بين الأمل واليأس.. لماذا كان التصويت ضد التعديلات الدستورية رائجًا بين المعارضة؟
 
 
أحمد بدوي
 

لم يكن الموقف من الاستفتاء على التعديلات الدستورية واضحًا منذ البداية بالنسبة لماهينور المصري، المحامية الحقوقية، 33 سنة. ارتبكت بين خياري المقاطعة أو المشاركة والتصويت بـ «لا»، لكنها اكتشفت أنها محرومة من مباشرة حقها السياسي في التصويت، بسبب سجنها في قضايا تظاهر (رغم عدم اتهامها بتهم تمنعها من التصويت).

ترى في التعديلات «ختم الوفاة لثورة يناير»، ولهذا تصبح كل الخيارات متشابهة, لكنها، رغم هذا، كانت تميل إلى المشاركة والتصويت بـ«لا». «فعل وحركة، ورسالة أننا لسة ما موتناش».

تقول ماهينور لـ «مدى مصر»، إنها كانت في أغلب المرات تميل إلى خيار المقاطعة، لكنها هذه المرة ترى أن السؤال بسيط. ليس الاختيار بين أشخاص، جميعهم سواء، بل إجابة على سؤال: «هل أنت شايف أن ده المفروض يحصل ولا لأ؟ مفيش إجابة تانية».

كنت أقل ارتباكًا من ماهينور. ضايقني ازدحام الشوارع بلافتات التأييد والدعوة للمشاركة كثيرًا. وقررت من البداية مقاطعة الاستفتاء. بمعنى أدق، لن أبالي.

بالرغم من عدم وضوح التعديلات الدستورية بشكل مكتمل حتى إعلانها أثناء موافقة البرلمان نهائيًا عليها، لم يمنع هذا امتلاء الميادين والشوارع الرئيسية في القاهرة والمحافظات، منذ نهاية شهر مارس، بلافتات تحث المواطنين على «عمل الصح»: شعارات مثل «معًا لتعديل الدستور»، و«انزل شارك علشان بلدنا»، «مشاركتك مسؤولية خليك قدها»، «تعديلات دستورية لمستقبل أفضل لمصر»، وغيرها. بحسب تقرير نشره «مدى مصر» اﻷسبوع الماضي، أُجبر الكثير من أصحاب اﻷكشاك والمقاهي المحلات على تعليقها جبرًا.

التعديلات التي انتهى البرلمان من مناقشتها يوم الثلاثاء الماضي، بعد مناقشات استغرقت أسابيع قليلة، تسمح للرئيس عبد الفتاح السيسي بالبقاء في الحكم حتى عام 2030، وتوسع سلطته على القضاء، وتفتح الباب أمام القوات المسلحة بالتدخل السياسي تحت دعوى «حماية مدنية الدولة». وفي اليوم التالي لموافقة البرلمان، أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات بدء التصويت يوم الجمعة للمصريين المقيمين في الخارج، والسبت للمصريين بالداخل.

وعلى عكس مواسم التصويت السابقة، لاقت الدعوة للتصويت بـ «لا» صدى أكبر هذه المرة من الدعوة للمقاطعة. مثل ماهينور، اتفق الجميع على أن هذه التعديلات تمثل نهاية ثورة يناير. وبينما مال بعضهم للتصويت بـ «لا» من باب التمسك بشيء من الأمل؛ مجرد رمز لكتلة ثورية مازلت موجودة وتتنفس وليست مستترة، كان الأمر أقل وضوحًا لآخرين.

في منشور على فيسبوك شاركه اﻵلاف، دعا خالد فهمي، أستاذ الدراسات العربية الحديثة بجامعة كامبريدج، إلى التصويت بـ «لا»، معتبرًا أن هذه التعديلات تغير من «طبيعة النظام الجمهوري كله».

مهندسة مدنية مقيمة في القاهرة، 38 سنة، تحدثت إلى «مدى مصر» وفضلت عدم نشر اسمها، لدبها تخوف آخر من بقاء الحكام للأبد، وتعتقد أن التصويت بـ «لا» ضروري لأنه يأتي من الخبرة بنظام مبارك،  «علينا ألا نستسلم لفكرة أن الحكام السلطويين يستمرون في الحكم للأبد». هذا هو درس 2011، بالنسبة لها. توضح «الناس الموجودة في المنطقة المريحة وشايفين أن اﻹبقاء على السلطة الحالية هو الطريق للاستقرار لازم يسألوا نفسهم عن الموقف ده في ضوء اللي حصل في 2011، واللي بيحصل حوالينا في تونس والجزائر والسودان».

