نصائح للثوار

عمليًا وبسبب ضغوط المراقبة، واللُهاث في أقل من نصف يوم لإعادة بناء حياتي العائلية، والاجتماعية، والمهنية تعطلت قدرتي على متابعة الأخبار، والنقاشات العامة. نفسيًا يصعب علي فكرة متابعة ثورات الجزائر، والسودان كمتفرج غير فاعل، وأنا مُحاطٌ بمشاهد العجز التام للمعارضة المصرية.

ولكني تابعت باهتمام السجال الدائر حول إذا كنا كمصريين لدينا ما نقدمه من نصائح للشعبين. عمومًا النصح يكون غالبًا شكل من أشكال «النوستالجيا» أكثر منه موقف عملي، حنين لزمن كنا فيه فاعلين، ومؤثرين.

وربما يكون الأفيد لنا وللرفاق في الجزائر، والسودان أن نعترف بالجانب العاطفي هذا ونستفيد من تلك الحالة في طرح بعض الأسئلة عن ماضينا القريب؟  إذ استخلصنا من تلك النقاشات دروسًا، وعِبرًا ستكون في الغالب مفيدة لنا كمصريين، أكثر من كونها دروسًا عامة صالحة لكل زمان ومكان، وربما لا نصل لإجابات بالمرة، ولكن قد يفيدنا اختبار سردياتنا الذاتية والجماعية عن تاريخ عشناه معًا، ولكننا فشلنا في توثيقه، وسار محل صراع مفتوح مع سلطة قررت قتل المعنى كغطاء على عجزها عن إنتاجه.

لنبدأ مثلًا بالنصيحة الدارجة بعدم ترك الميادين بعد التنحي، تبدو وكأنها نصيحة طبيعية، ومنطقية، وبديهية أصلًا ولا داع لذكرها، لكن هل تمعّنا فيها بجدية؟ هل كانت مسارات الثورة المصرية ستتغيّر لو بقينا في الميادين في اليوم التالي لـ11 فبراير؟ ألم نعد للاعتصام مرارًا وتكرارًا بعدها؟ وفي كل مرة استمرت الاعتصامات فترات أطول وأطول؟ أظن أن هذه النصيحة تحديدًا بلا معنى، لأن قدرة الاعتصام على الاستمرار أمر يرتبط بتفاصيل لحظية، وسياقات محلية جدًا يستحيل أن نقدرها عن بعد.

مثال آخر، مسألة التفاوض بعد سقوط الرئيس. نصائحنا لا تمثل حتى مراجعة أو تعبّر عن دروس مستفادة بل مجرد إعادة لمواقف تمترسنا فيها منذ 2011. مثلًا يصر السيد عمرو الشوبكي على نصح ثوار الجزائر والسودان بالتعاون مع الجناح الإصلاحي في النظام رغم أن هذا الجناح المزعوم لم يفصح عن نفسه طوال تاريخ الجمهورية المصرية. بالمقابل تتعالى تحذيرات أهل الميدان من خطورة التفاوض في المطلق كأنها تعبّر عن دروس مستفادة من التجربة المصرية رغم أننا نكاد نكون بلا تجربة في مجال التفاوض، بل وتتصاعد نغمة التخوين لمَن تفاوض من مصر فيما يمثل حكم أخلاقي قطعي على قادة ونشطاء في ظروف لم نخبرها، بل أن مَن يخون يتجاهل حقيقة أن الوحيد من القادة الشباب المصريين الذي ارتضى التفاوض مبكرًا أيام التحرير المجيدة مختفٍ الآن، ولا نعلم مصيره لأن النظام الحالي اعتبره من عتاة المعارضين.

في المقابل ربما يفيدنا، وقد يفيدهم أكثر لو فتحنا جدلًا عن أمور مثل أهمية أن تُعطي للحريات الشخصية، وكرامة الجسد أولوية مطلقة، أو مخاطر استسهال خطابات مقولبة موروثة عن حراكات وحركات الماضي خصوصًا خطابات القومية، ورطانات الرجولة، أو الإغراق في تفاصيل مطالب وأدوات فئات كان لها ثقل تاريخي ربما تخطاها الزمان كالقضاة، والعمال، والموظفين.

لنسأل أسئلة شائكة، قد تبدو أقل إلحاحًا ولا تتحمل إجابات حاسمة قاطعة، ولكننا في مصر لسنا في موقع حسم، وبالتالي نملك رفاهية التأمّل والمراجعة.

فمثلًا تشترك ثورات العرب في ظاهرة رجال الدولة القدامى شركاء صناعة الدكتاتورية التي تحاول تصدر المشهد وتوجيه التحرك الثوري. كما تشترك في الأدوار المركبة التي يلعبها قضاة وسفراء وكبار موظفين لم نسمع منهم أي مواقف معارضة أو حتى إصلاحية إلا بعد اندلاع الثورات. غالبًا ما يستفيد هؤلاء من محاولات الثورة الحديث عن نفسها، لا كقطيعة مع الماضي، بل كتصحيح له ليمضي الشعب إلى مصيره التاريخي المحتوم.

هل يمكن لنا فعلًا تحرير مفردات وخطابات القومية والوطنية والهوية لبناء سردية تربط بين نضالات الماضي و حراك الحاضر؟ سردية نمتلكها ولا تملكنا، تعبّر فعلًا عن طموحاتنا وآلامنا و أحلامنا؟ أم أن هذه المفردات وهذا التاريخ تمّ تأميمه تمامًا في مناهج المدارس وشاشات التلفزيون والإذاعات الرسمية ومخيلة الفنانين المرضي عنهم من الدولة حتى صارت فخًا، كلما استدعيناها فتحنا أبواب لأشباح الماضي لركوب الثورة وتوجيه مسارها؟

غالبًا لم نصل لإجابات ونصائح قاطعة، وستلتبس علينا الأمور بشدة. لكن ربما يكون لبَس مفيد، فاليقين بعظمة ثورتنا، واليقين بفداحة خسارتنا مشاعر مفهومة ونبيلة، لكن تظل مشاعر تخص الماضي لا المستقبل.

اعلان
 
 
علاء عبد الفتاح