هو صحيح عندنا دستور!؟

قضيتُ أكثر من ساعة محشورًا في زحام غير مسبوق بشارع القصر العيني. لم أتبيّن سبب الزحام إلا بعد وصولي مقصدي عندما ذكرني أحدهم أن البرلمان قضى اليوم في جلسة استثنائية حسم بها نص التعديلات الدستورية. لهذه الدرجة لا يعنيني الأمر. فبعد أن شهد أعضاء لجنة الخمسين تظاهرتنا تُسحل أمامهم [نوفمبر 2013]، وفشلوا في اتخاذ أي موقف جاد، بل تجاهلت مؤسسات العدالة شهادتهم، صار واضحًا للكافة أن دستور 2014 لم يُكتب ليطبّق أصلًا، وإنما لإضفاء شرعية صورية على ترتيبات جديدة للسلطة.

أما مسألة تداول السلطة، فصراحة لا أصدق أن بيننا مَن وصلت به السذاجة لتصديق أن نصًّا ما سيحدد فعلًا مدد الرئاسة لرئيس قادم من المؤسسة العسكرية. تُحترم الدساتير إن كانت تعبّر عن توازنات بين قوى مؤثرة في الدولة ولها ظهير مجتمعي. وبهدف أن تصل هذه القوى لاتفاق على ضرورة تنظيم قواعد السياسة وإدارة الدولة بطريقة تحترم وتعترف بوزن كل طرف، وتسمح في نفس الوقت بمرونة في التعامل مع تحديات المستقبل.

في بلاد تنفصل فيها الدولة عن المجتمع وتفرض السلطة نفسها ومشاريعها وبرامجها بفوقية، فإن كل ما يمكن أن تحققه الدساتير هو تنظيم العلاقة بين مؤسسات الدولة ذات التأثير الفعليّ. لهذا امتلأت لجنة الخمسين بممثلي هيئات قضائية ومؤسسات دينية وأجهزة سيادية. التفاوض الحقيقي كان بين جزر الدولة المنفصلة المتصلة.

فيما عدا مسألة سرمدية الرئاسة التي ليست محل خلاف فعليّ داخل كيان الدولة. يبدو أن الغرض من التعديلات الحالية البحث عن توازن جديد زاد فيه تأثير المكون العسكري للدولة بشكل غير مسبوق، وتراجعت فيه مؤسسات أخرى كالقضاء.

أما فيما يخصنا نحن كمواطنين، فالدولة المصرية لها تاريخ طويل من كتابة قوانين ثم تجاهلها، بل وكتابة قوانين ثم افتراض أننا كمواطنين سنتجاهلها. أي مواد في الدستور معنية أصلًا بحقوقنا قيمتها محدودة.

في 2011 عندما اندلع الجدل حول الدستور، كتبتُ عن مسار مختلف، تكون عملية كتابة الدستور نفسها هي الصانعة لقوى اجتماعية قادرة على حمايته وفرض تطبيقه واحترامه. أدعوكم لقراءته مجددًا. لا من باب التحريض على استعادة اللحظة لا سمح الله، وإنما فقط من باب مقارنة لغة الخطاب والمفردات السائدة في ذلك الوقت. فأكثر ما ينفرني في مشهد التعديلات الحالية ليس محتواها المحسوم أصلًا، وإنما مشاهد الانسحاق والانحطاط التام وانعدام القدرة على إخراج المشهد بأي قدر من الانضباط والكرامة. فحتى أعضاء لجنة الخمسين البائسة استطاعوا – وقتها- أن يتمسكوا ببعض مظاهر احترام الذات، ولم يشاركوا مثلًا في سحلنا على أبواب مجلس الشورى.

