التصويت على إيه؟.. سر «سلق» التعديلات الدستورية
 
 
صورة: محمد الراعي
 

«لو سمحنا لكل ناخب إنه يقرا الـ21 مادة ويقارن بينهم وبين المواد الحالية في الدستور ويفكر وبعدين يقول آه أو لأ هنبقى محتاجين أكثر من 15 يوم عشان نخلص الاستفتاء» – عضو بالهيئة الوطنية للانتخابات ردًا على سؤال «مدى مصر» حول أسباب عدم إدراج الهيئة الوطنية للانتخابات لنصوص التعديلات الدستورية ضمن بطاقة إبداء الرأي.

في مقابل تعدد التعديلات الدستورية وكثرة الموضوعات التي تضمنتها؛ ما بين مواد تخص منصب رئيس الجمهورية، وأخرى تخاطب السلطة القضائية، والقوات المسلحة، فضلًا عن المواد المتعلقة بعودة الغرفة الثانية للسلطة التشريعية وغيرها، جاءت لجان الاستفتاء داخل البلاد وخارجها، خالية من أي إشارة لنصوص هذه التعديلات.

اقتصرت بطاقات التصويت على مطالبة الناخب بخيار وحيد، بقبول أو رفض التعديلات رغم تعددها واختلاف موضوعاتها، دون محاولة -ولو رمزية- من قبل الهيئة الوطنية للانتخابات، لتذكير الناخب بنصوص التعديلات. واعتبر عدد من القضاة أن عدم تضمين التعديلات في بطاقة إبداء الرأي يعد مخالفة قانونية ودستورية.

لكن دلالة هذا التجاهل من قبل هيئة الانتخابات يتجاوز الخطأ اﻹجرائي خصوصًا عند النظر إلى السرعة الكبيرة في الانتهاء من التعديلات المقترحة. استغرق مجلس النواب يومًا واحدًا من مهلة الشهر التي حددها الدستور للموافقة على التعديلات، وفي اليوم نفسه أرسل البرلمان المواد المعدلة لرئيس الجمهورية، وفي اليوم التالي مباشرةً أرسل الرئيس التعديلات لهيئة الانتخابات التي دعت للاستفتاء بعد ساعات من تلقيها مخاطبة الرئيس. وجاءت هذه الرغبة في سرعة الانتهاء من التعديلات حتى على حساب توضيح ومناقشة حقيقية لمحتواها.

ولهذا خلت مناقشات المؤيدين والمعارضين للتعديلات من الحديث عن أية تفاصيل مرتبطة بالتعديلات. واتفق الكثيرون «ضمنيًا» على اعتبار الاستفتاء «انتخابات السيسي». «هتفرق إيه [الناخبين] عرفوا ولا معرفوش»، يقول مصدر برلماني، «اللي مع الرئيس هيأيد واللي ضده هيرفض».

إعلان التعديلات ومناقشتها والموافقة عليها

إخفاء التعديلات وتعمد إخراجها من المشهد، لم يكن نهج الهيئة الوطنية للانتخابات وحدها، فسبقها إليه مجلس النواب منذ إعلان تلقيه مقترح بتعديل الدستور في 2 فبراير الماضي، حيث تم التكتم على المقترح ومقدموه الـ 156 الذين لم نعرف منهم سوى عبد الهادي  القصبي رئيس ائتلاف الأغلبية «دعم مصر» حتى الآن، ونقلت وسائل الإعلام والفضائيات وقتها على لسان نواب بائتلاف اﻷغلبية بتضمين التعديلات مقترحات مثل عودة وزارة الإعلام وإلغاء المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام، غير أن المقترح الذي أعلنه رئيس البرلمان في 5 فبراير لم يتضمن تلك التعديلات، وبعدها ظل مقترح التعديلات الدستورية غامضًا حتى توصلت اللجنة التشريعية في جلستها الأخيرة لصياغة نهائية لنصوص التعديلات، في 14 أبريل الجاري، والتي فوجئ النواب بتعديل بعضها مرة أخرى خلال جلسة التصويت النهائية للبرلمان يوم الثلاثاء الماضي.

أحد نواب رئيس المحكمة الدستورية العليا، طلب عدم ذكر اسمه، قال لـ«مدى مصر» إن رغبة صانعي التعديلات في إنهاء تعديل الدستور في أسرع وقت ممكن، حوّل الأمر كله إلى مشهد عبثي عنوانه «اللي يحب الرئيس يؤيد» دون الاكتراث بماهية التعديلات التي ستُبقي الرئيس في الحكم حتى عام 2030، وتمنحه كل الصلاحيات لإخضاع باقي سلطات البلاد.

