من أن تكون خطرة على الأطفال، وهو ما دفع وحدة البحوث الزراعية التابعة لمديرية الزراعة في شمال سيناء لإصدار بيان أكدت فيه أن تلك الحشرات غير سامة، وتعتبر مفيدة للزراعة، فضلًا عن أنها لا تحتمل الحرارة أو ضوء الشمس وتظهرًا في بداية المساء وتفضل التواجد في الأحياء السكنية طلبًا للإضاءة.

كما أشار البيان إلى أن المبيدات الحشرية لا تؤثر فيها، بل تخدرها وتشلها لمدة بسيطة، «لذا لا داعي لمكافحتها وهدر الوقت والمال»، بحسب البيان.

على الرغم من انتشار تلك الأسراب في عدة بلدان منها سوريا ولبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة، لكن بعض العرايشة أرجع ظهورها إلى نذير شؤم، وتوقع بعضهم أن أحداث مؤسفة تنتظر المدينة، حسبما زعموا.

اعلان