مَنْ يكَتب الدستور؟* [نُشرت  في 10 يونيو 2011]:

«26 يونيو 1955، كليب تاون، بالقرب من جوهانسبرج: تجمع الآلاف فى ساحة أشبه بميادين تحريرنا، وافترشوا الأرض للمشاركة في «مؤتمر الشعب» والتصويت على بنود «ميثاق الحرية»؛ منصة يعتليها ثائر يقرأ مواد الميثاق بلغة شعرية، وميدان عامر حاشد يهدر بهتافٍ: «إفريقيا! إفريقيا!». طوال يومين عاشت كليب تاون أهم تجربة ديمقراطية في التاريخ، قبل أن تقمعها قوات شرطة الفصل العنصرى. ولكن الشرطة كعادتها جاءت متأخرة عاجزة عن قمع الحرية، وتمّ إقرار الميثاق الذي صار دستور حركة التحرر، ليصبح بعدها بأربعة عقود المرجعية الأساسية لصياغة دستور جنوب إفريقيا الحرة.

«نحن، شعب جنوب إفريقيا، نعلن للأمة ولسائر شعوب العالم أن: السلطة للشعب، ولكل طوائف الشعب حقوق متساوية، وثروات البلاد ملك للشعب. سيتشارك في الأرض مَن يزرعها، والكل متساوٍ أمام القانون. للكل حقوق متساوية، وهي المعروفة بحقوق الإنسان. سيتوافر العمل والأمان، وتفتح أبواب العلم والثقافة. سيتوافر المسكن والأمن والراحة، ويعم السلام والصداقة. هذه الحريات سنناضل من أجلها، كتفًا إلى كتف، طوال حياتنا، إلى أن ننال حريتنا كاملة».

لم تكتب المنصة تلك المواد، لم يتحدث الآلاف فى الميدان باسم الشعب من العدم، وإنما سبق المؤتمر شهور من الإعداد، انتشر فيها نحو خمسين ألف متطوع بطول وعرض البلاد لسؤال كل مَن قابلوه سؤال بسيط جدًا: «ما هي جنوب أفريقيا التي تحلم بها؟».

جمع المتطوعون الإجابات وأرسلوها للجان منتخبة من كل منطقة لتفرز الإجابات ويتمّ تجميع المتشابه منها في عريضة مطالب. ثم رفعت اللجان الفرعية المطالب للجان منتخبة أخرى تمثل المحافظات لتلخيص المطالب ورفعها للجنة صياغة. حضر المؤتمر كل أعضاء اللجان المنتخبة وممثلو النقابات العمالية والأحزاب الثورية والتنظيمات الشعبية الأخرى. شارك الشعب كله في صياغة الميثاق، وبالتالي في صياغة الدستور.

بدأت الفكرة أصلًا عندما وجد حزب المؤتمر الإفريقي [حزب مانديلا] نفسه في مأزق. فبعد تراجع ملحوظ في المشاركة في النضال ضد سياسة الفصل العنصرى، قررت قيادات الحزب الشابة أن توسع رقعة النضال بتبني قضايا اقتصادية واجتماعية، وبدءوا بحملة لإقرار حد أدنى عادل للأجور. ولكن سرعان ما تتبيّن لهم المسافة التي تفصلهم كنشطاء ونخبة سياسية عن جموع الشعب، فقرروا إقامة المؤتمر وصياغة الميثاق لتكون القيادة للجماهير. رأوا أنهم بحاجة لحملة توعية سياسية تكون الجماهير فيها المُعلم، بينما يكون الساسة والنشطاء تلاميذ.

وبالفعل غيّر المؤتمر والميثاق الحزب جذريًا. أولًا، لم يكن بمقدرة حزب واحد تنظيم نشاط بهذا الحجم، فاضطرهم طموح الفكرة إلى التعاون مع جميع الأحزاب والحركات المناهضة للنظام، عابرين حدود أيديولوجية وعِرقية وطبقية ودينية، ومنها وُلدت حركة التحرر الوطنى كحركة جامعة.

ثانيًا، على مستوى الأيديولوجيات، حيث حسم المؤتمر جدلًا دار داخل الحزب ما بين رؤية إفريقية ترى الحل في تحرر الرجل الأسود كجزء من محاربة الاستعمار في القارة، وبين رؤية ترى الحل في نضال مشترك للمساواة ما بين كل مَن يعيش في الوطن باختلاف أعراقهم بمَن فيهم البيض. ثالثًا، على مستوى الأولويات، حيث كان المؤتمر أول فرصة حقيقية للنخبة السياسية للتعرّف على مشاكل وطموحات الفلاحين.

