«جيم أوف ثرونز»، عالمنا خلف الشاشات
 
 

[تحذير: المقال مظلم ومليء بأحداث محروقة]

من البداية أخذ مسلسل جيم أوف ثرونز- Game of thrones قرارًا بأن ينصب لنفسه عالمه الكامل الخاص مهما تكلف ذلك من مجهود ومهما بدا غير ضروريًا أحيانًا. خريطة لا نعرفها لقارتين مأهولتين بالسكان، سبع ممالك في حرب مستمرة وتحالفات متغيرة للوصول لعرش الحكم، وكائنات وقواعد وأديان تتطور وتنسج أمامنا طيلة الوقت.

تتعامل القصة دائمًا وكأنها بدأت منذ فترة بعيدة، ولا تزال مستمرة، وقد سُمِحَ لك بالمشاهدة فقط حين بدا أن حربًا مرعبةً إضافية في طريقها للاشتعال. عالم ليس له اسم لأنه العالم بألف ولام التعريف، يبدو أنه قرر بشكل واعي الاستقلال بذاته تمامًا من حيث الزمان والمكان والقواعد، وخلق بُعد موازٍ لعالمنا لكن دون أن يتحول بالكامل لمسلسل فانتازي أو عالم سحري تتوقع فيه أن يمسك البطل العصا فيخرج بتعويذة.

العالم في جيم اوف ثرونز يقف بندية لعالمنا، وصراعاته تشبه صراعاتنا، ونزعاته الفجة والدموية والجنسية ربما تكون أكثر وضوحًا لكنها ليست بعيدة عن نزاعاتنا. وفي سياق تلك الندية نسج المسلسل قواعده الاجتماعية وموسيقاه ولهجاته وألفاظه المستحدثة، أقرّ قواعد أخرى للمناخ جعلت فصول السنة تمتد لعدة سنوات بلا نظام، والشتاء فيها فصل مرعب يجلب الهلع والموت مثل الطاعون، واستحدث حتى لغة بالكامل صُنعت لقبائل الدوثراكي، يمكن الآن تعملها عبر الإنترنت.

موقع لعبة العروش من عالمنا

جغرافية القصة عبارة عن قارتين: «ويستروس» و«إيسوس» وجزء بعيد وبارد وراء جدار من الثلج والسحر. يبدأ المسلسل بمشهد من وراء الجدار، القابع في شمال القارة ويستروس، التي تستمر الأحداث بالكامل فيها إلا فيما يخص خط «دانيريس تارغيريان» ابنة الملك الراحل المنفية في الجانب الآخر من العالم، في إيسوس، والتي ستدور الأحداث فيها حول محور بناء جيش، تستطيع العودة به للقارة الأصل، لتحارب من استولوا على حكم أبيها.

إيسوس بعيدة عن أسئلة السلطة وأسئلة الفناء المهدِّد؛ الحضارات القديمة، بناء الأهرامات والمعابد والسحر، تجارة العبيد والديانات واللغات الغريبة -غير الإنجليزية، كلها من نصيب إيسوس، القارة الكبيرة الملونة المأهولة بمجتمعات بنية البشرة وسوداء الشعر، يتباينون من كونهم شديدي العنف والغشامة إلى شديدي السذاجة والجهل، مشاهدها تعج بالازدحام والفوضى، مساحات واسعة من الصحراء وقبائل دوثراكي كبيرة ومسلحة تعيش متنقلة في خيام ولا يمكنها أن تصنع سفن لتعبر البحر الضيق لتغزو الممالك السبعة في ويستروس، ويشار إليهم طيلة المسلسل بـ،Savages والتي وفقًا لقواميسنا الإنجليزية وللمسلسل تعني بربري وغير متحضر.

كيف تتحدد ثنائيات البداوة/التحضر والقرب/البعد؟ في صراع العروش ويستروس هي العالم. هي الحضارة وهي التاريخ وهي صراع السلطة، وكل من خارجها هم برابرة/بدائيون يعيشون في القارة الأخرى ولا يأتون لويستروس إلا فرادى يعملون خدمًا بلا اسم عائلة كبير ولا احترام يذكر. فيما عدا الـ Wildings أو ما يشابه الفايكنج في عالمنا الحقيقي، وهم قبائل من ذوي البشرة البيضاء، وبرابرة تاريخيًا فقط لأنهم تُركوا عمدًا وراء الجدار في أقصى شمال قارة ويستروس، أي بمعنى من المعاني، أقصوا خارج الزمن ومقومات الاجتماع. القارة التي هي عبارة عن سبع ممالك تعيش في استقرار أقره المنتصرون بعد حرب قديمة سنعرف تفاصيلها بالتدريج من استدعاءات أبطال القصة، ممالك تختلف في اللهجات والأعراق والبيئات، كلما نتجه فيها للشمال تصبح أكثر برودة في المناخ لكنها أكثر إنسانية وأكثر عراقة وبلهجة إنجليزية أقدم، بحكام عادلين وروابط عائلية قوية واحترام راسخ للعادات وللخدم، أمر مألوف أليس كذلك؟

