في أعقاب الاستفتاء: ثقوب في جدار مصمت

بغض النظر عن النتائج الإحصائية للاستفتاء الشعبي الأخير على التغييرات الدستورية الأقرب إلى الانقلاب منها إلى التعديل، فربما تكون النتيجة السياسية الأهم، هي تحريك المياه الراكدة في نهر السياسة المصرية، وبالدرجة الأولى لدى قوى المعارضة حزبية وغير حزبية، ولدى الرأي العام، من قبل ومن بعد.

فلا جدال في أن الإقدام على هذه «القفزة الكبرى إلى الخلف» كان مفاجأة مؤلمة لكثيرين من مؤيدي النظام ومعارضيه من حسني الظن، وهو ما أعاد الغالبية العظمى من المواطنين مرة أخرى إلى «التسيس»، بعد فترة لا يستهان بها من اللامبالاة، أو اليأس والاستسلام، ومن هنا كان الاهتمام اليومى بمتابعة ما سمي بالحوار القومي في مجلس النواب، ومتابعة بيانات الأحزاب والشخصيات المعارضة، وكذلك تصاعد حملات الكر والفر على شبكات التواصل الاجتماعي بين المعارضين والمؤيدين الذين ساندتهم أجهزة لا تسفر عن وجهها كما هي العادة، ومن هنا أيضًا انطلقت حملات التشويه والاتهام المرسل لرموز المعارضة المنظمة عبر صحف وبرامج تليفزيونية بعينها.

وقد كان من مظاهر تحرك المياه الراكدة في نهر السياسة عودة بعض الشخصيات العامة المؤثرة إلى النشاط العام بعد سنوات من الاعتزال، أو شبه الاعتزال، إلا من إبداء الرأي على الشبكات الاجتماعية، أو المواقع الصحفية،من وقت لآخر، ومن أبرز هؤلاء الدكتور نور فرحات الفقيه القانوني، والدكتور عبد الجليل مصطفى أحد مؤسسي حركة استقلال الجامعات قبلة ثورة 2011، والدكتور محمد غنيم عضو لجنة الخمسين التي وضعت الدستور المستفتي على تغييره أو بالأحرى الانقلاب على أهم نصوصه وعلى روحه وعلى فلسفته.

غير أن أهم مظاهر كسر الجمود السياسي في سياق مواجهة تلك «القفزة الكبرى إلى الخلف» كانت بدء واطراد ونجاح فكرة التنسيق بين الأحزاب السياسية الجادة، والشخصيات العامة المؤثرة في إطار الحركة المدنية الديمقراطية، والتي تضم أحزاب المصري الديمقراطي الاجتماعي، والكرامة، والتحالف الشعبي الاشتراكي، والإصلاح والتنمية، والمحافظين، والدستور، إلى جانب المستقلين، فباستثناء التحالف الشعبي الاشتراكي، وبعد مناقشات مطولة رفضت جميع هذه الأحزاب، وكذلك جميع المستقلين فكرة مقاطعة الاستفتاء، وتبنت دعوة المواطنين إلى المشاركة والتصويت برفض التعديلات (أي التغييرات) الدستورية، مع النص في البيان الرسمي الصادر عن الحركة على احترام حق من يقرر المقاطعة في اتخاذ هذا القرار، وكان هذا موقفًا ناجحًا ومتقدمًا، قياسا على التشنجات المعتادة فيما سبق من خلافات فص مواقف مماثلة، بما يصحبها من اتهامات جزافية بالخيانة، والعمالة لأجهزة الأمن.

وكانت الحسابات وراء هذا القرار هي أن المقاطعة في الاستحقاقات السابقة، وآخرها كان انتخابات الرئاسة الماضية لم تحقق الكثير، بل ولا حتى القليل، وأن الأوان قد آن للتدرب والتعود على المشاركة من أجل بناء التراكم اللازم على المدى الطويل لأحداث التغيير، بافتراض أن التصويت بالرفض بنسب واضحة – وإن لم تكن كبيرة في البداية- سوف يوجه رسائل لا يمكن تجاهل دلالتها لكافة الأطراف، وأولها نظام الحكم ذاته، وسيشجع المترددون في المستقبل على خوض التجربة، والأهم فإنه سوف يشجع كثيرًا من الواقفين على الخطوط الخلفية على الانخراط في الحياة السياسية والحزبية على وجه الخصوص، وهو ما حدث بالفعل.

