«بريد الليل».. رسائل ما بعد القيامة
 
 

تكتب شخصيات رواية هدى بركات «بريد الليل» رسائلها كمَن بقي وحيدًا على جزيرة، يكتب رسالة في لحظاته الأخيرة كي يلقيها في البحر، دون أن يعرف أين يمكن أن تصل ولا مَن سيقرأها، لكنها تصير، رغم ذلك، العلامة الأخيرة على وجوده. وكلما اقتربت نهاية هذا الناجي الأخير، ازدادت كتابته كثافة وصدقًا.

الجحيم الذي ترصده «بريد الليل»  -ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية- لا يمكن النجاة منه. أصحاب الرسائل في الرواية هاجروا أو هُجّروا من بلادهم؛ من الجحيم الحالي للبلدان العربية، لكن الجحيم بقي مستعرًا بداخلهم، لم يغادرهم.

تسرد «بريد الليل» عددًا  من القصص على لسان شخصياتها. كل قصة هي رسالة كتبتها شخصية، ثم عثرت عليها أخرى عن طريق الصدفة، وبعد قراءتها تشرِع في كتابة الرسالة الخاصة بها. أي أن اللاحق يتفاعل مع حكايات السابق ومآسيه عبر كتابة رسالته.

رسائل «بريد الليل»  بلا عنوان. رسائل إلى اللامكان. أصحابها عرب مهاجرون، دون إشارة واضحة إلى أسماء البلاد العربية أو جنسية أبطال الرواية. يمكن للقاريء أن يمارس نوعًا من التخمين أو التكهن بجنسية صاحب وصاحبة كل رسالة، إلا أن بركات آثرت «التعمية» وعدم الإفصاح عن هويات محددة لأبطالها، ربما كإشارة إلى تماثل الأمكنة العربية بتماثل القمع فيها. تُكتب الرسائل من المهجر إلى الآباء والأخوة والأحبة، منهم مَن هو داخل الأوطان العربية، من غيّبه الموت أو السجن، أو مَن ضاع مع الأمكنة الضائعة بفعل الحروب الأهلية والصراعات الدامية.

تُحيي هدى بركات الشكل أو التقليد السردي القائم على رواية الرسائل. كانت الروايات المكتوبة في شكل رسائل رائجة في القرن الثامن عشر، مثل رواياتي صمويل ريتشادرسون «باميلا 1741»و«كلاريسا 1747» واللتين شكلتَا «علامتين مهمتين في تاريخ الرواية الإنجليزية والأوروبية.

تستخدم الرواية المصادفة كأداة من أدوات الحبكة دون أن تتحوّل إلى أداة بنائية مفرطة في البساطة. المصادفة تفاجيء الشخصيات دون اعتماد مفرط للنص عليها.

تنقسم الرواية إلى ثلاثة أقسام: «خلف النافذة»، «في المطار»، و«خاتمة: موت البوسطجي». القسم الأول عبارة عن خمس رسائل .

المرأة الخمسينية تجد الرسالة الأولى داخل دليل التليفون في غرفة الفندق المقيمة به. تتماهى مع وحشة كاتب الرسالة وتتساءل عن مصيره بعدما علمت من رسالته أن هناك «رجل مخابرات» يراقبه. يراها شاب وهي تمزق رسالتها وتُلقيها في سلة قمامة، يلتقطها بدافع الفضول. يقرأها ثم يكتب رسالة إلى أمه، اعترافات بجرائمه في الوطن والمهجر. ويترك رسالته مكرمشة ومضغوطة غائرة في جانب مقعد الطائرة، بعدما أنزله الأمن مكبل اليدين. تجد الرسالة امرأة شابة وهي تعيد ترتيب وتنظيف الرسالة الطائرة بعد تفتيشها. فتكتب رسالة إلى أخيها وتتركها في خزانة بار تلتقط منه زبائنها كمومس. يقرأها أحد العاملين بالبار ويكتب رسالة إلى أبيه، يناشده فيها بالصفح عنه والسماح له بالعودة بعدما تدهورت أحواله وتشرد في مهجره.

«تأثير الدومينو»

لا تعتمد الرواية في فرضيتها وحركة أحداثها على عامل «الصدفة» فقط، فالقراءة المتأنية ترشدنا إلى مستوى أعمق من المجاز.

ترتبط الرسائل فيما بينها عن طريق التفاعل التسلسلي الذي أشرنا إليه سابقًا، وهو ما يذكرنا بـ «تأثير الدومينو». يمكن أن نستخدم هذا التعبير المجازي عن تسلسل الرسائل داخل الرواية، ونأوله بما يحيلنا إلى تسلسل مماثل للأحداث السياسية وتفاقمها في الدول العربية عقب ثورات «الربيع العربي» .

هكذا تقوم الرواية بموازاة أو محاكاة مجازية غاية في الذكاء حيث التماثل بين الشخصيات وأوطانها، بين الخاص والعام. فكما انهار أكثر من وطن عربي بعد أعوام من القمع والظلم والاستبداد السياسي، تنطلق شخصيات الرواية في البوح والاعتراف والتعبير الذاتي بعد سنوات من القهر السياسي والاجتماعي.