اتفق النائب محمد فؤاد مع رؤية نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا لعبثية مشهد التعديلات الدستورية وارتباطه بالموقف المسبق من النظام ومن الرئيس. يتضح هذا بالنسبة إليه في اندفاع كثير من نواب البرلمان لتأييد التعديلات الدستورية حتى قبل معرفة طبيعتها. على سبيل المثال، يشير فؤاد إلى استمرار نواب بائتلاف «دعم مصر» في عقد مؤتمرات بالقاهرة والمحافظات للترويج لبقاء الرئيس في الحكم حتى عام 2034، حتى بعد تعديل المادة الانتقالية لتسمح ببقاء الرئيس في الحكم حتى عام 2030 فقط.

وأشار نائب رئيس «الدستورية» إلى أن البرلمان حدد الصياغة النهائية للمواد المطلوب تعديلها وإضافتها لدستور 2014 الساري، الثلاثاء الماضي، وقام بإرسالها إلى رئيس الجمهورية في نفس اليوم. وفي اليوم التالي، الأربعاء، قام الرئيس بدوره بمطالبة الهيئة الوطنية للانتخابات بدعوة الناخبين للاستفتاء على التعديلات، لتقوم الهيئة في نفس اليوم، بدعوة الناخبين للتصويت على التعديلات بعد يومين فقط. وتساءل نائب الدستورية حول جدوى «سلق» التعديلات الدستورية وتمريرها في أيام معدودة، وتعمد عدم إتاحة الوقت الكافي لمناقشتها ومعرفة آثارها وتداعياتها، والتعامل معها بنفس طريقة تمرير اللوائح والقوانين.

بحسب رأيه، كان على الهيئة الوطنية للانتخابات أن تتخذ كل الإجراءات الكفيلة بعرض التعديلات على المواطنين، ولو بتوفير نسخة داخل كل لجنة فرعية، لضمان اطلاعهم بشكل فعلي عليها.

مصدر بالهيئة الوطنية للانتخابات أوضح لـ«مدى مصر» أن الهيئة أرفقت قرارها بدعوة الناخبين للاستفتاء بنص التعديلات التي أقرها البرلمان، وقد تم نشر القرار في الجريدة الرسمية، وتوزيعه على وسائل الإعلام. كان هذا كافيًا بالنسبة له كي «يتصل علم العامة بها».

واعتبر المصدر، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن الناخب يجب أن يطلع على التعديلات ويحدد موقفه منها وبعدها يذهب إلى لجنته ليدلي بصوته. بحسب تعبيره، «لو سمحنا لكل مواطن يدخل اللجنة ويقرا الـ21 مادة ويقارن بينهم وبين المواد الحالية في الدستور ويفكر وبعدين يقول آه أو لأ هانبقى محتاجين أكثر من 15 يوم عشان نخلص الاستفتاء».

أحد نواب رئيس مجلس الدولة أكد لـ«مدى مصر» أن الهيئة ارتكبت مخالفة دستورية واضحة بعدم تضمين بطاقة إبداء الرأي بنصوص التعديلات الدستورية، بل وبعدم أخذ رأي الناخب على موضوع كل تعديل على حدة.

وفسر النائب، الذي فضل عدم ذكر اسمه، بأن الدستور حدد في المادة 157 منه القاعدة العامة لاستفتاء الشعب في المسائل التي تتصل بمصالح البلاد العليا. إذا كان الاستفتاء على أكثر من موضوع أو مسألة، يكون التصويت على كل موضوع على حدة. وفي حالة التعديلات الدستورية، كان ممكنًا للهيئة الوطنية للانتخابات -من باب التخفيف- جعل التصويت على مواد كل سلطة على حدة بديلًا عن التصويت على كل مادة، بحسب رأيه. على سبيل المثال، ينقسم التصويت إلى تعديلات متعلقة بالسلطة التنفيذية، وأخرى بالسلطة القضائية، وثالثة بالسلطة التشريعية، وهكذا.

غير أن عضو الهيئة الوطنية للانتخابات اختلف مع رؤية نائب رئيس مجلس الدولة، في مخاطبة تلك المادة للتعديلات الدستورية. تحدث الدستور عن خمس حالات تستوجب دعوة الناخبين للاستفتاء، هي: حل مجلس النواب من جانب رئيس الجمهورية، والاستفتاء على معاهدات الصلح والتحالف، إضافة إلى الدعوة من قبل رئيس الجمهورية للاستفتاء على المسائل التي تتصل بمصالح البلاد العليا، والاستفتاء على قيام مجلس النواب باتخاذ إجراءات سحب الثقة من رئيس الجمهورية، وأخيرًا الاستفتاء على تعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور.