أهلًا بك في العالم:

الأمر الأول الذي يضعك أمامه جيم أوف ثرونز هو أن هذا المسلسل سيكسر كل قواعدك، كل شيء ممكن لدرجة تظن فيها أنه بلا قواعد من الأساس. مستوى عالٍ جدًا من الفجاجة والوحشية في الحلقة الأولى، شخصيات قوية ومحورية تقتل طيلة القصة منهم أشخاص لم تكن لتظن أنه يمكن استمرار المسلسل نفسه بدونهم، لكنه -كالحياة- لا يتوقف عند أحد. لا يوجد نصر للخير بالضرورة لكن لا يمكن أيضًا قول إن الشر ينتصر في النهاية، بمرور الأحداث سيكسر لك المسلسل فكرة الخير والشر نفسها حين تظهر أبعاد جديدة لكل الشخصيات وكل الأحداث.

ترى الأشخاص الذين وُضعوا في جانب الخير يضطرون لتعلم قواعد اللعبة كي يتمكنوا من الاستمرار، ويضطرون للاختيار فيقومون -كما نقوم جميعًا- بخيارات ساذجة وأنانية أحيانًا. الأشخاص الذين قدّمهم المسلسل في البداية باعتبارهم الشر الواضح سيأتي وقت يتعاطف معهم المشاهد حين يعايش خلفية الأحداث، ويبدأ في محاكاتهم شعوريًا، وإيلاف قواعد المسلسل، التي لا تقر نفس القواعد الأخلاقية التي نعرفها، فلا تعد علاقة عاطفية بين أخٍ وأخته تواجه الرفض الذي وُوجهت به في الحلقة الأولى، ولا يعد التمسك الأعمى بالمبادئ يقابل بنفس التعاطف حين يتسبب في موت أفراده نفسهم. تعرف أن الشخصيات ثلاثية الأبعاد حين تعجز عن أخذ موقف صارم وأحادي تجاهها، فتجد نفسك تقبلها أو تكرهها بتحفظ، وتعرف أن الأحداث حيّة حين تؤيد طرف تكرهه في معركة أو تتعاطف مع الخصوم التاريخيين لأنهم أقل خطرًا وإلحاحًا من الخصوم الجدد، كأنما ينضج المشاهد مع القصة بمرور الزمن.

أولى القواعد: في لعبة العروش، إما أن تفوز وإما أن تموت. لا يوجد حل وسط.

يحطم المسلسل ما تعرفه من قواعد درامية، بعدها يجىء دوره في بناء قواعده الخاصة. فعدمية العمل هي نقيض فكرة الصراع ونقيض امتصاص المشاهد داخل القصة، وتعيد المسلسل لخانة النهايات الأخلاقية من أبواب الديستوبيا هذه المرة. سيعرفك على قواعده إذن، وأولى هذه القواعد هو أن خطأ واحد يكلف خسارة، والخسارة تعنى النفي الكامل لوجود الخصم، إما أن تفوز وإما أن تموت ولا يوجد حل وسط. بدون فرصة ثانية، كل من ندهته الندّاهة وانفصل ذهنيًا عن الصراع انتهى أمره.

سواءً كانت تلك النداهة* هي التعالي الأخلاقي المميز لعائلة ستارك حين رفضت المواءمات فقتل منها الأب والأم والابن الأكبر وتشرد الأبناء الثلاث. أو كانت هي جنون العظمة للملك «آريس تارغيريان» حين قرر أن يستمتع بحرق حلفائه فقُتل هو وكل بني جنسه وبالكاد استطاع ابناه الفرار من القارة، أو خسارة «اوبرين مارتيل» في قتاله للرجل المتهم بقتل أخته وأولادها لأن الرجل استطاع إثارة غضبه في اللحظات الأخيرة فشتته وسحق جمجمته بيديه. أو حتى كانت نداهة الحب مثلما نقض روب ستارك عهده بالزواج من ابنة لورد فراي فقُتل هو وكل من معه في مجزرة عرفت بالزفاف الأحمر.

