مروان عمارة والفيلمان: الوثائقي والروائي
 
 

في بدايات القرن العشرين وعى منظرو وصناع السينما سريعًا لأهمية وجود خط واضح في الأفلام يفصل بين ما هو خيال وما هو واقع، ثم جاء المخرج الإنجليزي چون جريرسون وصك تسمية  «الفيلم الوثائقي» لأول مرة لدى عرض فيلم «نانوك الشمال» (1922) للمخرج الأمريكي روبرت فلاهيرتي.

نفذ فلاهيرتي في فيلمه، الذي سيتكرر ذكره في هذا المقال، ما اعتبره جريرسون في تعريفه للفيلم الوثائقي بـ«التناول الإبداعي للحقيقة»؛ حيث طلب فيه من مجموعة من السكان الأصليين في الإسكيمو أن يعيدوا أمام كاميرته أداء طقوس صيد بدائية، كانوا قد كفوا عن ممارستها بالفعل قبل سنوات من تصوير فيلمه.

جريرسون لم يطلق تسميته على فيلم « يوم في حياة عامل منجم فحم» (1910) للمخرج الانجليزي تشارلز إربان، وهو من الأفلام التي تعتبر بذرة للتقارير الإخبارية التلفزيونية، مع أن إربان أيضًا طلب في فيلمه من عمال المناجم أن يعيدوا أمام كاميرته أداء فعل التنقيب داخل ديكور بناه، ليراوغ صعوبة نقل معدات التصوير الضخمة وقتها داخل منجم حقيقي، مبتدعًا بذلك تقليد انتهجه العديد من السينمائيين في أفلامهم التي تناولت الحرب العالمية الأولى، ليراوغوا بدورهم منع القيادات العسكرية لهم من اصطحاب كاميراتهم إلى جبهات القتال.

بمعزل عن نَص التعريف، فقد استعاض كلا النموذجان عن الواقع بالخيال في تناولهما السينمائي للحقيقة؛ استعانا بخيال روائي يتحكم في المكان فيصبح حلًا لمشكلة في فيلم إربان، ويتحكم في الزمان فيصبح اختيارًا جماليًا لفلاهيرتي. النموذجان وثائقيان طبقًا لتصنيف المنظرين السينمائيين والمنتجين ومبرمجي المهرجانات ومسؤولي الدعاية، كذلك أيضًا يُصنَّف فيلم «الحلم البعيد» (2018) لمروان عمارة.

تَلاعَب مروان ببنية وشكل اللغة السينمائية التي استخدمها وتنقل بينها في أفلامه الثلاثة السابقة (قص، الزيارة، واحد زائد واحد يساوي كيكة فرعون بالشيكولاتة) بما يفتح المجال عند تحليل فيلم «الحلم البعيد»، الذي يتناول طموحات وأزمات سبعة من العاملين في منتجع شرم الشيخ السياحي، للقيام بتمشية ذهابًا وإيابًا في مسارين متقاطعين؛ المسار الأول يتعلق بتعريف الفيلم الوثائقي الآن، ويتعلق الثاني بوضع الشخصيات داخل هذا التعريف.

في تسعينيات القرن الماضي استكمل بيل نيكولز، أستاذ السينما الفخري في جامعة سان فرانسسكو، تعريف جريرسون لطبيعة الفيلم الوثائقي بتفنيده الفارق بين السينما الروائية التي تتواصل مع المُشاهد عن طريق تعطيل التكذيب، والسينما الوثائقية التي تتواصل معه عن طريق تعزيز التصديق. نفس التصديق الذي تتواصل به معنا الأمثال الشعبية على سبيل المثال من خلال تناولها الجمالي/الإبداعي لتفاصيل واقعنا اليومي وقيم الثقافة الجمعية التي تحيط بنا.