ومع إقرار الميثاق تغيّر التاريخ. سقط النظام في عقول الجماهير في ذلك اليوم حتى وإن احتاج لأربعين عامًا ليسقط فعلًا. ووُلد الشعب ككيان موحد بعد أن فرقه الاستعمار والنظام إلى أعراق وقبائل، وُلد بهدف موحد ورؤية تتوارثها الأجيال وتقبل دفع ثمنها بالاستشهاد والتعذيب والاعتقال. حمى الشعب شرعية الميثاق إلى أن سقط النظام وبقى الشعب. وتجسدت شرعية الميدان في دستور بديع مستلهم من ميثاق الحرية، واستمر الشعب في حماية ميثاقه ودستوره.

واليوم في ميدان آخر نتجادل حول صياغة دستور جديد للجمهورية المصرية الثانية، ويسيطر علينا منطق أن مَن سيصوغ الدستور سينوب بنفسه عن الشعب. وبالتالي انحصر جدلنا في متى يُصاغ الدستور، وما أفضل طريقة لاختيار مَن ينوب عن الشعب. وكعادة النخب التي تؤمن أن النيابة مصيرها وحقها، يلتبس الأمر أحيانًا ويظن مَن يسعى أن ينوب أنه وصي على الشعب. والصراحة ألا فرق هنا ما بين فريق الدستور أولًا وفريق البرلمان أولًا، وأخشى أنهم اتفقوا على أن دور الجماهير ينتهى عند صندوق الانتخاب.

ويبدو أن التصور الشائع هو أن اجتماع القوى السياسية المختلفة وتوافقها يعنى أن الشعب كله مُمثَّل. بينما كل الشواهد تقول إن القوى السياسية في مصر (بما فيهم أكثرها شعبية كالإخوان) منفصلة عن عموم الجماهير. وظهر هذا بوضوح في الميدان، حيث وجدت الأحزاب والحركات السياسية والنشطاء أنفسهم أقلية منعزلة لدرجة ما، حتى وهم يلعبون دورًا قياديًا أحيانًا. هذا الانفصال -إن لم نعترف به- سيؤثر سلبًا على عملية صياغة الدستور.

ولنا فى تجارب لجان الوفاق عبرة؛ فمشاركة الشعب تؤدي إلى ميثاق ثوري مكتوب بلغة شعرية ينادي بفتح أبواب العلم والثقافة للجميع، بينما لقاء خبراء في غرفة مغلقة نتيجته أن يقترح علينا أحد رموز العدالة إعطاء ثقل أكبر في الانتخابات لأصوات المتعلمين. هل يمكن تصور أن يخرج هذا الاقتراح من وفاق وطني يشارك فيه مَن لم يُكتب له حظ وافر من التعليم؟ هي وصاية إذن لا تمثيل، ولا وفاق.

صحيح أن مبارك فصَل الدستور البائد على مقاسه، لكن الحقيقة أن الكثير من الانتهاكات والتعديات في ظل نظامه تعارضت مباشرة وبشكل صارخ مع مواد الدستور، فالتعذيب بالتأكيد لم يكن سلوكًا دستوريًا حتى تحت أحط الدساتير. لم يحمنا الدستور إذن.

بل علينا أن نتساءل: ما قيمة دستور يُصاغ بدون مشاركة شعبية حقيقية؟ حتى لو كان دستورًا مثاليًا، فهو يظل حبرًا على ورق ما لم يتوفر توازن قوى يفعّله ويحميه. الميثاق الشعبى صاغه الشعب، وتحول هو والدستور المنبثق عنه إلى عقد اجتماعي حقيقي وجزء من هوية الشعب تتوارثه الأجيال، والشعب حامٍ لشرعيته الثورية والدستورية. بينما أنتج لنا الوفاق حلولًا كارثية للخروج من هذا المأزق، مثل تسليط الجيش كحامٍ لمدنية الدولة، مما يستدعي بالضرورة ألا تخضع مؤسسة «سيادية» ذات قدرات قمعية واسعة وذات تاريخ من الانتهاكات والتدخل في الحكم لأي رقابة من هيئات منتخبة.