ومن المؤكد أن أداء ممثلي هذه الأحزاب وممثلي المستقلين في جلسات الحوار لمجلس النواب قد زاد من ثقة الناشطين في هذه الشخصيات وتلك الأحزاب، واستعاد ثقة بعض المتشككين في جدوى وجدارة العمل السياسي المنظم، كل ذلك طبعًا في حدود عدم المبالغة، أو الإفراط في التفاؤل، في ظل استمرار محاصرة الأحزاب، ومنعها من الاتصال المباشرة بالرأي العام سواء من خلال الإعلام، أو من خلال الاحتكاك الميداني بالجماهير.

أما المفارقة هنا فهي أن الرسائل التي وجهتها علنًا وسرًا الدوائر الرسمية والسياسية المتحدثة باسم النظام إلى معارضي التغييرات الدستورية فكانت تحث على المشاركة، ولو بالتصويت بالسلب، وتحذر من الدعوة إلى المقاطعة على غرار ما حدث في انتخابات الرئاسة في العام الماضي اعتقادًا أن المقاطعة أساءت إلى صورة النظام في العالم الخارجي.

لكن هذه المفارقة ازدادت اتساعًا حين تحولت المشاركة إلى سبب قوي لإحراج النظام، وارتباك ممثليه أمام الرأي العام في الداخل والخارج، حين بالغ هؤلاء الممثلون في استخدام أساليب الضغوط والرشاوى الانتخابية على فقراء المواطنين، وعلى الموظفين العموميين، وعلى عمال وأصحاب العمل الخاص في القطاعات الصناعية والتجارية، للتوجه إلى صناديق الاقتراع، والتصويت بالموفقة بالطبع، فضلًا عن الاحتكار الصاخب للفضاء العام ولوسائل الإعلام كافة لحساب الدعاية المؤيدة، بحيث لم يعد الحديث عن شعور النظام بالحرج، وإصابة ممثليه بالارتباك، وتخبط تصريحات وتفسيرات هؤلاء الممثلين مجرد افتراض أو حتى استنتاج، وذلك بعد أن حاولوا ليس فقط التنصل من وصمة توزيع عبوات مواد غذائية ومبالغ مالية على فقراء الأحياء الشعبية نظير الاقتراع، بل إنهم أحالوا التهمة على حزب الكرامة الناصري، بزعم – لم يصدقه أحد تقريبًا– أن هذا الحزب تلقى تمويلًا من جماعة الإخوان المسلمين لكى يشوه عملية الاستفتاء، بتوزيع المواد الغذائية وغيرها من صور الرشاوى الانتخابية على الفقراء، بل إنهم بالغوا في تكتيك التنصل إلى درجة التهديد بالتقدم بشكاوى رسمية إلى النيابة العامة ضد هذا الحزب، ويلفت النظر أن البيان الصادر بهذا المعنى نشر فى مواقع الصحف القومية نفسها، وليس فقط فى المواقع التى يقال إنها تابعة مباشرة للأجهزة، وبلغ التخبط مداه حين عاد البعض إلى الاعتراف بتوزيع مواد غذائية على (الناخبين)، ولكن من باب فعل الخير قبل حلول شهر رمضان.

لكن أقوى القرائن على حرج وارتباك منظمى الاستفتاء، وعلى النجاح (المعقول فى حدود الممكن) لقرار أحزاب المعارضة والمستقلين المتضامنين، وكذلك لاتجاه نسبة مؤثرة من الرأي العام غير المنظم بالمشاركة للتصويت بالرفض، هي قرار الهيئة العليا للانتخابات بمنع إعلان نتائج فرز الأصوات أولًا بأول في اللجان الفرعية، كما كان يحدث في كل الانتخابات والاستفتاءات بعد ثورة 25 يناير 2011، ومنع الصحفيون من حضور الفرز، وهي قرينة لا تدع مجالًا للشك في أن نسبة التصويت بـ «لا» فاقت كثيرًا المتوقع في حسابات المنظمين، دون أن تصل بالطبع إلى حد الاكتساح، وكل ذلك في إطار نسبة مشاركة أقل من 45% من العدد الإجمالي للناخبين حسب البيانات الرسمية، ما يعني أن أغلب هؤلاء المقاطعين يمكن اعتبارهم من الرافضين، وذلك استنادًا إلى أن المقاطعين يكونون في الأغلب إما محتجين، وإما غير واثقين من حرية الاقتراع، ومن نزاهة عمليات فرز الأصوات.