تعزز السينما الوثائقية هذا التصديق من خلال «خطاب رصين» تتناول به الحقيقة ليميزها عن السينما الروائية. خطاب رصين تأتي فيه الاختيارات الجمالية لصانع الفيلم (كأحجام اللقطات وترتيبها وإيقاع تتابعها ومكان الشخصيات داخلها، وكتصميم شريط الصوت واستخدام موسيقى تصويرية وغيرها من الاختيارات الإبداعية) كعنصر يميز السينما الوثائقية مرة أخرى عن التقارير الإخبارية ويصنع للمخرج رؤية وصوت خاص يذوب فيهما الخط الفاصل بين السينما الوثائقية والسينما الروائية. يرى نيكولز أن تلك الرصانة في تناول الحقيقة تكتسب تماسكها ومصداقيتها من خلال الالتزام بالقوالب التي رسخت بالتراكم ومرور الزمن في ذاكرة وثقافة مُشاهدي السينما الوثائقية، كقالب السينما التوجيهية الذي يتبنى وجهة نظر معينة في تقديم الواقع، وقالب السينما المُلاحِظة الذي يكتفي بمراقبة الواقع، وقالب السينما الذاتية الذي يقدم انعكاس الواقع على أفكار ومشاعر صانع الفيلم. لكن نيكولز يحذر أيضًا من أن ذلك الالتزام نفسه يحمل بداخله مخاطرة يكون خطاب الفيلم معرضًا معها للتكذيب إذا ما اختل.

في أفلامه الثلاثة التي سبقت «الحلم البعيد» مزج مروان عمارة بين قالب السينما المُلاحِظة وقالب السينما التوجيهية. تغيرت ولاءاته أيضًا داخل قالب السينما التوجيهية نفسه بين وجهتي نظر متضادتين من خلال النصوص المكتوبة في فيلمي «واحد زائد واحد» و«الزيارة» ومن خلال الراوي المُحترف في فيلم «قص». في «واحد زائد واحد» يضيف مروان نَصْ اعتراضات المؤسسة المنتجة على نسخة الفيلم المبدئية مكتوبةً على الشاشة في نسخة العرض النهائية ليؤكد بها الخلاف الجذري الذي نتابع تصاعده أمامنا تدريجيًا في الفيلم بين الموسيقية السويسرية عايشة ديفي والموسيقي المصري إسلام شيبسي أثناء تجهيزهما لعمل مشترك تموله تلك المؤسسة. في فيلم «الزيارة» أيضًا يتدخل مروان بكتابة ملاحظة تأسيسية رغم اقتضابها بخصوص «المفاجآت» التي اكتشفها حين قارن بين ما طلبته المؤسسة المنتِجة والواقع الذي تعيشه الريفيات فعلًا كما التقطته الكاميرا. كذلك يأتي النص الذي يتلوه الراوي بالنيابة عن أحد موظفي مؤسسة الأهرام الصحفية في فيلم «قص»، بما يحتويه من إرهاق وسخط، ككشف وفضح للقطات تتوالى وتعرض لنا ببرود ذلك الإيقاع الروتيني الذي يسير به العمل داخل هذه المؤسسة. تحولات الولاء تلك معلنة بوضوح إذن في الثلاثة أفلام.

خدع مروان المؤسسات الإنتاجية والرسمية وتمرد على خطاب تلميع صورتهم ليوجه المشاهد بخطاب معاكس في اتجاه يشوه تلك الصورة، داعمًا ذلك بسيل من اللقطات المسربة من كواليس الخطاب الرسمي الذي مولته المؤسسات المنتجة. «الحقيقة» التي يتناولها مروان ويقدمها لنا في الأفلام الثلاث تكتسب ثقلًا مضاعفًا بفضل الإمكانيات والتسهيلات الإنتاجية التي استطاع توفيرها قبل وأثناء مرحلة التصوير عن طريق صياغته «اتفاق» ترضاه تلك المؤسسات المنتجة، ذلك الاتفاق يتحتم إضافته كعنصر أساسي من عناصر ميزانية الأفلام الثلاث بالتوازي مع تناوله فنيًا. فلم تكن الأفلام الثلاثة لتوثّق نفس «الحقيقة» لولا هذا الاتفاق، ستتبدل وتتغير تبعًا للمسافة التي يستطيع مروان تأمينها بين الفيلم وموضوعه.

لذا ورغم شكوى مروان من الرقابة والتضييقات تأتي مؤسسة السلطات الرسمية التي مرّرت تصوير فيلم «الحلم البعيد» كلاعب أساسي لم يكن ليتم تنفيذ الفيلم داخل مدينة مهمة أمنيًا كشرم الشيخ بدونه. ذلك التطور في علاقة مروان بالمؤسسات جعل الخطاب الذي يتكوّن أمام الكاميرا متوافقًا مع الخطاب المتفق عليه خلفها وبلا نوايا تغيير، فتطوَّرت معه لغة مروان السينمائية نفسها. يضعنا ذلك أمام تساؤل يخص وعي مروان بخطاب المؤسسات المنتجة والراعية لأفلامه السابقة قبل الاتفاق معها على تولي مهمة التنفيذ، إجابة التساؤل تكشف علاقة مروان نفسه بموضوعات وعوالم أفلامه لا علاقته بالمؤسسات فقط.

عند هذه النقطة يجدر بالذكر أن روبرت فلاهيرتي لم يقم بتغيير ولاءه في فيلم  «نانوك الشمال»، بل توافق مع تاجر الفراء الذي موّله وقدم طقوس صيد الحيوانات الثديية المسالمة كنشاط تقليدي تتعرض معه حياة الصياد البدائي للخطر أيضًا. التزم فلاهيرتي باتفاقه مع نانوك وأسرته أيضًا، وهو ما ينقلنا إلى نقطة أبعد في تمشيتنا بين مساري تحليل فيلم الحلم البعيد.

في أفلام مروان الأربعة، وسواءٌ اصطدم بالرقابة المؤسسية أو توافق معها، تنسجم مراوغته لها مع تلاعبه بالشخصيات داخل بنية أفلامه وخطابها النهائي. يحفر مروان عبر هذا الانسجام في التلاعب بالطرفين طريقه بين السينما الروائية والسينما الوثائقية، وهي النقطة التي يتقاطع فيها مسارا تحليل فيلم «الحلم البعيد» مع الأخذ بالأفلام التي سبقته في الاعتبار.

نحن نمارس فن الأداء يوميًا حتى وإن غابت الكاميرا، لقد عاش زوجان أمريكيان خلال النصف الثاني من القرن الماضي وهما يرتديان ملابس على طراز ملابس نبلاء روسيا القيصيرية في القرن التاسع عشر، تناولا بها الوجبات الثلاث، واستقبلا بها الضيوف. يمهد ذلك لتفهم فنون الأداء التي نمارسها في حضور الكاميرا أيضًا، وجود البُعد الروائي/الخيالي في الأفلام الوثائقية/اللا خيالية وجود حتمي؛ وعْي الممثلين غير المحترفين بذواتهم أمام الكاميرا وما يستلزمه ذلك من تعديلات يضيفونها على سلوكياتهم يذيب هو الآخر ذلك الخط الذي يفصل السينما الروائية عن السينما الوثائقية، ويحمّل شخصيات الفيلم الوثائقي مسؤولية أفعالها وأفكارها وانفعالاتها أمام المُشاهد، سواء وافقت تلك الشخصيات على خطاب الفيلم النهائي أو لا. تلك المسؤولية تقود «الخطاب الرصين» للفيلم الوثائقي للسير على خط يراوغ بين الدور الفردي لتلك الشخصيات، كما طمح مروان من خلال طريقة تقديمه لها في فيلم «الحلم البعيد»، ودورها الجماعي الذي تقوم به نيابة عن شريحة اجتماعية أوسع، كما هو موقع الريفيات في فيلم «الزيارة» والمنتجين الموسيقيين في فيلم «واحد زائد واحد» وموظفي مؤسسة الأهرام في فيلم «قص».

يتنقل فيلم «الحلم البعيد» بين سبع شخصيات: تاكي (مسؤول الموسيقى) وعلاء (عامل التدليك)، وحورية (منسقة الغرف)، ورامي (التمثال البرونز)، وشوشّا (راقصة السويدي)، وحسام (سائق ليموزين)، ويسرا (مسؤولة ملابس الغطس). يؤكد مروان على أن روائية الفيلم «تُوثّق» علاقتهم بمنتجع شرم الشيخ في فترة الركود السياحي التي أعقبت ثورة 2011، ويضيف أنه عندما تعرف عليهم كانوا متماهين بالفعل مع أكاذيب المنتجع، فمد لهم خط الخيال إلى سرد روائي يمارسون به الكذب/التمثيل.

