تهديد وترغيب.. مشاهد من حشد الطلاب للتصويت في الاستفتاء
 
 
جامعة الفيوم تعلن تأييدها للتعديلات الدستورية - المصدر: الموقع الالكتروني لجامعة الفيوم
 

«خلال أيام الاستفتاء وقف الشباب في صفوف يحملون بكل وعي، وإخلاص مسئولياتهم تجاه وطنهم و أدلوا برأيهم في تعديل دستور بلادهم، ورسموا بأيديهم ملامح مستقبلهم، ومستقبل أبنائهم من بعدهم، فشكرًا لأبنائنا وأحفادنا من شباب مصر على ما أوجدوه فينا من أمل أن راية وطننا ستبقى مرفوعة من بعدنا بأيادي صلبة فتية من جيل واعي قادر على تحمل المسئولية وعازم على إتمام ما بدأه الآباء والأجداد»، من كلمة المستشار فاروق لاشين رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات أثناء إعلان نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية.

«الخميس اللي فات الساعة 12، اتحاد الطلاب دعانا للدخول إلى المدرج الأكبر بكلية آداب، كان أغلب الموجودين طلبة التربية العسكرية، مع بعض عساكر الجيش كانوا قاعدين معانا في المدرج، كان واقف العميد، والوكيل، وبعض الدكاترة الآخرين، ومشغلين تسلم الأيادي. أحد الدكاترة قال: إحنا راضيين وموافقين على التعديلات الدستورية دي، ولازم تنزلوا كلكوا تشاركوا»، يحكي لـ«مدى مصر» سيد*، الطالب بالصف الأول بكلية آداب جامعة المنصورة، ما حدث معهم في الجامعة لتشجيعهم على التصويت، معتبرًا أن ما حدث بمثابة توجيه لهم للتصويت بنعم، على حد قول سيد.

و«دعا الدكتور رضا سيد أحمد [عميد كلية آداب جامعة المنصورة] طلاب الجامعة للمشاركة في الاستفتاء على التعديلات الدستورية وأكد أن هذه التعديلات لصالح الشعب المصري»، من منشور للدكتورة داليا رسلان، مدرسة الأدب اللاتيني بكلية آداب المنصورة، في ختام حملة «خليك إيجابي» التي نظمتها الجامعة للدعوة للمشاركة في الاستفتاء.

عميد كلية آداب بجامعة المنصورة يتقدم حشدًا من الطلاب للتصويت على التعديلات الدستورية - المصدر: صفحة رعاية الطلاب كلية الآداب بجامعة المنصورة على فيسبوك

التعديلات التي أعلنت اللجنة العليا للانتخابات، الثلاثاء الماضي، موافقة الشعب عليها منحت رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي عامين إضافيين في فترته الحالية، إلى جانب منحه الحق في الترشح فترة إضافية ليبقى في الحكم حتى عام 2030. كما منحته سلطة تعيين رؤساء الهيئات القضائية المختلفة، وفتحت الباب أمام تدخل القوات المسلحة في المشهد السياسي تحت دعوى «حماية مدنية الدولة».

لجأت مختلف أجهزة الدولة إلى حشد مختلف القطاعات لتأييد الاستفتاء والتصويت فيه، سواء في مرحلة الدعاية التي انتشرت بشكل مفاجئ خلال اﻷسابيع الماضية، وحتى إغراء المواطنين بكراتين المواد التموينية مقابل التصويت، ووصلت في بعض اﻷماكن إلى القبض على مواطنين ونقلهم إلى مقار التصويت.

أحد هذه القطاعات كان طلاب الجامعات. ما يرويه سيد ليست حالة فردية، لكنها ظاهرة تكررت في مختلف الجامعات. وتراوحت الوسائل بين تحفيز، وربما رشوة، الطلاب، وبين إجبارهم للمشاركة في استفتاء التعديلات الدستورية.

لكن تحريك طلاب الجامعات لم يكن عبر اﻷشكال التنظيمية المعتادة، مثل اتحادات الطلاب، بسبب حالة الجمود التي أصابها خلال السنوات الماضية. شهدت الجامعات في مصر بعد يوليو 2013 حراكًا سياسيًا قويًا استمر لعامين قبل أن تنجح القبضة الأمنية وقرارات وزير التعليم العالي بإلغاء نتيجة اتحاد طلاب مصر 2015  ثم إلغاء اتحاد طلاب مصر في اللائحة الجديدة مع التدخل لاستبعاد مرشحين بعينهم في الانتخابات الطلابية الأخيرة في القضاء عليه، مما أدى إلى تفريغ الجامعات من أي حراك.