وبفرض أن النتيجة النهائية كما أعلنتها الهيئة العليا للانتخابات جاءت معبرة عن واقع ما جرى –على الرغم من القرائن السابقة– فإن تصويت ما يقرب من ثلاثة ملايين ناخب برفض التغييرات التي أدخلت على الدستور يوفر نواة صلبة لتيار معارضة سلمية منظمة تكسر جمود الحياة السياسية، بشرط أن يدرك هؤلاء أن ما فعلوه ليس إلا الخطوة الأولى في مسيرة تراكمية طويلة النفس والأجل، لتغيير معادلة الحكم والسياسة، وأن الخطوة التالية هي الانخراط في الأحزاب الجادة القائمة، أو حتى تأسيس أحزاب جديدة، مهما تكن التحفظات على التجربة الحزبية ككل، أو على هذا الحزب أو ذاك، ومهما تكن العقبات المتوقعة من جانب السلطات، وبالطبع بشرط آخر هو سعي هذه الأحزاب نفسها لاجتذاب هذه الكتلة بعضها أو كلها، وذلك عن طريق دعوة من يهمه الأمر من المصوتين بـ «لا» من غير الأعضاء إلى حوارات مفتوحة حول تصوراتهم لأدوارهم، وتوقعاتهم وتحفظاتهم.

نعلم أنها ستكون مبالغة أو خداعًا للنفس أن تعتقد أحزاب وشخصيات الحركة المدنية الديمقراطية، وبقية رموز المعارضة من خارجها أن الفضل كله يعود إليهم في ارتفاع نسبة المشاركة من جانب رافضي التعديلات الدستورية، لأن الفضل يعود بالدرجة الأولى إلى الوعي التلقائي، وإلى شعور الصدمة والخديعة من النظام من النظام الذي تقطعت بسببه أواصر عائلية، وهدمت صداقات بين أحبة، وضاعت الثقة فيه، وما بين التوجس منه أو رفضه، ومع ذلك فيحسب للمعارضة الحزبية وللمعارضين من الشخصيات العامة حمل الشعلة، وتفنيد الآراء المؤيدة، والتماهي مع موقف الكتلة الشعبية الرافضة، ومن هذه النقطة بالذات فإن الأحزاب، والروابط التي تجمع بينها وبين المستقلين والشخصيات العامة توفر الوعاء التنظيمي الشرعي المطلوب لاستيعاب مشاركة تلك الكتلة، بعضها أو كلها وذلك لتوسيع الثقوب التي أحدثتها «لا» في الجدار المصمت المانع من المشاركة الجماهيرية الفعالة في الحياة السياسية.

قرب نهاية هذه السطور تجدر الإشارة إلى أن أداء المعارضة بكل أطيافها في معركة التعديلات الدستورية من البداية إلى النهاية يمكن أن يشكل بداية التصحيح للخطأ المتكرر من جانبها بعد 30 يونيو 2013، وهو الخطأ الذي تحدثنا عنه في مقالنا السابق في «مدى مصر»، وقلنا إنه يتمثل في سوء تقديرها لتصميم النظام الحالي وقدرته على فرض رؤيته وسياسته دون مشاركة أو مساءلة، ودون أدنى فرصة لرأي آخر، واستدراج هذه المعارضة إلى الرهان من استحقاق لآخر على إمكان الإنفتاح أو المشاركة دون جدوى.

ختاما.. ومرة أخرى، ولن تكون أخيرة أقول إن المشاركة في الحركة الحزبية، والشأن العام بالعمل السلمي المنظم هما الفريضة الغائبة عن كل مصرى ومصرية يريدان دولة المواطنة والقانون، ومساءلة السلطة وتداولها سلميًا.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد