متحدثًا من دائرة الإفراج والحبس اليومية.. علاء سيف: نحن في احتياج إلى خيال جديد
 
 
المصدر: الصور: محمد الراعي
 

أُطلق سراح علاء عبد الفتاح، الناشط السياسي ومُطوِّر البرمجيات، من السجن أواخر مارس الماضي بعدما سُجن لخمس سنوات في عنبر زراعة بسجن طرة. اﻵن، ولمدة خمس سنوات أخرى، يذهب علاء إلى قسم شرطة الدقي كل يوم ليقضي ساعات الليل بين 6 مساءً حتى الـ 6 صباحًا هناك يقضي عقوبة المراقبة الشرطية.

قابلنا علاء خلال نصف يومه الحرّ، وحكى لنا: «عارفين قصة علاء سيف وعلاء عبد الفتاح؟ فيه كائن وهمّي اسمه علاء عبد الفتاح، ده مش أنا.. ده شخص موجود عند اﻹعلام، وفي مخيلة بعض الناس اللي بينتموا للثورة وفي مخيلة اﻷجهزة السيادية للدولة اﻷمنية.. وده في مرحلة ما في حياتي ده دور كنت بلعبه في المجال العام وأنا شخص تاني.. وبعدين فلت مني خالص الدور ده، وبقى فيه ناس تانية بـ تكتب له السيناريو، وماشيين بيه».

وفي أول حوار له بعد إطلاق سراحه، تحدّث إلينا علاء سيف.

الصورة: محمد الراعي

محمد حمامة: كتبت مقالات «أوبر» إزاي؟

علاء سيف: بالورقة والقلم.

لينا عطالله: لما عملت انترفيو مع ليلى [ليلى سويف -الناشطة ووالدة علاء] كان عندنا حالة ذهول شوية من قدر الوعي اللي كان عندك وأنت مسجون وبـ تكتب السلسلة دي. بمنطق إنه المصادر المختلفة للوعي هي الإنترنت والقراية والبحث والحديث مع الناس اللي مش موجود خالص في حالتك، ورغم كده في مستوى من الوعي عالي جدًا.  فـ يتهيألي ده السؤال: إزاي تصنع معرفة وأنت مسجون؟

علاء: بالتحديد المقال ده كان تزامن مع إنه حصل انفراجة في موضوع الكتب ودخولها والمجلات. ففجأة بعد مرحلة كنت بـ هَرب الكتب أو تتعرض على الأمن الوطني، وتبقى روايات بس أو كومِكس، فكنتُ بـ تفادى التوتر -مش أريحهم- لكن كنتُ بـ زَهق من الخناق؛ فمرة واحدة دخلي مجلات، ولأنه حصل مرة واحدة فجابوا الحاجات اللي كانت في السوق، وكانت الحاجات اللي مبقراهاش زي التيار السائد أو الحاجات الأجنبية اللي مبقراهاش في المعتاد اللي هي التيار السائد، أو المجلات الأجنبية زي «وايرد» أو «تايم». فميهاش لغة أو جدل ونقد وإيه اللي بتعملوا الرأسمالية أو السلطة بشكل عام، بس في نفس الوقت حاجة جديدة بقالي مدة مش متعرّض لها.

وفي نفس السنة دي كان الحوار حوالين الذكاء الاصطناعي بشكل مفتوح وواسع في كل حتة في العالم. كنت أنا بقرأ الجرايد المصرية. كان مسموح لي بـ «الأهرام» و«الأخبار» و«المصري اليوم»، فكانت كمان الجرايد المصرية بتحاول تغطي الموضوع بس في مستوى يتراوح بين الجهل التام أو إنه بنسمع  البيانات بتاعة الشركات. يعني كان في كام صوت كده في «المصري اليوم» مفروض إنهم كُتّاب رأي محترمين ومهمين ومذاكرين؛ عبد المنعم سعيد مثلًا، كل اللي بيعملوه بيشوفوا إيه البيان الصحفي بتاع «آبل» اللي فيه المنتج الجديد ويعملوا منه مقال يُبشر بالزمن الرائع الجديد القادم وكده. فحتى الأدوات اللي شايفها للرأسمالة زي «النيوز ويك» و«وايرد» و«تايم» كانت نقدية أكتر من الجرايد المصرية. فالفراغ ده كنت حاسس بيه. والمواضيع نفسها مكانتش جديدة عليّا لدرجة ما يبقاش عندي رأي. أنا كنتُ بعيد صياغة حاجات بفكر فيها قبل ما اتحبس.
موضوع «أوبر» بالتحديد، اللي حصل إنه واضح كان عليه خناقة على السوشِال ميديا في مصر، وأخواتي كانوا بيحكوا لي ده في الزيارة و كانوا عندهم لبس، بسبب الإنحياز لليسار التقليدي في العيلة، كانوا متضررين من تأثير ده على سواقين التاكسي، بس لكونهم بنات فبرضه فكرة مساحة «أوبر» الآمنة، عمّلت تساؤلات ولخبطة وكده. فـ أخدنا زيارتين نتكلم على كده. فكان مُسلي. فالمقالات جت من الحاجتين دول.

محمد حمامة: وكانوا بـ يسمحوا بكتب إيه مثلًا؟

علاء: هو مفيش قاعدة وكمان مَحستش أبدًا إن كان فيه منع صريح فيما يخص الكتب. لكن في حاجات تتركن شهور؛ [والسبب] أصلها بتتعرض، فأنا بعد شوية أنسى. وفي كل زيارة يجيبولي جديد وحاجات تدخل وحاجات متدخلش. امبارح افتكرت إن الرواية بتاعة J. D. Salinger اللي هي The Catcher in the Rye [الحارس في حقل الشوفان] مدخلتش أبدًا. يعني انتهت عندهم. ما أظنش يعني رقابيًا رفضوها، أظن عندهم ظابط واحد بيفهم انجليزي وكان في مأمورية ولا حاجة. وقعت يعني في شق ما في السيستم بتاعهم. الرفض أكتر -صراحة- في المجلات أو الجرائد.

لينا عطاالله: بمناسبة الكتب برضه كنا عايزين نسألك لو في اكتشاف فضل معاك وكان  Informative [غني بالمعلومات] على مدار سنين السجن، اكتشاف في حاجات قريتها، حاجة ماكنش عندك علم بيها خالص قبل السجن. أنا فاهمة مثلًا إنك اكتشفت فالتر بنيامين في السجن.

علاء: أنا اكتشفت فالتر بنيامين في السجن وفي الفترة الأولانية اللي هي قبل إخلاء السبيل الأولاني، وأعدت قراءة إدوارد سعيد وجرامشي كنتُ ارتكبتُ الغلطة اللي أنا قريتها وأنا صغير أوي، فبقيت متخيّل إني عارف هي إيه. بس أنا بجد مش عارف هي إيه. كان عندي مشروع إني أعيد قراءة الحاجات اللي هي بتاعة القرن اللي فات، واللي قبله اللي بقيت حاسس إننا مزنوقين فيها. بس بقى لما رجعت لجو التضييق ده بطّلت يبقى عندي مشاريع. كان عندي حالة كده وهي مختلفة عن أداء أبويا لما دخل السجن، إن أنا بقيت لما استثمر في حاجة معنويًا وعاطفيًا بيخليني حاسس بضعف إن هُمّا في لحظة هييجوا ياخدوها مني، وإني هـ دخل في معركة على حاجة متمسك بيها، فبقى أسهل حاجة عندي إني اتعامل مع كل الأمور بسطحية وأحاول أعدي الوقت. فبطّل يبقى عندي مشروع مذاكرة بالضبط. المشكلة كمان كانت الجوابات. لأن لو أنا قاعد مستني الرد على الموضوع الفلاني وهُمّا بيعطلوا الحاجات وممكن يدخل [الجواب] أو ميدخلش فردي ممكن ميطلعش، فـ ببقى في حالة نفسية مش مظبوطة، بس فالقراءة كانت بقدر عالي من العشوائية ومبنية على الترفيه أكتر منها على أي مشروع فكري تحديدًا. قُرب الآخر بس، ابن خالتي ابتدى يدخل لي حاجات على اللي بـ يحصل في أوروبا اليومين دول.. زي المذاكرات بتاعة يانيس فاروفاكيس [وزير المالية اليوناني الأسبق] عن إدارة أزمة الديون في اليونان، على كتب تنظير؛ يعني مؤخرًا على أزمة سوق العمل أو الأفكار اللي هي دارجة دلوقتي في أوروبا زي الدخل الأساسي اللي هي فكرة إن يبقى في Universal Basic Income [الدخل الأساسي العالمي] وأظن هو اللي عمل لي مشروع مش أنا اللي عامل مشروع، اللي أنا أبقى طالع كده متابع إيه اللي بـ يتقال، ومن مصادر بقى غير المجلات اللي هي يعني طول الوقت في اﻵخر حتى وهي بتعبّر عن نقد بتعبر عن الرؤية السائدة أكتر منها حاجة تانية.

الصورة: محمد الراعي

[يتابع علاء] دَخَل لي كومِكس كتير. دي الصورة المفضلة من الفن عندي بالذات الفن السردي أكتر من السينما والروايات. كان عندي شوية اكتشافات. كان فيه صديق بيبعت لي مانجا ياباني مترجمة باﻹنجليزي. طبعا المانجا ده بحر كبير أوي.. أنا عارف يعني إنه موجود، بس مش عارف أبدأ منين وكده. قبل كده كنت قريت بس كلاسيكيات فقط ففتحت شوية حاجات جديدة لطيفة. فيه كوميك حلوة جدًا، وفرقت معايا جدًا اسمها Day Tripper، وهي باﻹنجليزي ومطبوعة في أمريكا، لكن الرسام والكاتب برازيليين ففيها نزعة واقعية سحرية ودي مناسبة جدًا للمساجين. هدية مناسبة ﻷي مسجون بيعرف يقرا إنجليزي، أو ممكن حد يترجمها. كان فيه حاجات برضو في الخيال العلمي لطيفة قريتها. كنت بـ لمّ حواديت/روايات عن ثورات فاشلة.

نايرة أنطون: عندك أي اقتراحات؟

علاء: فيه بتاعة كئيبة جدًا عن ثورة في كوريا مكنتش أسمع عنها وحاجة كابوسية تمامًا.. تمامًا شبهنا أوي.. أوي.. أوي، مش فاكر الاسم لكن ممكن ابقى افتكر. فيه لحظة كده كان عندي فيها هوس بـ Weimar Republic [جمهورية فايمار الألمانية 1919-1930] وفترة بين الحربين في ألمانيا تحديدًا. بس اكتشفت إني بـ لمّ حواديت عن ثورات فاشلة قبل حتى ما الثورة تقوم في مصر.. معرفش اشمعنا.

محمد حمامة: قصدك إن الثورة فشلت؟

علاء: لا يا راجل، إزاي بس.. إحنا انتصرنا وأنقذنا هوية البلد.

نايرة أنطون: كنت قلت تجربتك في المشاريع في السجن كانت مختلفة عن تجربة والدك [أحمد سيف الإسلام]؟

علاء: بابا لما اتحبس كان خريج اقتصاد وعلوم سياسية، فـ دخل ذاكر حقوق وطلع اشتغل محامي. ناهيك بقى إنه كان بـ يعمل حاجات مع المساجين. شخصيات مختلفة جدًا.

لينا عطاالله: بس أنت مفكرتش في فقرة المذاكرة دي؟

علاء: فاكر يعني لما كنت بعمل مع الزُملا، أحمد ماهر [مؤسس حركة شباب 6 أبريل] وكده.. وماهر عمل دبلومة من جوه السجن فعلًا. جابوا الورق بتاع الحاجات المتاحة يعني فأشمأزيت من الصياغة واللغة والطريقة والفونتات وكل حاجة. فعلًا مش قادر أتعامل مع ده. قبل اﻵخر كده كنتُ بفكر هـ تعايش إزاي مع المراقبة ومع فكرة إني أرجع البرمجة بعد 5 سنين انقطاع تام يعني. فكان في بالي.. عندي قناعة إني مفقدتش المهارة، لكن توثيق ده.. إني أقنع الناس بـ ده صعب. فقلتُ أعمل ماجستير، بكالوريوس مش كفاية، فطلبتُ من أمي تجيب لي ورق برامج الماجستير في كليات الحاسبات والمعلومات في جامعات القاهرة وحلوان وعين شمس. بس انهيار تام، بؤس ما بعده بؤس. من أول الطريقة والديباجة، طريقة شديدة البيروقراطية. أول 30 صفحة هي وصف ﻹجراءات وقوانين وحاجة يعني مذهلة تمامًا مش حاجة بتخاطب طالب بالمرة. لحد بقى الصفحات اللي فيها الهيكل بتاع القسم. فيه مجموعة من اﻷساتذة المتفرغين اللي همّا خدوا الدرجة قبل ما يبقى فيه كمبيوترات أصلًا. وبعد كده ناس كلها في إعارات وسفر فاﻷقسام فاضية كمان، وحاجة بقى شديدة العشوائية ومثال تجسيد لبؤس الدولة المصرية فصرفت النظر عن اﻷمر تمامًا.

لينا: هل كان عندك فرصة  catching up [الإلمام بـ/ ملاحقة] البرمجة؟  هل كان فيه أي مصدر نقاش؟ هل كان فيه فرصة للكلام عن التكنولوجيا بالمنطق التقني تحديدًا على مدار الـ 5 سنين؟ ولا أنت طالع دلوقتي خلاص في حتة تانية خالص؟

علاء: لما حصل انفراجة كان بـ يدخل لي مجلات في المجال يعني. لكن مكانش فيه مساحة في الزيارة مثلًا إن ده يبقى واخد مساحة. حاولوا يدخلوا لي كتب في مرحلة ما، بس محدش دلوقتي بـ يكتب كتب وهو مفترض إن البني آدم مهواش قاعد على اﻹنترنت. للأسف حتى في الحاجات اللي عن البرمجة، يعني حتى المجلات العلمية مليانة «بار كود» و«كيو آر كود». الجرايد المصرية مذهلة، بـ تكلمك طول الوقت عن اللي أنت قريته على اﻹنترنت على الصفحة بتاعتهم. لما الجرنال بـ تقراه كده فهو مبينشرش اﻷخبار، لكن بـ ينشر تعليقات على أخبار المفروض إن إحنا كلنا عارفينها مع بعض. بـ نبقى قاعدين طول الوقت بـ نفكّ الخط وإحنا ماسكين الجرنال ده. بـ يبقى فيه موضوع مطروح كده والناس بـ تتخانق عليه، وأنا مش فاهم إيه الموضوع ﻹنهم مبدأهوش في أي مرحلة يعني. يعني مثلًا في تغطية اﻹرهاب، الجرايد بـ تغطي الجنازات لكن الوقائع نفسها أنا مش فاهمها، لكن لازم أفكّها من الخبر اللي عن الجنازة. فإذا كانوا دول كده يعني فما بالك بقى بالحاجات بتاعة الكمبيوتر. بس اللي عمال اكتشفه في محاولة العودة للحياة بشكل عام يعني -لسه مجربتش الحياة المهنية تحديدًا- إن اللي أنا فاقده وصعب حاجات غير متوقعة؛ أني بـ توه في الشوارع، بـ تلخبط لما يبقى مطلوب مني أعمل أكتر من حاجة في نفس الوقت، أو أعمل حاجة ما في الطريق أو كده. محاولة إني أنسق مواعيد أكتر من حاجة في نفس الوقت، بـ نهار وبـ توتر، مش لدرجة هلع وكده لكن فيه مساحة قلق. فـ متخيل لمّا هـ رجع للشغل غالبًا المواضيع الكبيرة مش هـ لاقي فيها صعوبة، لكن المواضيع الصغيرة هـ لاقي فيها صعوبة وهـ تبقى شديدة اﻹرباك. همّا حوالي 4 سنين ونُص متواصل، من أواخر أكتوبر 2014 ﻷواخر مارس 2019، وكلهم في نفس المكان بعمل نفس الروتين كل يوم. الموضوع مدروس؛ إن المساجين بيحصل لهم اضطراب ما بعد الصدمة، بس أنا كنت فاكر إنها بسبب إن تجربة السجن أليمة، لكن واضح إنها بسبب النقلة من التلاجة [يقصد السجن] للعالم. وطبعًا القاهرة بقى يعني ما شاء الله.. حاجات كتير بـ تحصل في نفس الوقت، مربكة جدًا يعني.

محمد حمامة: طيب ده مدخل كويس نتكلم عن المراقبة، الانتقال من الروتين الثابت الذي لا ينقطع إلى صفر تنظيم وزيرو روتين وكل حاجة ممكن تحصل، ممكن يبقى يوم كويس أو وحش.

الصور: محمد الراعي

علاء: أول حاجة مهم تفهمها هي إن المراقبة مش 12 ساعة، خصوصًا في الوضع اللي أنا فيه اللي حاسس إن فيه تهديد. التأخير اللي هو طبيعي وممكن يتعاملوا معاه هـ يبقى معايا مضمنش، مش عايز أجرب. المشكلة حتى القانون مبيقولش إن فيه معاد بالظبط. القانون بيقول من الغروب إلى الشروق. اللي هو يعني كلام هَلْهَلي، أو نظبطه بالصلاة فـ بيتحرك في الزمن وكده. همّا من 6 لـ 6؛ الغروب مش الساعة 6 والشروق مش الساعة 6، لكن مش مهم.. بالنسبة لهم هو من 6 لـ 6، ده معناه إن من 4 يبقى لازم الواحد يتحرك نحو مكان قريب من القسم، ومن 5 ورُبع، 5 ونُص لازم الواحد يتحرك تجاه القسم. وطبعًا فيه مشاكل المرور في القاهرة، وده وقت ذورة أصلًا. ناهيك عن إن الواحد لازم يبقى معاه شنطة يعني فيها غيار ينام فيه وفرش ينام عليه وكتب يقراها. فـ من 4 وأنا في حالة المراقبة، وبعدين طبعًا بـَ طلع 6 الصبح ده مفيش أي حد صاحي ولا حد بـ يعمل حاجة. عندي بقى قايمة والناس متقسمة فُسطاطين: فُسطاط اللي بيصحوا الساعة 6، وفُسطاط اللي مَبيصحوش الساعة 6. فـ بَحاول أقابل ناس بتصحى الساعة 6 وأفطر معاهم.. فأنا عندي 4 ساعات من مفروض إن هُمّا بتوعي مش بتوعي أوي بجد ولا حاجة.

اﻷقسام مش أماكن مُعَدّة لاستقبال بني آدمين، بغض النظر عن إن فيه تخشيبات وكده، بس حتى التخشيبات أماكن كابوسية تمامًا ومؤقتة جدًا. القسم ده فيه نبطشيات كتير وبني آدمين كتير وبينزلوا مأموريات كتير ومفيش أي استقرار في الوجوه اللي بتتعامل معاها. فيه حرص معايا إن يبقى المعاملة كويسة في إطار قدرة القسم يعني. هُمّا بيحاولوا إنهم يتعاملوا معايا بشكل مريح لكن اﻹمكانيات نفسها متعبة يعني مش متاحة لهم. مشكلة علاقة السلطات معايا إن المعتاد عندهم هو انتهاك كرامة الجسد فـ بيتعاملوا إن ما دام جسمك كويس، مش كلت؟ مش شربت؟ مش نمت؟ يبقى خلاص مَنسمعش عنك تاني. وفي نفس الوقت بيبقى فيه ضغوط فعلية طول الوقت إنك تفكر بالطريقة دي إن كان من قِبل السلطة أو حتى مشاعر الذنب إن أنت عارف إن فيه غيرك الظروف الجسمانية بتاعته أسوأ. بـ تبقى أنت وأنت بـ تشتكي إنهم مَبيدخلوليش المجلات التخصصية اﻷجنبية فيبقى أنت بـ تدلع أوي، وغيرك مبيزورش أصلًا وحاجات كده. وطبعًا المنطق ده غلط. ده معناه تطبيع للانتهاك. دايمًا فيه حد وضعه أسوأ منك. ده نفس المنطق بتاع ما تبصوا على سوريا والعراق ولا ليبيا. المفروض كل حد يتخانق للحد اﻷقصى من حقوقه ونحاول كلنا نشدّ مع بعض يعني. بس فيه المنطق ده. حتى في الصدام اللي حصل مع ضباط اﻷمن الوطني كانوا مُصَرّين طول الوقت إنهم عاملين لي استثناءات. بقول له: استثناءات إيه؟ [فتكون الإجابة] إن أنا في أودة لوحدي، وإنها نضيفة، وإنه بيتسمح لي أسمع مزيكا، وإن بـ يدخل لي كتب وحاجات كده يعني. مفيش أي شيء يسمح لهم إنهم يمنعوني من الحاجات دي في المراقبة. مفيش شيء يسمح لهم إنهم يمنعوني من الحاجات دي في السجن. فـ مش فاهم إحنا بنتناقش في إيه. بس كمان حتى لو تغاضينا عن كل ده، وحتى لو تغاضينا عن فكرة إن القسم مكان مش مُهيّأ ولا مُعَدّ، في حين السجون فيها استقرار، بـ نخبط مع بعض في اﻷول، وبعدين بـ نستقر على وضع ما. وبالعكس، كل ما يتراكم الزمن، كل ما بـ تستريح أكتر. لكن في القسم ده مشهد يتجدّد كل يوم؛ بـ تسلم نفسك من أول وجديد كل يوم كل يوم.. كل يوم. فـ طبعًا حاجة مُتعبة جدًا يعني، ومدمرة ﻷي قدرة على إن الواحد يرجع لحياته.

فعليًا أدوّر على حد أشرب معاه قهوة ولا أفطر معاه، وبعد كده أروح أصحّي خالد وأركب معاه العربية أوصله الحضانة، ويبقى كده شُفت خالد. طبعًا مفيش شغل، الساعة 6 دي ملهاش أي علاقة بحاجة يعني؛ حاجة من سنة 1945 لمّا كانت الناس فلاحين وموظفين.. كانت الشوارع بـ تُضاء بغاز الاستصباح.. مَعرفش اخترعوا الاختراع ده إمتى يعني. لكن عشان تشتغل في البلد ده لازم تبقى بـ تتعامل مع الناس لغاية الساعة 9 على اﻷقل مثلًا. طبعًا دلوقتي لازم أعمل كل الوظايف البيولوجية في الـ 12 ساعة. بـ حاول أنتزع حقي إني أدخل بتليفون ولابتوب بحيث أقدر اشتغل. يبقى بـَ شتغل مثلًا 6 ساعات، وبَـ نام 6 ساعات. فـ يبقى الـ 12 ساعة التانيين يبقوا مفتوحين للأمور الاجتماعية والعائلية أكتر.

طبعًا بؤس شديد جدًا إننا نتقبَل إنه طبيعي كده إن الواحد عشان مظاهرة يتحكم عليه بـ 10 سنين من العقوبات، وبعدين نتناقش معاهم بقى إنهم نفذوا القانون اللي طالع بمرسوم من الملك سنة 45.

نايرة: خالد شكله مستغرب يشوفك برّه السجن؟

علاء: ﻷ، لحسن الحظ محصلش. لكن طبعًا مش قادر أبقى موجود في حياته بالشكل اللي أنا عاوزه بسبب المراقبة. مفيش استغراب يعني تحديدًا. كان مهيّأ لي إني هـ خرج وهـ بقى معاه، وكان سعيد إننا بـ نعمل حاجات مختلفة مع بعض لأن طبعًا في السجن كنت بـ شوفه، كان بـ ييجي كل الزيارات تقريبًا، إلا لو كان مسافر مثلًا. كنتُ ممكن أقعد معاه 10 دقايق وفي قاعة مزدحمة، وكان لازم أشوف باقي الناس اللي جاية في الزيارة. فـ قادرين نقضي وقت يبقى بتاعه هو. ده أكتر حاجة محسساني إن فيه نقلة حقيقية. من غير خالد موضوع المراقبة ده قاتل ومتعب بشكل، أداة بشعة وفكرة إنك تسَلّم نفسك دي قاهرة جدًا. في اﻵخر همّا اللي جُمّ خَدوني بالعافية.. لما حبسوني يعني. لكن إنك تبقى شريك معاهم في حبس نفسك دي مسألة مزعجة جدًا.. فـ لولا خالد كنتُ هـ بقى فعلًا مُقتنع إني في وضع أسوأ من اللي كنتُ فيه في السجن.

محمد حمامة: فكرة التطبيع في العلاقة بين الجسد والسلطة، وإن اﻹنسان بـ يعمل شوية تطبيع مع القهر اللي بيحصل وبـ يقول والله أنا أحسن من غيري فـ يبتدي يتنازل شوية..

علاء: بَـ حاول معملش كده أبدًا.. عُمري ما أعمل كده. إني أنزل لحاجة يعني وصلنا لها أصلًا مع بعض. لكن ده بـ يستدعي طاقة صدامية مخيفة. بـ يستهلكك. أمر متعب أكتر من إنك تستسلم لهم ومحتاج فيه دعم. اللي حاصل للأسف إن أنا من 2014، لحد نُص 2014 كان فيه شيء ما أقدر أعتمد عليه في ضهري غير أسرتي، وعمّال مع الزمن الشيء ده بيتلاشى وهو فيه العيلة وبس. لحد ما وصلنا للمرحلة الهزلية اللي فيها لقيتهم مطلعين بيان باسم عائلة علاء عبد الفتاح فقلت لهم هو إزاي ده مش إفيه، فقالوا لي: «ﻷ، أنت فايتك حاجات كتير أوي». لكن طبعًا بالتالي البديل الوحيد المتاح لي -بما إن بديل التنازل ده مَبينفعش أوي- هو إنك تقتل حاجات. زي ما أنا كده -يعني- قررت إن أنا طول فترة السجن مش هـ يبقى فيه حاجة مهتم بها للدرجة دي، ومش هـ يبقى فيه حاجة مُعقّدة وكده، بس مبَطّلتش أطلب كده واتخانق عليها، بس بَطّلت تبقى فارقة معايا.

محمد حمامة: فاكر في وقت بـ 2011 كان حصل نقاش حوالين فكرة التفاوض، بالذات في اعتصام يوليو 2011، وفاكر بالذات موقف أن أنت -واتنين تانيين- قابلتوا عصام شرف [رئيس الوزراء آنذاك]. سؤالي بالذات أنه قد يبدو إنه هناك تناقض ظاهري بين التفاوض والموقف الجذري.. ما الحل؟

علاء: ده كلام نظري يعني؟ الحاجات بتبقى خاضعة للظروف اللي أنت فيها.. أنا تلميذ لنضال جنوب أفريقي. هُمّا كانوا مذهلين في قدرتهم على الشغل على جميع المستويات. لمّا أخيرًا قرر نظام الابارتيد [العزل العنصري] يتفاوض، كل ما يتصلوا بالمعارضة يكون الرد: اتفاوضوا مع نلسون مانديلا [صدر حكم بالسجن المؤبد بحقه في 1964].

أنا ما بُقلش إن إحنا ضيّعنا فرصة التفاوض. إحنا مكانش [مننا] حد مقتنع بقيمة التفاوض. كل الأطراف كانوا شايفين إنهم قادرين يحسموا. والعجيب كل الأطراف لا يزالوا شايفين إنهم يقدروا يحسموا بما فيهم الأطراف المستضعفة. مهيمن على المصريين كلهم فكرة الحسم. في معركة ما ممكن نخوضها ونحسمها وكل الأعداد حـ يختفوا ومش حـ نحتاج نتخانق معاهم تاني. لكن ولا الإسلاميين حـ يختفوا ولا الجيش ولا الناس اللي رافضة المنظومة على بعضها ولا الناس اللي عايزين ديموقراطية ليبرالية. ده وهم. وأنت في زمن اللي يعرف يلمله 10 آلاف ممكن يعقرب الدنيا. وفي 10 آلاف لأي حاجة متخيّلها. قصة الحسم مزعجة في حد ذاتها.

مخيلة المصريين كلها علي بعضها ماكانش فيها فكرة نقعد مع بعض في مرحلة ونشوف حـ نعمل إيه في نفسنا، وفي البلد دي، وفي بعض وكده. ومش شايف إنه دلوقتي الوضع مفتوح وفيه أي مجال للتفكير بالطريقة دي. كتبت حاجة امبارح عشان عارف إني جيالكم عن نصايح المصريين للسودانيين. خدت بالي إنه كان فيه خناقة على نصايح المصريين للسودانيين. خناقة كلها مصرية- مصرية، لأن السودانيين مش فاضيين لنا أصلًا. كتبت حاجة على فكرة أن الشخص اللي بيدّي نصايح من غير ما يسأل عايش على نوستالجيا. بـ يعمل حاجة لنفسه مش للطرف التاني. لطيف نعيش النوستالجيا، بس خلينا نستفيد منها. إنه نتحبس في سؤال نقعد في الميدان ولا نمشي، ده سؤال غبي أوي. اللي بيحسم السوال ده ظروف شديدة المحلية وأكيد هُمّا واخدين بالهم إنه السؤال ده مطروح وبيسألوه لنفسهم. الأفيد ندوّر علي مواضيع أعقّد. إيه اللحظة اللي عندها بـ تتفاوض؟ إيه اللحظة اللي عندها بـ تبتدي تبلور مطالب؟

المهم هو نبتدي نتخلى عن مشروع الحسم. طريقة التفكير بتاعة أنه الحاجات ليها حلول، وحلول قطعية في كل حاجة. زي حل المرور إيه؟ يعني إيه حل المرور إيه؟ أنت في القاهرة. مَفيش حل للمرور. أغلب المشاكل الجذرية اللي بتواجه مصر واللي الدولة قاعدة بتفشل فيها، واللي أي حد حـ يفشل فيها أكبر من إن ليها حل. مفيش حل خالص. فـ لازم نقعد نتكلم مع بعض.

في حاجات مفيش حل من غير ما نقعد نتكلم مع العالم كله. مشاكل كوكبية. فـ لازم نخرج من الحالة دي. الحالة دي مزعجة بالذات في الوقت اللي المجال مقفول فيه. زي لما نبتدي أخيرًا نفتح ملفات الجندر والعنف تجاه النساء وناس من جوه الحركة تبتدي نقول حلول زي نغلِظ العقوبات ونحبس الناس، وده لا يؤدي إلى أي شيء غير أن إحنا نزود الناس اللي في السجون. إحنا محتاجين نتعلم إزاي نتفاوض مع بعض. مش اللي هو تجيب من اليمين لليسار بس جوه اليسار الواحد.

محمد حمامة: فيه مشاكل كوكبية؟

علاء: مفيش غير المشاكل الكوكبية.. إحنا بنهرج في مصر. بنضيّع وقت.

نايرة: دايمًا قلنا الثورة كانت من غير قائد. بس كناس بتوع ثورة، هل محتاجين أبطال، حتى كخطاب يعني؟

علاء: أولًا موضوع من غير قائد ده، الناس لما بتقول كده بيقصدوا إن مفيش حاجة زي الخميني [الثورة الإيرانية]. والحمد لله إن مفيش حاجة زي الخميني. لكن فيه ناس لعبت أدوار قيادية على مستويات ربما محلية أو في قطاعات معينة أو في لحظات معينة. وبالتالي التعامل مع كلمة ملهاش قيادة دي على إطلاقها مَهياش كلمة صحيحة. هي ملهاش قيادة مركزية ده اﻷصح. وأنا أظن إن جزء من السردية دي مكانش جاي من عندنا، دي كان أحد أدوات الاحتواء. إنه كان فيه ضغوط من برّه الثورة، ومن جواها من خلال كيانات زي اﻹخوان وغيرهم كمان لتسفيه أي إمكانية إن يبقى فيه إفراز لقيادات تقدر إنها تجمع نفسها بعد كده، وتتفاوض باسم أو تبلور. فـ لفظة بلا قيادة دي كان جزء من الثورة المضادة مش جزء من الثورة، لكن ﻹنه كان بيعكس جزء من حقيقتنا إن إحنا تشبيكات أكتر من حاجة مركزية، فالموضوع ده لخبطنا.

فيه احتياج لسردية، وأسهل السرديات هي اللي بتتبني حوالين أبطال، وأسهل السرديات اللي حوالين أبطال هي حوالين أبطال ذكور، وأسهل السرديات اللي حوالين أبطال ذكور هي اللي بـ تتكلم عن رجولتهم وشجاعتهم. فيه طبعًا دايمًا ميل لصياغة اﻷمور بالطريقة دي إن كان بقى حوالين معتقلين أو شهدا. ده فخ مش حد اللي عامله لنا، إحنا اللي عاملينه لنفسنا ﻹن دي نزعة طبيعية جوه المجتمعات. وبالتالي الاشتباك مع السرديات ومحاولة إنتاج سرديات مختلفة ومحاولة إن الواحد يبقى متواجد في المساحة دي ويحاول يشتبك معاها ويجرها في حتة مختلفة، يقدم صور مختلفة للبطولة، أو يستخدم المساحة اللي اتبنت حواليه في إن هو اللي ينقل قصص وسرديات مختلفة وكده. ده كان دور واعي كنتُ بـ عمله بقرار ونقاش. وأظن غيري كمان كان بـ يتحرك في المساحة دي، بل وأظن إننا نجحنا فيه نجاح كبير. جزء من اﻷسباب إن الثورة المضادة خدت وقت على ما عرفت تفطسنا يعني كان مرتبط بقدرتنا على إننا نفرز سردية مربكة لهم، سردية الرد عليها مش سهل. وفي اﻵخر السلطة المصرية مطلعتش بسردية بديلة أبدًا. هُمّا طلعوا بقصة كده اللي قالها لنا عمر سليمان ملهاش أي معنى ومظنش فيه أي حد مصدقها بجد، وبعدين يقتلوا أي حد بيقول حاجة غيرها، ويحبسوا أي حد بيقول حاجة غيرها، ويخوفوا أي حد بيقول حاجة غيرها لغاية ما بقت تنفع إن هي ده السردية الرسمية وهي فاضية لدرجة إنهم مش عارفين يعملوا بيها إيه. يعني النظرية بتاعة إن فيه 19 واحد دخلوا من سينا لغاية التحرير هُمّا اللي عملوا كل حاجة. طيب أنتم دولة كروديا في 19 واحد ممكن ييجوا يقلبوكم نعمل لكم إيه بقى؟ ده أنتم بتقولوا ده في كلام في محاكم.

محمد حمامة: لو عايزين نتكلم عن مفهوم المقاومة. مقاومة في الشأن المحلي؟ ولا الأمور الكونية؟ مقاومة إيه بالضبط؟

علاء: أنا عندي مراجعات فكرية كبيرة أوي. وبقيت حاسس إنه كلمة مقاومة دي فيها فخ. اليسار الغربي بقاله بتاع 20 سنة ابتذل كلمة مقاومة فبقى أي حاجة أي بني آدم مُهمش بيعملها اسمها مقاومة. الفلسطينيين بـ يتنفسوا فـ دي مقاومة. ما هي الناس مش بـ تبطّل تتنفس أي أن كان الظرف اللي هٌمّا فيه. مجرد الصمود هو مقاومة. التحايل على النظام ونعمل حاجات من وراهم دي مقاومة. أي شيء ينفع يبقى مقاومة. معركة ضبط المصطلحات دي بقت معركة خسرانة. نتخلى عن المصطلح وخلاص. إحساسي إن الدنيا مأزومة.. أزمة مخليانا في حالة عجز في الخيال. مش عجز في الفعل. فيه جيل بـ يستلم هو تربية التسعينات؛ كان فيه أفكار كتير، وفيه تنظير كتير، بس مفيش فعل. فـ إحنا محتاجين نتحرك. قعدنا عشر سنين نتحرك، واكتشفنا إن إحنا بـ نتحرك بأفكار بنت تجربة الحرب العالمية التانية.. فيه أزمة خيال رهيبة. في نفس الوقت فيه لهاث. من الواضح أنه المنظومة الحاكمة في العالم كله مأزومة. وأزماتها بتزيد، الفرجة على إنجلترا مسخرة تمامًا يعني. حاسس إن إحنا محتاجين نبتدي نمرّ بمرحلة زي ما طلع دادا [الحركة الفنية البادئة في بدايات القرن الـ 20] والسريالية وكده محتاجين نمرّ بمرحلة فيها تمجيد للعبث، وبعدين تفكيك لكل الحاجات، ومحتاجين نعمل ده بطريقة عميقة. لأنه التفكيك بتاع السخرية والاستهزاء وحالة البوست تروث [ما بعد الحقيقة] بقى فيها هجوم على المعنى نفسه. مفيش حاجة اسمها أميّز الكذب من الحقيقة، لأنه مفيش حاجة اسمها حقيقة أصلًا والسعي ليها موضوع هزلي.

مش بتكلم عن السف والميمز وهكذا. بالعكس أنا بقيت شايف الحاجات دي مدمرة لأي قدرة للتعامل بجدية مع أي موضوع. ففكرة أن السخرية مقاومة بقت مُضرّة. مش حـ نبطّل ننكت، بس محتاجين نفكك إحنا بـ نفكر في الحاجات إزاي من غير ما ننزلق للمسارات السهلة اللي هي بتاعة السف أو الاستهزاء أو التبكيب أو البكاء على اللبن المسكوب.

 

الصورة: محمد الراعي

الناس بـ تتحمس لأفكار هي إعادة إنتاج لأفكار قديمة، وهي أفكار هشة جدًا وسهل أنها تتركب زي الـ universal basic income [الدخل الأساسي العالمي]. الموضوع عامّلي إزعاج شديد. أي حاجة بـ يوافق عليها الليبرتاليين دول هي حاجة غلط مبدئيًا يعني. فكرة إنه اليسار واليمين المتطرف المجنون موافقين مع بعض ده في حاجة غلط في القصة. فكرة إنك تدخل كل الفقرا في اقتصاد الكاش ده معناه أنت بـ تاخدهم كلهم على بعضهم وتقوم مسلمهم للبنوك المركزية والبنوك الـ مش مركزية واتصرفوا معاهم. أنا مش متأكد عشان مش شاطر في الاقتصاد ومش مذاكر. بس حاسس إنه في حاجة غلط في القصة دي. فيه فخ حـ نلبسه. وبعدين فيه فخ تاني شديد في قد إيه ده يخص الشمال. هُمّا عندهم معدلات الفوايد منخفضة فـ سهل أنهم يفكروا، طب ما نطبع فلوس وخلاص. عندنا الموضوع ده حـ يبقى كارثي. لو عملوا كده وإحنا ما عملناش بـ نتزق وبـ نترمي ومفيش حد يقولوهم: يا جماعة الناس اللي في الجنوب دول عندهم معدلات فايدة 20% و 30% وكده. حاسس إن إحنا محتاجين قنوات تواصل جدية، بمعنى إحنا في مصر مش باصين على المشاكل الكوكبية وهي جاية تفرمنا، واللي في الشمال عمّالين يتكلموا في المشاكل الكوكبية من غير ما يسمعوا أي اصوات تانية. إذا بـ يفكروا في الجنوب فـ هُمّا بـ يفكروا بتفكير تضامني بس فيه قدر من الفوقية أنهم هُمّا حـ يحللونا مشاكلنا. حتى الشباب الراديكالي بيفكر بالطريقة دي. وطبعًا فيه يسار عايز يقفل الهجرة عشان ينقذ العمال والروبوت جاي أصلًا، فالمشكلة مش في المُهاجِر.

فلازم يكون فيه حوار كوكبي في الأول. قبل ما نعرف ندوّر على مخرج للأزمة. أنا مش متابع. هل المساحات بتاعة الفن مثلًا أو الأكاديميا بيعملوا ده؟ بس أنا حاسس إن المساحات دي أتأممت بشدة عالميًا ومش عندنا بس، وده انطباع واحد مسجون بـ يجيله مجلات وكده. والإنترنت بقى مكان عجيب مالوش مالكة. مَحدش فاهم.

لينا: صحيح، بقى شكله عامّل إزاي الانترنت لما طلعت؟

علاء: فاكرين مقال حسين درخشان بتاع خرجتُ من السجن لقيت الوِب انتهى بسبب الشات والسوشيال الميديا؟ أنا طالع حاسس إن إحنا رجعنا للعصور الحجرية. الناس بـ تتكلم برسومات وأصوات… هُو هُو هَا هَا.. مش بالنص. على فكرة النص والكلمة المكتوبة دي حاجة لطيفة. فأنا مُنزعج جدًا. حاسس إنه فيه رَدّة حتى على مستوى التخاطب الثنائي، مش بس الجماعي.. في القدرة على التعامل مع المواضيع المعقّدة.

يعني جزء من المشكلة في نقاش المصريين على السودان ده في رأيي مش ذنب المصريين على قد أنه ذنب الأداة. أنت مبلوع جواها. بـ تعمل حوار عاطفي مع أصدقائك، لأن فيسبوك معمول لكده. أنت بـ تعمل حوار بَـ تحاول تعمل فيه تنظير لـ اللي أنت مرّيت بيه، وفـ محاولة فهم لإيه اللي الناس دي بـ تعمله، وفيه محاولة للتواصل مع الناس اللي مذاكرة؛ فتقول لك تاريخ السودان إيه ومش بس إيه اللي بيجرى اليومين دول. وأنت في دواير الناس عمّالة تبعت جيفات [GIF] وهارتات [قلوب]. فـ لازم نتاج الحوار يبقى كده. في حبسة في الأدوات. فيه حاجة غريبة أنه العالم كله بقى عارف إنه الأدوات دي منقوصة وما عندهمش أي ثقة في الأدوات دي ومَخوننها -وكده- بس مكمّلين. فـ فيه برضه احتياج لخيال بديل. مش عارف حـ يظهر إمتى.

لينا: دايمًا فيه نقد لحركة ما بعد الحداثة وعملية التفكيك والنقد المقترنة بيها، واللي بـ يخليها موصومة بكونها حركة خطابية تنظيرية ومش فاعلة. هل أنت بـ تقول إنه فيه حاجة للتنظير ومَفيش مساحة للفعل؟

علاء: أنا بعت لك كتاب لطيف بتاع مارك فيشر اللي هو متمسك بالدفاع عن فكرة ما يسميه بـ الحداثة الشعبية popular modernism أو الصور الشعبية من الحداثة. هو في الأصل ناقد موسيقي مهتم بـ ديفيد بوي والـ punk، وفي نفس الوقت متبنّي فكرة الـ hauntology اللي هي ديريدا، وما بعد الحداثة وكده. فـ أظن محتاجين حتة زي اللي الراجل ده بيتحرك فيها. يكون فيه دفاع عن مشروع جماعي مع تفكيك للخطابات الفوقية. اللحظة اللي إحنا فيها، بـَ نعمل مشروع اجتماعي إو جماعي، بـَ نتحوّل إلى أن إحنا محبوسين جوه أسئلة هوياتية أو قومية أو مشاريع بخطوات كده زي الحتميات التاريخية بتاعة الاشتراكيين. محتاجين نتعامل مع اللبس والغموض والعبث على أن دي حاجات موجودة في الدنيا، ولكنها حاجات في الغالب مؤذية. نبطّل بقى أنه العبث ده شيء جميل جدًا. ده لما نبقى عايشين في مجتمع شديد الانضباط فـ خنقنا. العبث ده حاجة إحنا محتاجين نتفاعل معاها، ونتعايش معاها، ونحاول نخرج منها بالانتصار للمعني وكده. ده مش حـ يحصل إلا في مساحة فيها فعل. مش حـ يحصل إلا لمّا نقعد ننظّر مع بعض. الفعل ممكن يبقى شديد البساطة خصوصًا لو أنت في وضع زي مصر والدنيا مخنوقة فيه. طالما أني ما بـ عتبرش أنه مجرد أني نجحت أني أعمل الفعل ده يبقى أنا بـ قاوم. أنا منبهر باستمرار «مدى مصر» مثلًا والظروف اللي إحنا فيها تخلي ده إنجاز. دي مساحة فعل وينفع أن إحنا نقعد ونتكلم مع بعض فـ إيه تاني ممكن يحصل، وإزاي ما نبقاش فرحانيين بأنه يااااه شفتم يا جماعة دي صمدت خمس ولا ست سنين.

واضح أنه في السودان والجزائر فيه مساحات فعل مفتوحة. آه العسكر فخ، والاسلاميين فخ آه حـ يفضلوا موجودين، حـ يروحوا فين!؟ مش حـ يتلاشوا. بس الناس لسه في لحظة فاعلين فيها. نفس الحكاية في الشمال. العبث الغريب اللي حاصل في فرنسا وفي إنجلترا ولا في ألمانيا هو دليل على أن الدنيا مأزومة. لكن فيه مساحة الناس تتحرك فيها وتعمل تجارب وتفشل. مش حاسس إنها اتقفلت يعني. بدليل في أمريكا ظهور ناس قادرة تآخد مواقف قوية من إسرائيل جوه المؤسسة. ده تغيير كبير مش تغيير بسيط. مش معناه أن فلسطين حـ تحرر لأن فلسطين مش حـ يحررها إلا الفلسطينيين. ده له معاني عند الأمريكان أكتر ما لُه معاني عند الفلسطينيين. حتى الحماس على universal basic income [الدخل الأساسي العالمي] أنا قلقان من الخطة، لكن الطاقة اللي ورا الموضوع ده هي طاقة فاعلة. طاقة بـ تستخدم أدوات زي الاكاديميا.

ولو فيه مساحة فعل في الدنيا فـ مصر ضيقة جدًا. فيه مستوى قمع معداش على البلد قبل كده، بس في نفس الوقت فيه هشاشة. الدولة المصرية غير قابلة -فيما يبدو- [على] الهيمنة على مخيلة الناس بجد. الموجود دلوقتي ده موقعه من مخيلة الناس محدود. ما يبدوش فيه انخراط شعبي واسع بس ما حدش فينا عارف يطلع ببدايل في مخيلة الناس أو بأدوات يخاطب بيها مخيلة الناس. أنا مش متأكد الناس لسه عايزة تعمل ده. أنا عندي سؤال بما فيهم مساحة زي «مدى مصر» قد إيه فيه راحة، أنا بـ اقعد أضيق وأضيق دايرة اللي أنا بـ اكلمهم وأبقى مستريح في الحتة دي. ده ممكن يكون إحساس طبيعي. أنا نفسي حاسس بكده دلوقت، وده اللي بـ يخلي مفيش مساحة فعل. ده ممكن يبقى ضرورة عشان نبلور أفكارنا من غير التشتيت بتاع المدخلات البرانية، وبتاع أنا محتاج اترجم لغتي لشيء ما يكونش صادم لناس تانية. طالما أنا واعي أني أنا داخل فقاعة عشان ابلور أفكاري.. الفقاعة مش مساحة فعل هي مساحة للتفكير.

محمد حمامة: فالثورة فشلت؟

علاء: أيوة. بغض النظر عن إزاي بـ نقيس ده. زي مثلًا هي الثورة كانت عايزة إيه. طبعًا التعامل مع الثورة كإرادة واحدة هو أمر شديد الالتباس. لكن في أقل القليل، الثورة كانت بـ تتكلم عن تداول السلطة الديموقراطية بالمعني الليبرالي التقليدي، وكانت بـ تتكلم عن وقف انتهاك الجسد. ودول الحد الأدنى من مقاصد الثورة، ودول دلوقتي مهدرين بشكل واسع. لكن الثورة كسرت نظام فعلًا، والموجود دلوقتي هو محاولة لبناء حاجة تانية مش نفس المنظومة. إحنا مش في عودة لمنظومة مبارك، اللي موجود دلوقتي محتاج يستهلك طاقة كتير عشان يعرف يحكم وكمان معتمد على تهديد إقليمي كبير. تهديد مستمر. من غير الكابوس السوري والليبي واليمني، كان حـ يكون فيه صعوبة شديدة للنظام لبناء شرعية. وبالتالي خطأ كبير لأي معارض لهذا النظام أنه يتجاهل حجم وبشاعة اللي بيحصل حوالينا وما يدخلوش في حساباته. ما ينفعش أن إحنا نستسهل أي تعايش مع خطاب طائفي مرفوض. نتخطى قصة الإسلاميين. هُمّا مقموعين وكده ولازم نتكلم عن الانتهاكات اللي بيتعرّضولها لكن الايديولوجية كارثية وحـ تفضل كارثية.. لازم نلاقي حل نخرج منها، مش حل أمني، لكن نتايج التعايش معاها واضحة. أسهل شيء هو اللجوء لعنف طائفي.

لينا: طيب في حاجة فاتت علينا نسألها؟

محمد الراعي: زي مثلًا السؤال التقليدي مصر الى أين؟

علاء: آه وأنا أرد وأقول مش كنتُ تسأل قبل ما تركب. أنا تمام، ومرتاح للحوار الغريب اللي شبهي بما اني طالع حاسس نفسي غريب.

اعلان