وبحسب عضو الهيئة، فإن الحالة الوحيدة التي ألزم فيها الدستور بأخذ الرأي في كل مسألة على حدة هي المادة الخاصة بسلطة رئيس الجمهورية في دعوة الشعب للاستفتاء على المسائل التي تخص المصلحة العليا للبلاد. على سبيل المثال، إذا قرر رئيس الجمهورية مثلًا عمل وحدة مع ليبيا والسودان، ورئيس واحد، وجيش موحد، فإن تطبيق تلك المادة يتطلب تقسيم بطاقة إبداء الرأي في الاستفتاء عليها إلى ثلاثة أسئلة خاصة بالوحدة، وبالرئيس، وبالجيش. لكن بخلاف ذلك، لم يلزم الدستور في حالات الدعوة الاستفتاء الأربعة المتبقية، ومن بينها حالة التعديلات الدستورية، بأخذ الرأي على كل تعديل أو موضوع على حدة.

لكن نائب رئيس مجلس الدولة، والذي يترأس إحدى دوائر المحكمة الإدارية العليا، يختلف مع هذا التفسير. بالنسبة إليه، حدد الدستور القاعدة العامة لاستفتاء الشعب في الموضوعات التي تتعلق بالمصلحة العليا للبلاد في المادة 157 منه، وفي المادة الخاصة بالتعديلات الدستورية رقم 226، حدد من له الحق في طلب تعديل الدستور سواء رئيس الجمهورية أو خمس أعضاء مجلس النواب، وكذلك آلية مناقشة التعديل. ومن ثم تسري القاعدة العامة المحددة في المادة 157 كذلك في حالة التعديلات الدستورية، ليكون سؤال الناخبين عن كل تعديل على حدة.

وتعجب نائب رئيس مجلس الدولة من حديث عضو الهيئة الوطنية للانتخابات عن تعذر إتاحة نصوص التعديلات في بطاقة الاقتراع أو داخل اللجان لتطلب الأمر وقتًا، متسائلًا عما يمنع الهيئة من إتاحة الوقت المناسب لإطلاع المواطنين على التعديلات التي من المفترض أنها ستطبق لسنوات طويلة.

بحسب رأيه، فإن عدم اهتمام الهيئة بإتاحة الوقت المناسب لإجراءات الاستفتاء يأتي من تأكدها من عدم عرقلة أي جهة قضائية لمسار التعديلات السريع. اتضح هذا بالنسبة له في أحكام الدائرة الأولى بالمحكمة الإدارية الأخيرة بعدم قبول عدة دعاوى تطالب بوقف الاستفتاء لعدة أسباب من بينها ضرورة إجراء التصويت على التعديلات المقترحة مادة مادة وليس جملة واحدة، موضحًا أن الدائرة رفضت التصدي للدعاوى، ووصفت قرار الهيئة بالدعوة للاستفتاء بالقرار التنفيذي رغم أن قانون الهيئة الوطنية للانتخابات نفسه أكد أن قراراتها الخاصة بالاستفتاءات والانتخابات الرئاسية والبرلمانية هي قرارات إدارية، تخضع لرقابة المحكمة الإدارية العليا.

وكانت الدائرة اﻷولى بالمحكمة الإدارية العليا قد تلقت في 18 أبريل الجاري عدة دعاوى قضائية تطالب بوقف تنفيذ قرار الهيئة الوطنية للانتخابات بدعوة الناخبين للاستفتاء على التعديلات الدستورية التي أجريت أيام 19 و 20 و21 من شهر أبريل الجاري خارج البلاد، وأيام 20 و 21 و 22 من الشهر نفسه داخل البلاد، وقد قضت المحكمة الجمعة 20 أبريل بعدم قبول جميع الدعاوى، وذكرت في حيثيات أحكامها أن قرار هيئة الانتخابات بدعوة الناخبين للاستفتاء على التعديلات، هو مجرد عمل تنفيذي لما أوجبه الدستور من عرض التعديلات الدستورية على الشعب باعتبار أن الشعب وحده صاحب السيادة ومصدر السلطات وله القول الفصل في الموافقة على التعديلات الدستورية أو رفضها.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن