التصوير الوثائقي العربي.. قصص مرئية

افتتح فيلكس بونفليز استوديو تصوير شهير في بيروت عام 1867، في خطوة جعلت من استوديوهات التصوير الفوتوغرافي وسيلة شائعة للتوثيق، ومهدت لانتشار فن التصوير الفوتوغرافي خارج الحدود اللبنانية.

واصل التصوير الفوتوغرافي الوثائقي انتشاره في العالم العربي. ومع ظهور التقنيات الحديثة وسهولة الحصول على كاميرا، تزايد عدد المصورين في كافة دول المنطقة على نحو غير مسبوق.

ومن البرامج التي عززت هذا التوسع في التصوير الوثائقي هو برنامج التصوير الوثائقي العربي، الذي أنشأته مؤسسة «ماغنوم»، وصندوق الأمير كلاوس، والصندوق العربي للثقافة والفنون.

اجتاز أكثر من 45 مصورًا برنامج التصوير الوثائقي العربي على مدى السنوات الخمسة الماضية، وأصبحوا يعملون في مجالات التصوير الفوتوغرافي المختلفة. والهدف الرئيسي من البرنامج هو تطوير قصص مرئية تتناول عددًا لا يُحصى من الموضوعات الاجتماعية والشخصية في العالم العربي على يد مصورين يعيشون في المجتمعات التي يعملون على توثيقها.

صورة من قصة محمد التومي المصورة «هوشمار» حول التراث النوبي الخاص بالمصور

 

 

 

 

ويتلقى الفائزون بالمنحة دعمًا ماليًا وفرصة للعمل في مشروعات تصوير طويلة، تحت إشراف المستشارين: إريك غوتسمان، وبيتر فان أغتمايل، ورندة شعث، وتانيا حبجوقة، كما يلتقون مرتين في بيروت لحضور ورش العمل.

 

صورة من قصة فتحي سحروري المصورة بعنوان «طائفة الأرواح». مشروع توثيقي عن التقاليد الاحتفالية الريفية في غرب الجزائر.

 

 

 

 

 

 

 

بالنسبة لمصطفى سعيد، من الصومال، كانت هذه هي تجربته الأولى للمشاركة في مجموعة عمل. يصف مقدار ما تعلمه من تواجده في المكان نفسه مع مصورين مختلفين يستخدمون أساليب سرد قصص مرئية: «يختلف الاحتكاك المباشر والنقاش وجهًا لوجه حول مُختلف المشروعات والأساليب عن المُشاركة في دورات تدريبية عبر الإنترنت أو مشاهدة مقاطع فيديو على يوتيوب ومحاولة استيعاب المعلومات، لقد كانت تجربة مختلفة تمامًا ومثمرة للغاية».

صورة من قصة مصطفى سعيد المصورة  «الانقسام متضاعف»، تبحث في عدم المساواة والظلم الواقع على القبائل التي تتعرض للتمييز في الصومال.

 

يصف روجر مُقبل مشاركته في البرنامج باعتبارها علامة فارقة في حياته، ويقول: «لقد أسهمت التجربة في تطوير مفهومي الخاص عن التصوير الوثائقي ومكّنتني من استخدام الإبداع كوسيلة للتعبير عن الذات».

 

صورة من قصة روجر مقبل المصورة «صف لي السماء»، عن ضاحية فقيرة في بيروت، حكم عليها بالاغتراب بعد بناء كوبري يرفان فوقها.

 

لاحظت هدير محمود أن العديد من الأشخاص الذين شاركوا في مشروعها عن الأزواج المنفصلين بسبب الاعتقال والسجن في مصر ما بعد الثورة، قد أحسوا ببعض الارتياح «لأن المشروع أتاح لهم/ لهن فرصة للحديث عن قصصهم/ قصصهن وإلقاء الضوء على وضع زوجاتهم/ أزواجهن».

يُركز حمادة الرسام أيضًا على مصر ما بعد الثورة، ويوثق الحزن الذي يتجاوز الاختلافات الدينية والاجتماعية والاقتصادية، ويستكشف كيف يتجلى حزن الناس على أحبائهم على ضياع الثورة.

 

صورة من قصة هدير محمود المصورة «الحب والفقد» عن علاقات ما بعد الثورة في مصر.

 

صورة من قصة حمادة الرسام المصورة «آثار النزاع».

تتناول سمر حزبون التقسيم الذي تفرضه نقاط التفتيش، وغياب حرية الحركة بالنسبة للفلسطينيين في الضفة الغربية من زاوية جديدة. ويوثق مشروعها كيف اضطر عدد من النساء إلى الولادة عند نقاط التفتيش. وتقول: «أقوم بالكثير من البحث من أجل مشروعي، كما أقضي وقتًا طويلًا مع الأشخاص الذين أقابلهم».

صورة من قصة سمر حزبون «ما وراء نقاط التفتيش»

 

بالنسبة لإيمان الدباغ، التي تعرضت لانتقادات من بعض أفراد أسرتها بسبب جرأة مشروعها، تقول: «كان البرنامج فرصة لكي يخرج هذا العمل إلى النور، كما منحني فرصة لكي أبدأ سرد قصص بجرأة ودون خوف، تمامًا مثل الأشخاص الذين التقطتُ صورهم».

 

صورة من قصة إيمان الدباغ المصورة «عيب». عهد ممثلة ومخرجة أثناء جلسة لرقص العواميد، جدة في 2016. جزء من قصة عن الفن، الرقابة، حرية التعبير، والتابوهات في السعودية.

 

تصف تانيا حبجوقة، إحدى مستشارات البرنامج، «العقبات غير الطبيعية التي تعرقل الرغبة بالتنقل في المنطقة»، ومن بينها صعوبة التواصل والبيروقراطية الجامدة التي تحد من حرية الحركة. «علينا أحيانًا أن نُبدع ونفكر خارج الصندوق، من أجل التواصل والوصول إلى بعضنا البعض».

 

ترى جيسيكا موراي، مديرة مؤسسة «ألليكوندوي» التي تُدير ورش العمل، أن التحدي الأكبر يتمثل في العقبات المُعرقِلة لحركة العديد من المصورين.

لكنها تقول إن مرونة البرنامج هي ما يمنحه تفردًا. لقد قُبل المصور السوري إياد أبو قاسم في البرنامج، لكنه فرّ مثل الكثير من السوريين الذين اضطروا إلى الفرار من بلادهم، ووصل إلى معسكر للاجئين في ألمانيا. وبعد مداولات، قرر الشركاء في برنامج التصوير الوثائقي العربي إعادة تفعيل منحته، على الرغم من أنه لم يعد يُقيم في العالم العربي. «هذا النوع من استثناء القواعد هو ما يجعل البرنامج رائعًا بالفعل من وجهة نظري».

صورة لكارمن ياحشوشي من قصتها المصورة «الملك رجل الشمس» مشروع يستكشف الأبوية والنرجسية والرغبة من خلال بورتريه مركب لرجل وعلاقاته المشحونة بعاملات أجنبيات في لبنان.

 

بصفتها مستشارة للبرنامج، تعتقد حبجوقة أن التصوير الوثائقي الجيد يجب أن يكون شخصيًا وأن يتحدى المؤسسات السياسية والاجتماعية أيضًا. «إنها واحدة من المساحات القليلة التي تنتقد الأحداث الاجتماعية والسياسية».

تقول حبجوقة: «بالنظر إلى العمل ونوعيته في الوقت الراهن، علينا إصدار كُتب محدودة النُسخ»، وأعربت عن أملها في إمكانية إدخال مزيد من التنظيم والتطوير على طريقة عمل البرنامج.

 

صورة من قصة أميرة الشريف المصورة «امرأة يمنية.. أرواح مقاتلة» في بحير ديطواح، سقطرى اليمن 19 مايو 2014.

 

يُسلّط مشروع أميرة الشريف الضوء على أحد أكثر جوانب الحياة تجاهلًا في اليمن، «كيف نخوض، نحن النساء اليمنيات، الحرب عن طريق رعاية من حولنا بداية من الأزواج والآباء والأطفال والأقارب والجيران، وصولًا إلى المجتمعات بوجه عام».

«لم أتوصل بعد إلى تصور عن كيفية تأثير الحرب فيّ شخصيًا. لقد قتلت الحرب آلاف الأبرياء، ومات عشرات الآلاف جرّاء الجوع والمرض. عندما أفكر في التراجع عن المشروع –فكرت بالفعل في التراجع- أتذكر الروح القتالية لهؤلاء النساء».

هناك دعوة مفتوحة في الوقت الراهن لتقديم الطلبات إلى برنامج التصوير الوثائقي العربي. الموعد النهائي هو الأول من مايو 2019.

 

Read in English
 
 
اعلان
 
More from Panorama