لذا قد يأتي فيلم «الحلم البعيد» كامتداد لنفس تساؤل أفلام مروان السابقة: كيف يؤدي الناس أمام الكاميرا؟ غير أنه يأتي أيضًا كاستسلام واعٍ أمام الإجابة؛ ستتعامل الشخصيات السبع مع رؤية مروان برضاها الكامل لتوثق أحلامها وإحباطاتها ومخاوفها وطموحاتها، لكن مع بعض اللعثمة والارتباك في الجمل الحوارية وباعترافات تفضح علاقتهم بشخصية المانكي التي تتوحد الكاميرا معها في بعض زوايا التصوير. سيتراجع توثيق واقعهم خلف توثيق كذبهم؛ سيصبح كذبهم أمام الكاميرا جزءًا من خطاب الفيلم، يتجذّر ذلك من خلال استخدام تيمة «الحلم» التي تربط الشخصيات بأكاذيب عالم السينما الروائية، بل وتبلور تفسير مروان نفسه لأكاذيب الصورة التي يقدِّم بها عالم منتجع شرم الشيخ نفسه للسياح. شخصيات الفيلم تعيش عالمًا خياليًا في المنتجع بفراغاته ومجسماته وطبيعته وحريته، وتنسجم مع تقاليده، بل وتميزه عن باقي مصر بكلمة «فوق»، لكنها أيضًا تلهث خلف حلم آخر يقدمه لها مروان؛ حلم الكاميرا الروائية. تلك الكاميرا التي خلقت ذلك لهم زيفًا جديدًا، لتصبح هرولتهم خلف السيارة الربع نقل التي يجوب بها المانكي شوارع المنتجع الخاوية هرولة خلف الكاميرا الروائية لمروان، لا الكاميرا الوثائقية التي تلتقط حقيقتهم.

في نفس سنة إنتاج فيلم «الحلم البعيد» قدم مخرج إسباني من نفس عمر مروان فيلمًا اسمه «حماده». الفيلم سوّقه داعموه وممولوه كفيلم وثائقي يستعرض تفاصيل الحياة اليومية باحباطاتها وأحلامها وكوابيسها داخل مخيم للاجئين صحراويين عزلتهم فيه دولة المغرب عن وطنهم بعد انسحاب الاحتلال الإسباني. المخرج إلوي رودريجيز سيرين يُعَد دخيلًا على المخيم الصحراوي كما كان مروان على منتجع شرم الشيخ وكما كان فلاهيرتي على منطقة الإسكيمو.

دخل المخرجون الثلاث إلى الثلاث مجتمعات بمنطق واحد لكنهم قدموا ثلاث رؤى مختلفة. في فيلم «حماده» تعاملت الشخصيات مع الكاميرا من خلال الخبرة التي اكتسبتها أثناء الدروس التي كان إلوي يعطيها لهم في مدرسة السينما بالمخيم. بينما استعان مروان بمدرب تمثيل يهيئ شخصياته السبع للتعامل مع الكاميرا في فيلم «الحلم البعيد». كذلك تمكن فلاهيرتي من تسهيل عملية تصوير فيلمه عن طريق عرض اللقطات التي ينتهي من تصويرها لنانوك وأسرته كي يألفوا فن السينما أثناء استكمال الفيلم.

لكن رؤى الثلاث مخرجين للثلاث مجتمعات اختلفت، فاختلف دور الشخصيات فيها وما تعبر عنه بالتبعية؛ الثلاث أفلام تشترك في كون الشخصيات فيها تعيد أداء تفاصيل روتينها اليومي خصيصًا أمام الكاميرا، رغم أنها تفاصيل اندثرت في فيلم نانوك الشمال بسبب التطور، وفقدت جدواها في فيلم حماده بفعل الحصار الأمني، وذبلت في فيلم الحلم البعيد نتيجة ركود السياحة. ذلك الروتين الحاضر باستمرار لأجل التعارف على الثلاث مجتمعات في الثلاث أفلام نزع فردية الشخصيات لتصبح مجرد أمثلة لأنماط، مجسمات حية تعبر عن عموم الحياة في الإسكيمو وفي مخيم الصحراويين وفي شرم الشيخ على الترتيب.

لكن، وفي ذات الوقت، جاء حلم شخصية سِيد أحمد الذي بدأ به إلوي فيلم «حماده» تأكيدًا لفرديته وفردية باقي الشخصيات، بينما جاء الحلم الجماعي للشخصيات السبعة الذي بدأ به مروان فيلم «الحلم البعيد» ليؤكد تجريدهم من فرديتهم وتعبيرهم عن نمط يتجاوزهم. تاكي وعلاء وحسام يمثلون بزواجهم من أجنبيات نمطًا يسلكه الشباب المصري كخطوة للانتقال من الثقافة المصرية إلى الثقافة الغربية خارج مصر بعد خطوة انتقالهم الأولى من الثقافة المصرية إلى شرم الشيخ/الثقافة الغربية داخل مصر. كذلك يغلب على الجمل الحوارية بين حورية وشوشا ويسرا هاجس تفنيد ومساءلة قيم الحرية التي تتيحها لهم تقاليد شرم الشيخ بعيدًا عن زحام وتضييقات بيئتهم التي جاؤوا منها.