القاعدة الثانية: كل الآلهة على حق!

رغم أن لكل مملكة إله، ولكل جماعة إله، وهنالك آلهة قديمة وآلهة حديثة وللفانتازيا بشكل عام نصيب كبير في القصة، إلا أن الدين ليس حاضرًا في الأحداث. لم يستخدمه أحد المتصارعين على الحكم كذريعة للاستحقاق، نرى تناغم طبيعي في تعدد الآلهة والكفر بها أحيانًا، ونجد أبطالًا ماديين وأبطالًا متدينين لا يهتمون بكفر الآخرين ولا بآلهتهم. لكل رب معجزاته في صراع العروش، والتضرع الأكثر تكرارًا في الأحداث هو للسبعة آلهة ببساطة في النهاية. استخدم الدين كأداة ممثلًا في السحر الأسود، أما الظهور الوحيد لجماعات دينية ذات نفوذ سياسي أشبه بكنيسة القرون الوسطى فكان في الموسم السادس عندما أرادت الملكة استخدامهم كأداة للانتقام لمدة، قبل أن تقوم بتفجيرهم جميعًا حين فلتوا من عقالهم، وأصبح لهم نفوذ وكيان مستقل يهددان سلطتها وأمنها.

على عكس الدين، العرق هو المعيار القاطع للولاء والثروة والسلطة. كل الحقوق، أو الحرمان منها، يأتي بالولادة والنسب. وما لا يؤخذ بالولادة يؤخذ بالحرب.

الثالثة، وحده الموت يدفع مقابل الحياة

لم يظهر الدين كما نعرفه في الأحداث، لكن استعار المؤلف فكرة الأضحية من الديانات الإبراهيمية. بقاعدة (الموت وحده يدفع مقابل الحياة)؛ لتنقذ حياة عليك التضحية بأخرى، لتفوز بمعركة عليك التضحية بأفراد من دمك الخاص. لا يمكن أن تظهر الحياة في مكان دون أن تختفي في مكان آخر، كأننا لا نستطيع خلق الحياة وإنما يمكننا تمريرها من كائن لآخر.

بهذه الطريقة أعيد إحياء التنانين الثلاث، اُنقذت آريا ستارك من تايون لانستر وعوقبت فيما بعد حين أخلت بالقاعدة، وقتل ستاتنيس ابنته حرقًا كي يربح معركة في وينترفيل.

رابعًا: نحّي صوابيتك السياسية على الباب

تنتهي الحلقة الأولى من المسلسل بمشهد جنسي بين أخ وأخته، يليه مشهد إلقاء طفل في العاشرة من عمره من برج عالي لأنه رآهم «يلعبون الغميضة» كما تعلق الصفحات العربية الساخرة على شائعات عرض المسلسل على قناة MBC4. قُتل لأجل المتعة وجنس جماعي في حفلة زفاف بربري يليها اغتصاب للعروس. نعم، في الحلقة الأولى.

باتساع القاعدة الجماهيرية للمسلسل وجّه للعمل وصانعيه عدة انتقادات فيما بعد تخص العنصرية والمواقف المعادية للمرأة. هناك عدة شواهد على ذلك بالطبع، منها أن الهرم الاجتماعي في صراع العروش يشبه في أغلبه نظيره في اليونان القديمة «الرجل ثم المرأة ثم الخدم والعبيد»، وربما لذلك ظهرت محاولات تقدمية في أجزاء من الموسم الموسم السابع بعد غياب جورج مارتن عن كتابة السيناريو. منها الحديث عن أن الجميع سواسية لأنهم يتنفسون، أن النساء صالحات للحكم وعليهن دعم بعضهن، وحتى تصميم معارك شرسة لا يموت فيها أبطال القصة.

المفاجأة أن هذه التغيرات نفسها واجهت انتقادات عنيفة لأنها أقرب لفيلم هوليوودي حديث منها لروح الرواية؛ النسخة الحقوقية الملتزمة من صراع العروش مليئة بالمؤثرات البصرية لكن فاقدة للمعنى.

معازف النار والثلج

يعرف متابعو المسلسل اسم مؤلف قصة وكتب صراع العروش، ويعرفون صانع كل هذا الكم الهائل والمتنوع من المقاطع الموسيقية. الموسيقى بجانب كونها فائقة الجودة والتعبير بفضل الموسيقي النصف إيراني / نصف ألماني Ramin Djawadi، فهي أيضًا فاعلة في المسلسل وتستطيع التحدث باسمه. لكل مقطع موسيقي اسم وقصة وخط خاص بكل عائلة من الممالك السبع وللأشخاص والأماكن المحورين، حيث تتغير الآلات الموسيقية وتتغير كثافتها وحتى تُستَحدث عدة نسخ من المقطع الرئيسي ليلائم المشهد بالضبط، كأن الموسيقى هي إحدى لغات ترجمة المسلسل.