تختلف عوالم الشخصيات، من البارانويا والتعقيدات النفسية واحتمالية الاختفاء القسري في الرسالة الأولى، إلى هواجس النسيان والخوف من التقدم في العُمر كما في الثانية. العنف الأسري والقمع السياسي يحولان الضحية، في الرسالة الثالثة، إلى جلاد، وإله في العالم السفلي. صار جلادًًا لأنه أراد النجاة من التعذيب، كان الثمن ليعيش أن يقتل الآخرين. وفي ظل ظروف قاهرة مماثلة، تضطر صاحبة الرسالة الرابعة إلى العمل كعاملة جنس بعد تعسف الأم وشقاء المعيشة، ويتعرض صاحب الرسالة الأخيرة إلى النبذ والاضطهاد نتيجة طبيعته وميوله الجنسية.

الآخر والصورة الأبوكاليبتية

يقدم القسم الثاني «في المطار» رؤية وتساؤلات «المرسل إليهم»، الذين لم تصل إليهم الرسائل المحملة باعترافات راسليها ومبرراتهم والدوافع الكامنة وراء أفعالهم، لتبقى أسئلة المرسل إليهم بلا أجوبة.

في هذا القسم، تتجلى رؤية الآخر عن المنطقة العربية. نتعرف من سياق كل مقطع سردي على هوية الراسل، كأن أسئلة الآخر مرآة تنعكس عليها بشاعات واقعنا البائس، وتتشكل عليها صور أصحاب الرسائل.

يتساءل الرجل الذي كان من المفترض أن يقابل المرأة الخمسينية عن أحوال المنطقة العربية، وهو قد سبق له العيش فيها كشاب، وجمعته علاقة قديمة بصاحبة الرسالة:

«أين كان قابعًا كل هذا الحقد؟ كل هذه الكراهية؟ وهذا العنف الهائل، الذي لم أستشعر آنذاك بأي من ذبذباته العميقة؟» . ويضيف: «الآن حين أتفرج على الصور الأبوكاليبتية الآتية من هناك، في نشرات الأخبار أو في أفلام وثائقية، أشعر بأني لم أزر تلك البلدان يومًا».

تكشف كلمات المرأة التي أحبت صاحب الرسالة الأولى عن الالتباس داخل حياته وذاته المضطربة: «هذه شعوب غريبة. رجالها معقدون؛ مرضى» .. «كان هذا الرجل مؤذيًا، معدمًا ومتعجرفًا ومتشاوفًا؛ متخلفًا ومدعيًا؛ عنيفًا وسريع البكاء.. انتهى الأمر بأن كرهته وكرهت عقده الكثيرة؛ تلك التي يبدو أنه قد حملها من طفولته البائسة في بلده المعتل».

الرسالة كبنية روائية

تستغل «بريد الليل» الإمكانيات الفنية التي توفرها الرسائل كشكل فني. تؤرخ الرسائل لعملية «جارية»، أي أنها، كأسلوب سردي، لا تحكي عن مصاعب انجلت، وأخطار أمكن التغلب عليها، وإنما كما قال صمويل ريتشاردسون عن رواية الرسائل في كلمات دالة:

«إنها أسلوب الذين يكتبون في غمرة محنة حاضرة، إذ العقل يتعذب بالشكوك، لذلك فأسلوبها هو أكثر حيوية وأشد تأثيرًا من الأسلوب السردي الجامد» .

والرسالة توجه دائمًا إلى متلقٍ محدد، هو المرسل إليه. لذلك فهي تبتعث، على مستوى الأسلوب، «مروي له» افتراضي، وجود نصي متخيل، لكنه يكثف استجابة القاريء الحقيقي خارج النص.

«كيف تفسرين ذلك؟ هل ستقولين إنها هذياناتي، وإنها البارانويا التي تصيب متعاطي الكوكايين؟»

«لو كنت َ هنا لتفرجت َمعي على هذا العصفور الذي يتنطط تحت في الشارع الفارغ تحت المطر»

«هذا لا يعني أني أكتب إليكِ كي أبدو منشغلًا. لا. أنا أريد إخبارك بما حدث معي قبل أن تعرفي من غيري».

تكمن المفارقة في أن فعل التواصل «المتخيل» بين الراوي/ الراسل، والمروي له/ المُرسل إليه لا يتحقق، لأن «الرسائل لا تصل إلى أصحابها» كما يقول البوسطجي في مرارة، بينما يتحقق فعل التواصل «الحقيقي» بين الكاتب الفعلي/ الحقيقي، والمتلقي أو القارئ «الحقيقي» للنص. وحده المتلقي هو مَن يحظى بمعرفة وجهات النظر المختلفة حول الأحداث.

عن «الكتابة» و«الكلام»

أحيانًا، تبدو الرسائل عند قراءتها كالمونولوجات الداخلية، لتقترب من السرد الشفاهي. تُظهر كتابة الرسائل العلاقة الجدلية بين «الكلام» و«الكتابة»، أو الكتابي والشفاهي.

توحد الرسالة بين الكتابة والكلام وتنقض ما بينهما من تراتبية أو تمييز، فهي في أحد وجوهها تصوير للكلام، وذلك من خلال الإشارة إلى الظروف التي تجري الكتابة في ظلها.

فمثلًا، يشير أحد أصحاب الرسائل إلى الظروف المحيطة به قائلًا: «انتظري. هناك رجل لا يكف عن النظر في اتجاهي». أو تسخر شخصية أخرى من قسوة الأم: «أنا مَن سيغفر لي؟ قلبك؟ قلب الأم؟ هاهاهاها».

تعمل «بريد الليل» على تضمين «نغمة الصوت البشري»، بتعبير ديفيد لودج، أو الأصوات البشرية وهي تتحدث في مجموعة متنوعة من الإيقاعات والقدرات واللهجات.

كذلك تعمد الرواية إلى إظهار الكلام كنوع من الكتابة، إذ أن العلاقة قائمة على «التكملة». فالكلام والكتابة كلاهما تكملة واستبدال للآخر، كما يبيّن جاك دريدا.

يتناول النص الروائي مفهوم الأب، وتتعدد الأوجه والظلال التي تظهر فيها السلطة الأبوية. تعاني شخصيات الرواية إما من غياب الأب: «لا حاجة إلى أن أذكرك بأني نشأت بلا أهل. ضاع أبي مني، سقط كأن سهوًا».

«كان أبي درعي، يحمي أعضائي مما يتهددها..بعد موت أبي صرت حرة في كراهيتي؛ في أحقادي علي من أحببت وهو لا يستأهل حبي».

أو تعاني من فرط حضوره، كما في الرسالة الأخيرة للابن المضطهد من أبيه:

«أخاف من طقة مفتاحك في الباب، من عريك خارجًا من الحمام، من ضحكك العالي، من سطوتك علينا بداعي الدفاع عن الوطن من الأخطار».

مجاز الأب وسؤال الجسد

لا تسعى هدى بركات إلى إحلال مجاز الأب/الأسرة محل الرئيس/الدولة أو العكس، إذ تشير كذلك إلى تبعات تعسف الأم، في الرسالتين الثالثة والرابعة، وما يخلفه من تشوهات وآلام نفسية. تلمح الكاتبة إلى الأنساق القيمية للمجتمع ونظامه الأبوي، وللبنيات السلطوية التي تتأسس عليها العلاقات الاجتماعية، واعتلال التواصل الإنساني، حتى بين أفراد الأسرة الواحدة، كنتيجة للأحداث السياسية.

تتضافر مع تمثيلات البطريركية داخل النص تأملات الشخصيات في ذواتها وأجسادها وهويتها الجنسية، بعد أن عاشت سنوات عديدة في مجتمعات تُعلي من القيم الذكورية الفجة، وتقمع الجسد.

تتمثل اللغة تلك القيم بما تحمله من عنف. في الرسالة الأولى: «لن تركبني امرأة ركبتها». وتعبر عن مخاوف أو هواجس جندرية مع التقدم في العُمر في الرسالة الثانية: «ولأنك لم تعرف أبي، لن تستطيع أن ترى كم صرت أشبهه.. العمر يقربني من هيئته، وهيئة الرجال عمومًا.. أفكر أني فقدت كثيرًا من هرموناتي النسائية ودخلت في مفترق الطرق حيث الذكورة تدخل في التشكيل».

وتتجلى المأساة في رسالة الابن الهارب المستجد لغفران الأب بعد اضطهاده ثم تشرده في المهجر: «كنت، حين أفلت جنسي الرجولي من يدي، ورأيت كيف غادرني جسم الطفل المحبوب إلى تلك الهشاشة وذلك الالتباس الذين جعلاه بشعًا ومرذولًا وغير محبوب، كنت في أقصى حاجة إلى أن تحبني، أو تساعدني».. « لكني كبرت وكففت عن كوني لعنة أو مرضًا».

فالتطور السيكولوجي لشخصيات الرواية لا يجري في فراغ اجتماعي. والخطاب الروائي في «بريد الليل» لا يفرِّق بين مشكلات الذات الإنسانية ومشكلات السياسة والحروب الأهلية، بل هو إعادة اكتشاف للجسد واجتماعيته من خلال وعي بالقوى التي تتحكم فيه وتخضعه، هو «سياسة للجسد»، بتعبير جوليا كريستيفا.  

***

 الكتابة في «بريد الليل» ليست مرثاة للدمار فقط، بل هي كتابة ضد المحو، ضد ما يصنعه القمع والقهر بالناس والأشياء والأمكنة. نثار البلدان العربية الدامية جُمعت في صفحات قليلة، وثرية.

اعلان
 
 
محمد عمر جنادي