ومع القضاء على اتحادات الطلاب، اعتمد تحريك الطلاب بشكل أساسي على التدخل المباشر من أعضاء هيئات التدريس بالكليات والجامعات المختلفة، بمساعدة الطلاب اﻷعضاء في حزب «مستقبل وطن»، بجانب «طلاب من أجل مصر».

أحمد خلف، رئيس اتحاد طلاب عام كلية اقتصاد وعلوم سياسية بجامعة القاهرة، عام 2013، يقول لـ«مدى مصر» إن الدولة عندما فشلت في خلق ظهير لها داخل الجامعة أصبح الأهم لها عدم وجود مساحة لأي أطراف سياسية تظهر داخل الجامعة، لهذا سعت إلى تحييد العملية السياسية، لكن في نفس الوقت النظام لديه رغبة في أخذ «لقطة» مشاركة الشباب، استكمالًا لترسيخ فكرة اهتمامه بهم التي تظهر في تنظيم مؤتمرات الشباب مثلًا، ولأنه لا يوجد قيادات طلابية موالية للنظام تقدر على تولي ذلك الأمر، لا يوجد الآن «محمد بدران» رئيس اتحاد طلاب مصر الأسبق، أصبحت مهمة الحشد مشتركة بين بعض الدكاترة، وطلبة تابعين لحزب مستقبل وطن، لكن الحزب كما ورط النظام في مشهد الكرتونة، ورطه كذلك هنا.

حشد وتحفيز للمشاركة

لجأ اتحاد طلاب جامعة المنصورة لطريقة مبتكرة لجذب الطلاب للتصويت بصحبة أسرهم، فبحسب بوست لصفحة الاتحاد على فيسبوك، حذفته لاحقًا، نظم الاتحاد مسابقة بين الطلبة، دعاهم فيها للذهاب إلى التصويت جماعيًا صحبة أسرهم، ويتم توثيق ذلك بالصور موضحة الحبر الفسفوري، وأصحاب المراكز الأولى سيفوزون برحلات إلى مدن الإسكندرية، والقاهرة، وبورسعيد.

كانت الانتخابات الطلابية الأخيرة التي عقدت قبل خمسة أشهر، شهدت تعيين جميع اتحادات طلاب جامعة المنصورة لعدم اكتمال النصاب القانوني، بينما لم تشهد الانتخابات على مستوى الجامعات مشاركة من الحركات الطلابية السياسية فحركة «طلاب الاشتراكيين الثوريين» بعد تقلص وجودها في الجامعات رشحت 30 طالبًا فقط، تم استبعادهم جميعًا، بينما رشحت حركة «طلاب مصر القوية» بعض أعضائها بشكل فردي نتيجة قرار تجميدها، حسبما أخبر أعضاء في الحركتين «مدى مصر» سابقًا.

حشد الطلبة للتصويت لم يقتصر على الندوات، أو المسابقات وإنما ظهرت المسيرات أيضًا في جامعات (العريشالمنصورةدمنهورالمنوفيةالزقازيقأسيوط -الفيوم). يقول أحمد* عضو بمكتب «طلاب مصر القوية»، والطالب بجامعة الفيوم، لـ«مدى مصر» إنه يوم الأربعاء الماضي تحركت مسيرة مكونة من طلبة الدفعة الأولى لكلية تربية رياضية، ووقفوا أسفل مقر مكتب رئيس الجامعة، حتى نزل لهم رئيس الجامعة، و نواب الرئيس، وبعض العمداء، وكان معهم بعض الطلبة يرتدون تيشيرتات «مستقبل الوطن» وطلبة آخرين يرتدون تي شيرتات «طلاب من أجل مصر»، حمل الطلاب أعلام مصر مع تشغيل أغاني «تسلم الأيادي» و«أبو الرجولة» على الشاشة الرئيسية للجامعة، ثم خرجت المسيرة خارج الجامعة وسط تأمين من قوات الشرطة.