لنكن متواضعين؛ مانديلا ورفاقه احتاجوا دروس الجماهير لتوعيتهم سياسيًا. لماذا نفترض أننا أفضل منهم؟ لماذا، ما دام اتفقنا أن الدستور أحد أهم أهداف ثورتنا المستمرة، لا نشرك جماهير الثورة في صياغته؟

هل نحتاج أن نمر بتجربة مشابهة لجنوب إفريقيا ونشترك جميعًا في نشاط جماعي لرسم مصر التي نحلم بها؟ وماذا سينتج عن انخراط عشرات الآلاف في جمع الحلم من منابعه الشعبية؟ ربما نصل إلى وفاق حقيقي ونستعيد وحدة صفنا، ربما نكتشف أولويات قد غابت عنا؛ فعادة الأحزاب مثلًا تجاهُل قضايا البيئة أو الاكتفاء بالإشارة إليها بكلام مرسل، لكن ربما إن انصتنا للصيادين في بحيراتنا وشكواهم من تدمير المصايد بسبب جشع شركات الصيد الدولية اكتشفنا لأي مدى هي قضية ملحة مرتبطة بالعدالة الاجتماعية وبحاجة لحماية دستورية حقيقية. ربما نحتاج أن نعطي لأهل البرلس، الذين ناضلوا طويلًا من أجل شربة ماء، فرصة لتوعيتنا بمعنى أن تكون محرومًا من المياه العذبة، وتذكيرنا بمكانة المياه كأحد الحقوق الإنسانية الأساسية.

أما الجدل المحتدم الآن حول مَن سيصوغ الدستور فيجب أن يتحوّل من نقاش حول محتوى الدستور إلى نقاش حول كيفية اختيار الجمعية التأسيسية، فالتعديلات الدستورية والإعلان الدستورى لم يحدد تفاصيل. يمكننا الاتفاق مثلًا على تمثيل نسبي للنساء والشباب والأقليات الدينية، وتمثيل من كل محافظة، وحصص مخصصة لممثلي النقابات المهنية والعمالية والفلاحية، ومقاعد لنشطاء وحقوقيين ومبدعين إلخ. أما الأهم فهو الاتفاق على آليات عمل الجمعية التأسيسية.

علينا أولًا التخلي تمامًا عن فكرة أن صياغة الدستور أمر بسيط يمكن أن يقوم به خبراء في وقت وجيز استنادًا إلى دساتير جاهزة. فسؤال واحد من الأسئلة الكبرى المطروحة (رئاسية أم برلمانية مثلًا) يستدعي نقاشًا مطولًا قد يدوم لأسابيع. ومن الضروري أن تكون المداولات علنية وأن تعقد جلسات استماع ليتسنى للمواطنين ومؤسسات المجتمع المدني وتنظيماتنا وحركاتنا المطلبية والسياسية أن تشارك في النقاش.

إن مَزَجنا بين وثيقة شعبية تعبّر عن طموحاتنا وأحلامنا المشتركة، وجمعية تأسيسية بها تمثيل لكل الفئات منتخبة من قِبل الشعب (انتخاب مباشر أو عن طريق البرلمان)، وآليات عمل مفتوحة للمجتمع المدنى، سنؤسس فعلًا لجمهورية ثانية بعقد اجتماعي حقيقي، ووفاق وطني فعليّ، وشرعية دستورية وشعبية وثورية كاملة. وقتها يمكننا أن نقول إن السلطة فعلًا للشعب».

نُشرت مقالة «مَن يكتب الدستور؟» في جريدة «الشروق» بتاريخ 10 يونيو 2011.

اعلان
 
 
علاء عبد الفتاح