كذلك اكتسب فيلم مروان، باختياره تيمة الحلم اسمًا ومسمى، اتساعًا وفضفاضية طغت على الشخصيات ولغت تعارفنا عليها. لم يكن وجود منطق الحلم في الفيلم من خلال ملابس وإكسسورات الشخصيات أو من خلال مجسمات شرم الشيخ الضخمة فقط، بل كان مصدره أيضًا استرسال تلك الشخصيات المفاجئ في التعبير الحر بمواجهة الكاميرا، وفي ارتباك تكرارها لنفسها. الشخصيات ترى نفسها عبر الكاميرا الروائية، وعبر مسافة تفصل الأصل عن الانعكاس، كما يحدث في الأحلام. لكن الأحلام نشاط فردي، لا ينوب فيها فرد عن شريحة أوسع، فأصبح الحلم هنا يخص مروان، لا يخصهم.

الحضور الجسدي للأجنبيات اللاتي يتمسك بهن الأربعة ذكور في الفيلم يأتي شحيحًا أيضًا في الفيلم رغم آثاره; حضورهن كان شبحيًا. إحدى الأربع أجنبيات غابت بجسدها في مشهد التدليك ليحل محلها مانيكان، فيلحق بشبح زوجة حسام وشبح زوجة رامي الغائبين، ويصبح الحضور الأجنبي في الفيلم مجردًا هو الآخر من فرديته. تظهر من بينهم رفيقة تاكي وحيدة بجمل حوارية تخفيها عمدًا وتؤكد النمط الذكوري المتسلط الذي يمثله تاكي في الفيلم.

في فيلم «نانوك الشمال» لا توجد أحلام، سواء فردية أو جماعية، يتسق ذلك مع اتهام بعض الدوائر النقدية لروبرت فلاهيرتي بأنه نقل للمجتمع الغربي صورة نمطية مزيفة عن المجتمعات البدائية، كاتهامهم چون جريرسون بأنه زيف التناول الإبداعي للحقيقة في أفلامه عن طريق استخدام رصانة خطاب الفيلم الوثائقي بما يتوافق مع خطاب المؤسسات الصناعية الغربية الذي يُدمج الطبقات داخلها. فماذا صنع مروان بكاميرته في فيلم الحلم البعيد للهرب من الاتهامين؟ كشف زيف رومانسية مدينة شرم الشيخ وزيف اندماج السبع شخصيات العاملة، كشف الزيفين عن طريق تقديم خطاب الفيلم النهائي والمتفق عليه في هيئة حلم/خيال/زيف. لن يتورط المشاهد في تحمل مسؤولية عالم الفيلم «الوثائقي» الذي يراه، ليس فقط لأنه حلم ولكن أيضًا لأنه بعيد، كالفيلم الروائي، عالم تختفي فيه الوثيقة والخطاب الرصين.

بخصوص النمط وعلى مدار خمسة عشر سنة في مطلع القرن العشرين صوّر الانجليزيان ساجار ميتشيل وچيمس كينيون مئات المقاطع الوثائقية لعمال في المصانع، مارة في الشارع ومشجعي كرة قدم في المدرجات، كانوا جميعًا يعبرون أمام كاميرا عابرة تلتقطهم كمجموعات وهم يلوحون لها بأياديهم، يحييونها برقصة ويلعنونها أحيانًا. نجاح تلك الأفلام وقتها اعتمد على رغبة الناس في تلك الحميمية التي ستتولد عندما يتأملون أنفسهم وسط واقعهم معروضين على الشاشة وسط جمهور غريب. كتجار، سوّق مبتشيل وكينيون الحقيقة في أفلامهما تحت شعار «شاهد نفسك كما يراها الآخرون»، بينما سوّق مروان فيلمه لشخصياته السبعة، كمخرج، تحت شعار «سيشاهدك الآخرون كما تريد أن يروك»، فهل رأيناهم بالفعل من خلال اختيارات مروان الجمالية؟

قد يمتد التأكيد على الحقيقة في الأفلام الوثائقية إلى إشراك الشخصيات في الاختيارات الجمالية نفسها، مثلما فعل المخرجان إليساندرو كاڤاديني وكارولين ستراشان في فيلم «قانونان» (1982)، إشراك الشخصيات في اختيار مقاس العدسات التي سيظهرون من خلالها وأحجام اللقطات وألوانها، ليصبح صوت الفيلم تعاونيًا، لا فوقيًا. صوت يقارب مراجع الدراسات العلمية وتوقيع المرضى قبل إجراء الجراحات والمتطوعين قبل تجربة الأدوية الجديدة.