يبدو أن إدارات الجامعات لم تعول على المسيرات وحدها، فقد أحضرت جامعات المنوفية، وكفر الشيخ، وجنوب الوادي، والفيوم، أتوبيسات للطلبة لأخذهم للتصويت بعضهم طواعية والآخر جبرًا.

يوضح عضو مكتب «طلاب مصر القوية»، أن جامعة الفيوم قامت بحشد أتوبيسات لأغلب الكليات النظرية لنقل الطلبة للمشاركة، وكان بعض مُشرفي تلك الأتوبيسات طلبة يرتدون تيشيرتات «مستقبل وطن»، وأفراد أكبر في السن يرتدون نفس التيشيرت، فضلًا عن بعض أعضاء «طلاب من أجل مصر»، مُضيفًا أن المشرفين كانوا يقولون: «هنروح ناخد الصورة وترجعوا تاني».

مشهد مشابه لما حدث في جامعة الفيوم شهدته جامعة جنوب الوادي وشاركت فيه قيادات الجامعة، تقول ميساء*، الطالبة بكلية تربية رياضية بالجامعة، لـ«مدى مصر»: «الدكاترة قايمين بشغل.. بيودونا على حسابهم بميكروباصات خاصة وأتوبيسات الجامعة، رحنا الجامعة الساعة 8 الصبح مخدناش محاضرات، جمعنا نفسنا وجمعونا في أتوبيسات كل جروب لوحده في اتوبيس وجابونا هنا (أحد اللجان الانتخابية) ننتخب وهيرجعونا تاني ع الجامعة»، بصحبتنا رئيس الجامعة، عباس منصور، ووكيل كلية تربية رياضية، أشرف موسى، وعميد كلية التربية الرياضية، أحمد نصار، تم تقسيمنا إلى مجموعات، مجموعة تذهب للتصويت، ثم تذهب وتأتي مجموعة أخرى بمشاركة كل كليات الجامعة.

إحضار أتوبيسات لتجميع الطلبة للمشاركة حدث كذلك للطلبة المغتربين بالمدينة الجامعية في جامعة المنوفية، حسبما يقول محمد الدجوي، نائب رئيس اتحاد طلاب الجامعة، السابق لـ«مدى مصر».

الدجوي أخبر «مدى مصر» سابقًا أنه استُبعد من الانتخابات الطلابية الأخيرة «حرصًا على المصلحة العامة»، هو و90% من أعضاء اتحاده السابق وهو المبدأ الذي لم تنص عليه اللائحة الطلابية كسبب لاستبعاد المرشحين.

والبعض شهد إجبارًا

تنوعت طرق إجبار الطلبة على المشاركة في الاستفتاء بين التهديد بعدم دخول الامتحانات، وخصم الدرجات، وكذلك تسجيل الطلبة الحاضرين في كشف الغياب.

زميلة لميساء*، الطالبة بكلية تربية رياضية جامعة جنوب الوادي، طلبت منها وضع يدها جيدًا في الحبر الفسفوري لكي يُسمح لها بدخول الامتحان، وهو ما توضحه ميساء أن الكلية كان يجب أن تقول ذلك لكي نشارك في التصويت، فلكي ندخل الامتحان يجب أن يروا الحبر.

في المقابل، يقول رئيس اتحاد طلاب جامعة جنوب الوادي، محمد سيد، لـ«مدى مصر»: «لم يحصل أن أُجبر طلبة الجامعة على الذهاب للتصويت، جميع من ذهبوا كان برغبتهم الشخصية، وقمنا بتوفير أتوبيسات لهم وسيارات بتوجيه من رئيس الجامعة، ونائب رئيس الجامعة، فضلًا عن تنظيم ندوات أنت المستقبل لشرح التعديلات، ويعني إيه الدستور؟».

تقول أسماء*، الطالبة بكلية تربية رياضية بجامعة جنوب الوادي، لـ«مدى مصر»: «كان فيه ندوات في قاعة المؤتمرات جايبين أستاذ مصطفى بكري بيتكلم في الدستور كتير جدًا».

لم تواجه أسماء وحدها خطر عدم دخول الامتحان. تقول منى*، الطالبة بالصف الرابع كلية طب بيطري جامعة كفر الشيخ، لـ«مدى مصر»، تزامن موعد الاستفتاء مع امتحانات التخلفات في الكلية، والتي تنقسم لجزء ورقي وآخر شفوي وعملي، بعد الانتهاء من الامتحان الشفوي، بعض الدكاترة قالوا لجزء من زملائنا: «فيه باص من الكلية هييجي من الكلية يصطحبكوا عشان تشاركوا في الاستفتاء قبل تأدية الجزء الشفوي».

لجأ بعض أساتذة جامعة الفيوم للتهديد بخصم الدرجات لدفع الطلبة للمشاركة. يقول عضو مكتب «طلاب مصر القوية» إن أحد الدكاترة الذي يقوم بتدريس دبلوم التربية، طالب الطلاب بالذهاب للتصويت في الأتوبيسات، وإلا سيسقطون، وهدد دكتور آخر بكلية آداب الطلبة بخصم 10 درجات لهم من مادته إذا لم يصوتوا.

التهديد بتسجيل الطلبة الحاضرين للمحاضرات في كشوف الغائبين ظهر في جامعتي الفيوم وكفر الشيخ، تقول منى أحمد، الطالبة بالصف الرابع بكلية طب بيطري جامعة كفر الشيخ، نقلًا عن إحدى زميلاتها: «في أحد السكاشن، رفض المعيد تسجيل الغياب قبل ذهابهم للتصويت، وعندما قال البعض إنه ليس بحوزته بطاقات رقم قومي، رد المعيد: هنروح نصور هناك إن جامعة كفر الشيخ باعته الطلبة يدلوا بأصواتهم. ذهب الطلبة، وسُجل الغياب سُجل في الباص»، تقول أحمد.

رشاوى ما قبل الاستفتاء

قام حزب مستقبل وطن بتنظيم مؤتمر جماهيري باستاد جامعة الزقازيق لفتح نقاش حول التعديلات الدستورية، كان أحد فقراته حفل للمطرب محمد حماقي. وشهد المؤتمر حديث الدكتور جمال عيسى، عميد كلية الحقوق بالجامعة عن «أهم ملامح التعديلات في صورتها الإيجابية، وحث المواطنين على النزول والمشاركة في الاستحقاق القادم».

لم تكن ملامح الحشد المباشر أو الإجبار واضحة بشكل كبير في جامعة القاهرة، حسبما قال الدكتور مصطفى كامل السيد، الأستاذ بكلية اقتصاد وعلوم سياسية بالجامعة، والدكتورة ليلى سويف، الأستاذ بكلية علوم بالجامعة، لكن الصورة الرئيسية في مشهد جامعة القاهرة الأسبوع الماضي كانت فيديو محمد عثمان الخشت، رئيس الجامعة، أثناء حفلة المطرب محمد حماقي بالجامعة اﻷسبوع الماضي، وهو يردد هتافات «تحيا مصر»، و« مين بيحب مصر؟» معلنًا عن باقة من «المفاجئات» للطلبة منها الإعفاء من المصاريف الجامعية لمن لم يدفع، وإعطاء 5% من الدرجات للطلبة الراسبين، وهي القرارات التي رفضها المجلس اﻷعلى للجامعات.

لم تر ليلى سويف من خلال مشاهداتها توجيهًا حدث داخل جامعة القاهرة من أجل الذهاب للتصويت، أو ضغط على الطلبة، لكن هناك بعض الدعاية التي تدعو للمشاركة معلقة على أسوار الجامعة خارجيًا. ومع ذلك، استنكرت تصريحات الخشت، حيث وصفت تعامله مع العملية التعليمية ومخرجاتها باستخفاف شديد، وخروج على جميع الأعراف الجامعية.

يرى محمد عبد السلام، مدير الوحدة البحثية بـ«مؤسسة حرية الفكر والتعبير»، أن ما فعله بعض رؤساء الجامعات انعكاس لفكرة تراجع انتخاب رؤساء الجامعات واستبدالها بالتعيين، وبالتالي لم يحدث فصل بين السلطة التنفيذية والجامعة كمؤسسة مستقلة، فظهر مثل ذلك النمط من تصريحات الخشت.

* استخدمنا أسماء غير حقيقية لهؤلاء الطلاب، حرصا على سلامتهم.

اعلان
 
 
محمد أشرف أبو عميرة