تضيف أننا لا يمكننا أن نتخذ موقفًا محايدًا، خاصة أن هناك موقف معاد للتعديلات يجب بلورته. «الناس بتتكلم في الشارع وعلى السوشيال ميديا ضد التعديلات وده لازم يظهر في الصناديق»، مشيرة إلى تجربة استفتاء 2012 على الدستور وقت الرئيس الأسبق محمد مرسي، باعتباره مثال جيد على أنه كان هناك كتلة تصويتية كبيرة رافضة للدستور، تجاوزت نسبتها 36% بحسب النتائج الرسمية. مر الدستور وقتها، ولكن هذا العدد كان مهمًا، في رأيها، لتوثيق معارضة هذه السلطة.

يتفق معها المحامي الحقوقي محمد عزمي، 39 سنة، والمقيم في مدينة واشنطن الأمريكية، في أن المقاطعة ليست لها تأثير. «أنا شايف أن موضوع المقاطعة ده مالوش أي مكاسب بل بالعكس ده بيرجعنا إلى ما قبل ٢٠٠٦ نفس الحالة ونفس الكساد السياسي و اللامبالاة»، يقول عزمي. لكن التصويت ضد التعديلات هو فعل مقاوم. يوضح لـ «مدى مصر» أن «المقاومة بالنزول والمواجهة وحتى لو هما هيزوروا هيبقوا متكدرين أننا كتير و قولنا لا.. كمان العالم مش مهتم بينا زي ما الناس فاكرة، ومش هيهتم بشعب بائس مش عارف يقاوم».

وليد الزيات، 37 سنة، وهو طاهٍ مقيم في مدينة ميلانو الإيطالي، كان يميل إلى المقاطعة في المعتاد لكن موقفه تغير. فيقول «أنا قاطعت الانتخابات سواء برئاسة المدة التانية أو البرلمان، وكانت النتيجه برلمان تم صناعته من الأمن ونتج عنه دستور لازم يتم الاستفتاء عليه، ده صحيح مخالف للدستور لكن بقى شيء واقعى. كونى أنا وغيري من الشعب ينزل يصوت بـ لا، يبقى عندنا مبرر لو حصل تزوير أننا ننزل الشارع ونعترض، لكن عدم المشاركة مش هيفيد بالعكس».

ماهينور اعتبرت أن هناك «مساحة صغيرة أن الناس تنزل تتكلم وتتناقش، وتمارس فعل السياسة، لأن بقالنا كتير مفيش سياسة، لا بنسمع الناس ولا بنكلمهم». هناك مجموعة قررت المقاطعة كموقف سياسي، بحسب رأيها، لكن هناك في المقابل الموقف اللامبالي. «آفة اللامبالاة خطيرة جدًا، أن الناس يحسوا أنهم مبقوش جزء من المعادلة».

أما الناشطة السياسية وعضو الحركة المدنية الديمقراطية إلهام عيداروس فقد فسرت لـ «مدى مصر» قرار الحركة وموقفها الشخصي الداعي للتصويت ضد التعديلات الدستورية، وقالت «خيار المقاطعة كان هيظهر كأن المعارضة بتتمسح في العازفين عن السياسة، والتحدي هو تحويل القرف والعزوف من العملية السياسية إلى رفض إيجابي، في ظل عوار إجرائي وأمني لا يسمح بدعاية معارضة للتعديلات».

بشكل شخصي لعيداروس، التصويت بـ «لا» هو المقابل لما فعلته السلطة الحالية من إفقاد الناس الأمل، فلو كانت هناك نسبة جيدة للمصوتين بـ «لا»، ستعيد هذه النسبة الأمل والثقة، «مش بس للمعارضة ولكن للمواطنين كمان، اللي هيحسوا أن البلد مامتتش، وأنهم مش لوحدهم اللي مش موافقين على الحال ده».

«أنا نزلت قولت لأ، دي آخر محاولة من ناحيتنا، دي هتبقى آخر حاجة عملتها، عشان أقول لبنتي في المستقبل إني عملت اللي عليا. الاستفتاء ده آخر مسمار في نعشنا»، تفسر مروة، 37 سنة، مقيمة في القاهرة وتعمل استشارية موارد بشرية، بمرارة لماذا فضلت التصويت ضد التعديلات الدستورية عوضًا عن المقاطعة. «ما ينفعش نكرر اللي أهالينا عملوه في التسعينيات، لما سلموا الموضوع، ومبارك فضل في الحكم، المرة دي هي آخر فلفصة، وآخر نفس، حتى لو التعديلات هتمر».

حين وجدت نفسي داخل إحدى اللجان الانتخابية، بغرض التغطية الصحفية، لم أعيد التفكير في موقفي المرتبك، لكنني وجدت نفسي أصوت بـ «لا»، لا يمكنني تبني سببًا محددًا وواضحًا لموقفي هذا، ربما كان فقط نكاية في العرس «الديمقراطي» والاحتفالات والديجيهات والراقصين حول اللجان، وربما مثل مروة كان الفعل المقاوم الأخير، أو مثل ماهينور وإلهام، حتى نبقي على قليل من الأمل.

اعلان
 
 
هدير المهدوي