يزداد وعينا الآن بوجود من يقيّمنا في المحال والمكاتب والمباني والممرات والشوارع عبر كاميرات مراقبة مركزية، يضبط ذلك الوعي سلوكنا اتقاءًا للعقاب وبتكلفة أقل، لا خداع في الاتفاق المبرم مع تلك الكاميرات. بنفس الطريقة ينمّي تزايد الكاميرات في أيادينا حاجتنا المستمرة للتظاهر وخلق صورة ترضينا. لكن تلك الكاميرات تصبح معاديةً لنا عندما يتحول دورها في الاتفاق المبرم، من كاميرا توثق سلوكنا المنضبط طواعيةً إلى كاميرا مراقبة مركزية غير معلنة. عبر أفلامه الأربع، ووصولًا إلى فيلم «الحلم البعيد»، خدع مروان شخصياته بالتوازي مع خداع المؤسسة; في الأفلام الثلاث الأولى تغير اتفاق الكاميرا مع الشخصيات دون علمهم.

في فيلم «الزيارة» كان اتفاق الشخصيات مع مروان أثناء التصوير يتعلق بكاميرا مراقبة مركزية فرضتها المؤسسة الرسمية، ثم تغير دورها في الخطاب النهائي للفيلم; أصبحت كامي متلصصة، بلا اتفاق مُسبق مع المؤسسة أو الشخصيات; الريفيات في فيلم «الزيارة» لم يكن يواجههن كاميرا المؤسسات وحدها، بل كاميرا مروان المضادة أيضًا. لم تكن اللقطة التي تتشاور فيها المذيعة معهن ومع مروان حول شكل ودرجة البكاء المناسب للخطاب الذي تريده المؤسسات لقطة كاشفةً لزيف تلك المؤسسات فقط، بل وزيف الريفيات والمذيعة كذلك. بنفس منطق فيلم الزيارة وعت الكاميرا في فيلم  «قص» عراقة وضخامة وتعقيد مؤسسة صحفية كبرى كمؤسسة الأهرام، فاحتلت لنفسها مكانا ثابتًا وزمانًا مخفيًا لا يتدخلا في مسار العمل ويسمحا لها في ذات الوقت بالتلصص على الشخصيات في غفلتها، وبلا اتفاق معهم على الخطاب الذي سيقدمه الراوي في النسخة النهائية من الفيلم. في فيلم «واحد زائد واحد» اكتفى مروان بخداع المُنتِج; فالموسيقيين في الفيلم من بيئة متعايشة ومتمرسة ومتكيفة مع دور الكاميرا ومع فن السينما كوسيط بين الفنان والمتلقي، لذا كان مكان الكاميرا مألوفًا بينهم، لم تحتل مكانًا جديدًا حولهم كما حدث مع شخصيات فيلمي «الزيارة» و«قص».

في الثلاثة أفلام ارتدت الكاميرا نفس قناع المؤسسات المنتجة والرسمية الذي ارتدته كاميرا المخرج الانجليزي مايكل ونتربوتوم في مناطق نفوذ السلطات الباكستانية والإيرانية خلال النصف الأول من فيلم «في هذا العالم» (2002) كي تتمكن من تصوير رحلة هروب لاجئين أفغانستيين من مآواهم في باكستان إلى لندن. وافق أفراد قوات الجيش الحدودية في الدولتين على الخطاب الرسمي والمعلن للكاميرا، بينما يدبر وينتربوتوم خطابًا آخر ومضاد يكشف تعسفهم للمشاهد ويمثل تصعيدًا دراميًا في رحلة هرب الاثنين. بينما لم يتمكن في النصف الثاني من الفيلم من خداع المواطنين الفرنسيين المقيمين حول مأوى حقيقي للاجئين في بلدية سانجت، فاضطر إلى بناء ديكور في لندن، تمامًا كما بنى تشارلز إربان ديكور منجم في فيلمه ليتمكن من تصوير فعل التنقيب.

لم يمتد خداع وينتربوتوم ليشمل الشخصيات، بل وتتخذ الباحثة سيلڤي چنسن من الفيلم، لاستخدامه ممثلين غير محترفين يعيدون أداء أحداث عاشوها مع ذويهم وجيرانهم، نموذجًا تطبيقيًا لفرضيتها بأن عملية إعادة أداء الحقيقة أمام الكاميرا بممثلين غير محترفين تعتبر حدثًا قائمًا بذاته ضمن خطاب الفيلم، وذلك لكونها عملية بحث تعتمد بشكل رئيسي على ذاكرة وانفعالات هؤلاء الممثلين بخصوص الحقيقة، لا على الوثائق الرسمية، مما يؤثر في النهاية وبالضرورة على بنية القصة والخطاب المقدم. كان ذلك الحدث حاضرًا في فيلم  «الحلم البعيد» من خلال مشاهد المانكي التي استجوب فيها مروان شخصياته السبعة بخصوص علاقتهم بتجربة التمثيل نفسها كخط موازي لعلاقتهم بذواتهم وبشرم الشيخ حيث يعملون.

يستخدم المصور الفوتوجرافي چيف وول ممثلين غير محترفين أيضًا في بعض صوره. يتركهم داخل ديكورات صممها نسخةً طبق الأصل من المواقع الطبيعية التي تعذّر تصويره لها. ويصر على وصف صوره تلك بأنها وثائقية، لأنها تمنح للممثلين حرية التعامل مع الديكورات، فهو يوفر لهم الظروف المناسبة فقط مستخدمًا الأسلوب الذي أدار به المخرج الروائي الفرنسي روبير بريسون هذا النوع من الممثلين; أن يطلب منهم تكرار الفعل المطلوب حتى يكتسبوه ويصبح جزءًا من تصرفاتهم الطبيعية قبل أن يقوم بتوثيقه في صورة. يتمسك چيف بحقيقة أن كلنا بالأساس ممثلون في حياتنا اليومية وأنه من الصعب في موجات السينما الواقعية على سبيل المثال أن تصف أداء الممثلين غير المحترفين في تلك الأفلام وهم يقومون بأفعالهم اليومية أمام الكاميرا بأنه أداء كاذب/روائي;  «الصياد في الواقع صياد في الفيلم». كما يرفض الإفراط في شرح كواليس صوره الفوتوجرافية والفصل بين الحقيقي والمصنوع منها، مفضلًا ترك متعة المشاهدة من الخارج للمتلقي دون تحديد لذلك الخط الذي يفصل بين العمل الروائي/الخيالي والعمل الوثائقي/الواقعي. ذلك الخط الذي وإن ذاب بالاختيارات الجمالية التي يتخذها صانع الفيلم الوثائقي إلا إنه لا يذوب في السينما الروائية إذا ما استوحت من السينما الوثائقية اعتمادها على ممثلين غير محترفين; حيث تصبح بكارة أداءهم حينها اختيارًا جماليًا قائمًا بذاته وجزءًا من صوت المخرج الروائي، كما في أفلام بريسون.

على النقيض من چيف وول يعتبر المخرج الأمريكي فريدريك وايزمان أفلامه الوثائقية روائيةً بالكامل، لأنه تعلم بناء الشخصيات وعلاقاتها عبر زمن الفيلم من قراءة الروايات. ويخبرنا أن التزامه الأخلاقي الوحيد هو لما يراه أمام الكاميرا دون تدخل، مهما كان مؤلمًا أو عنيفًا.

لذا تتعقد خدعة مروان في فيلم  «الحلم البعيد»؛ لا خداع للمؤسسات أو للشخصيات، لا كواليس مسربة أو تلصص. الشخصيات السبع في الفيلم تطمئن للكاميرا كوسيط آمن ينقل مبرراتها، تأمن سلطتها مثلما أمنتها الشخصيات في الثلاث أفلام الأولى، يمثل ذلك تطورا لغويًا في سينما مروان. احتفظت النسخة النهائية من فيلم الزيارة بلقطات كان فيها مروان نفسه وسيطًا ينقل خطاب المؤسسة إلى المذيعة التي تحاور الريفيات، لقطات تكشف دفعه المتعة للخطاب الذي يرفضه إلى نقطة أبعد لأجل بلورة خطابه المضاد الذي ارتآه في النسخة النهائية من الفيلم. حدث ذلك الدفع المتعمد في فيلم  «الحلم البعيد» أيضًا عن طريق تدخل صريح من مدرب تمثيل موجود في طاقم العمل، لكن دون خداع أو مراوغة في اختيارات أي من السبع شخصيات. الشخصيات في فيلم واحد زائد واحد والزيارة وقص تؤدي/تكذب/تتظاهر، مثلما كانت الشخصيات أيضًا في فيلم  «الحلم البعيد» تؤدي/تكذب/تتظاهر، لكن الكذب يتم تحييده وطمسه في الأفلام الثلاث الأولى بينما يتم استخدامه في الرابع. تتشارك الأربعة أفلام إذن في كونها لا توثق علاقة الشخصيات بعوالمها فقط، بل توثق علاقتها بالكاميرا، سواء كانت تلك الكاميرا مخادعة أو آمنة. تلك العلاقة التي يتلاعب مروان بزيفها في الحالتين.

بين هاتين الضفتين لنهر التعامل مع الممثلين في السينما الوثائقية تستقر التمشية بين المسارين المتقاطعين للتحليل في هذا المقال عند الاتفاق الجديد الذي تعقده المخرجة الأمريكية چيل جَدمِلو مع المُشاهِد في فيلمها بعيدًا عن ڀولندا (1984)، والذي تتساءل فيه عن مدى قدرة فيلمها نفسه على دعم حركة تضامن المناهضة لنظام الحكم البولندي بعد أن منعت رقابة النظام السياسي تصويره هناك. حيث صوّرت فيلمها بالكامل داخل أمريكا، مستعينةً بممثلين محترفين ليؤدوا اللقاءات الصحفية المكتوبة التي نشرتها تلك الحركة في بولندا وليعيدوا أداء اللقطات المصورة التي سُرِّبت لها من هناك، باحثةً بذلك عن تصنيف دقيق لفيلمها يُخلص لعلاقة الحقيقة بالخيال، تصنيف يتجاوز مجرد تحديده بالوثائقي أو مجرد تعريفه نفيًا باللا خيالي.

فتحت چيل جَدمِلو بفيلمها وتساؤلاته بابًا أمام السينما الوثائقية يعيد صياغة تعريف جريرسون دون أن يعارضه، بابًا لما يسمى «سينما وثائقية مبدعة»، ينتقل عبره مفهوم الإبداع من متن التعريف ويصبح مسمًا لقالب جديد من قوالب السينما الوثائقية. قالب يعي التطورات التقنية التي تتواتر سريعًا فيما يخص حجم معدات التصوير وإمكانيات الخدع البصرية الرقمية ويعي سرعة انتقال المعلومات وتزايد أماكن عرض الأفلام كمًا وكيفًا ويعي ظهور وسائل الإنتاج الجمعية وتغير وسائل الدعاية طيلة العقدين الماضيين، قالب يصنع من كل ذلك علاقة فورية تربط الفيلم بالمشاهد ويصنع موقفًا جديدًا من الحقيقة بتهيمش التزامه بها. قالب يعترف بعد قرن كامل من المناقشات أن الفيلم الوثائقي بطبيعته يقدم حقيقة تتغير هي الأخرى بطبيعتها، تتطور، تتبدل وتتراكم. الحقيقة لا يمكن توثيقها في الأصل طالما انحازت الكاميرا لزوايا اختارها المخرج وفقًا لترتيب معين على سبيل المثال. تحت هذا القالب الجديد يندرج فيلم نانوك الشمال وفيلم الحلم البعيد وفيلم حماده.

ما الذي تبقى إذن من المعايير المحدِّدة لتعريف الفيلم الوثائقي لتستوعب المواصفات التي تتطور بالتداخل بين أشكال السرد السينمائي؟ هل تكفي شعارت جهات الإنتاج المذكورة في عناوين الفيلم لتصنيفه فيلمًا وثائقيًا؟ هل ثمة بالأساس اختلاف بين الفيلم الوثائقي والفيلم الروائي؟ هل تُعَد المشاهد المرتجلة في الأفلام الروائية وثائقية وهل تُعَد المشاهد المعاد أدائها في الأفلام الوثائقية روائية؟ هل كل الأفلام وثائقية أم كل الأفلام روائية؟ هل لا زال مهمًا تصنيف الأفلام إلى روائية وتسجيلية؟ ربما يتكون الآن دورًا للمشاهد نفسه، باعتباره مالكًا لأدوات صناعة الصورة، يشارك به في تصنيف أو عدم تصنيف ما يراه طبقًا لخبرته المتراكمة في تلقي وصنع قوالب السرد السينمائي المتلاحقة، لا طبقًا للوائح المهرجانات ولا تعريفات القائمين على صناعة الأفلام.

اعلان
 
 
شريف زهيري