موسيقى اللانسترز سواء منتصرة أو مهزومة، هي مارشال عسكري دائمًا. عاطفة بلا حدود تجاه العائلة، عداء جاهز للغرباء، وصراع دائم مهما كانت التكلفة؛ أشياء نفعلها لأجل الحب.

اللانسترز أسود، أغنياء، يملكون كل شيء حتى الأغاني. لا أحد يشاهد المسلسل لا يمكنه ألا يتنبأ مثلًا بمجزرة دموية من تدبير الانسترز حين يسمع ألحان The Rains of Castamere – «أمطار كاستمير». أغنية ثابتة الايقاع وبأقل عدد ممكن من الآلات، يغنيها رجل متثاقل بصوت ليس جميلًا تمامًا ولا يبدو أنه يأبه لإضفاء بعض من الحركة فيه، وتعرف مع الأحداث أن هذه الموسيقى هي في الأصل أغنية ألّفها العامة في المملكة في زمن بعيد -قبل أن تأتي كمشاهد- حين انتصر اللانسترز على التارغيريان وقتلوا كل مَن تبقى مِن نسلهم؛ الرجال، والنساء والأطفال في مدينة كاستمير، بما يتلاءم مع ذهول وصمت ما بعد المجزرة، فبعد المرة الأولى التي يعزف أحد فيها هذه الموسيقى تدرك أن هناك تاريخ متعارف عليه، وبالتالي يعلم الجميع كل ما حدث عداك!

خط موسيقى التارغيريانز، ويمكنني الادعاء أن مقطع رقصة التنانين – Dance of the dragons هو مقطعها الرئيسي، وتظهر مع خط دانيريس تارغيريان، الملكة المنفية الملقبة بـ «أم التنانين» وتحمل على أكتافها مظلومية إبادة عرقية ونفيها مع أخيها وحرمانهم من الأموال والحكم. وفي الوقت ذاته هي ابنة الملك المجنون الذي لم يستطع التعامل مع موت التنانين فحرق أصدقاءه وأراد حرق المدينة ليثبت أنه تنين بذاته، فكان قتله وإبعادهم هي الطريقة الوحيدة لتجنب هلاك جماعي. لدانيريس عدة هبات وحلم وحيد: حكم الممالك السبع مهما تكلف الأمر. لكنه أيضًا حلم محكوم بهاجس ألا تتحول نسخة من أبيها المجنون بعد اكتشافها فارق القوة المروع بامتلاكها للتنانين مرة أخرى، ستعلمها الأحداث أن صراع العروش لا يكافيء المرء على نواياه الطيبة، كلما علمتها مسبقًا أنه لا يكافئه على انفلات عقاله. هي ابنة هذا الميراث المعقد وخط موسيقاها يحمل ذات التعقيد: طبول عنيفة إعلانًا للملحمة ممزوجة بترانيم جماعية تشبه عبادات المدن التي قامت دانيريس بتحريرها، أوركيسترا تتغير حدة موجاتها وطولها وتعلو وتهبط بطريقة تعطي الايحاء بالطيران، الرهبة، الأمل، الألم، وأجنحة التنانين.

مقطع Goodbye brother المميز لمشاهد عائلة ستارك وما وراء الجدار، وهي العائلة ذات الرصيد الإنساني الأكبر في المسلسل وتقع أقصى شمال القارة، هم حماة الجدار العظيم وأصحاب المواقف الأخلاقية ونزعات الوفاء التاريخي فيتم جرهم كل مرة للحرب، تارة في الجنوب لحماية السلطة وتارة في أقصى الشمال لإنقاذ العالم. باستخدام الكمان والتشيلو، تميل المقاطع للموسيقى الايرلندية القديمة** وأدواتها كتأكيد على العراقة، بطيئة ومكثفة فتظهر كم المشاعر في مشاهد الرحيل والتلاقي المستمر بين أبناء العائلة، آلات النفخ والألحان غير الواضحة وغير الكاملة في الخلفية، مقاطع للجدار والكائنات القاتلة ورائه استخدم فيها أصوات من أواني زجاج كي تعطي الإيحاء بالثلج والخوف الناتج عن الفراغ. موسيقى تخرج من الغابة تسير على الجليد ويستقبلها من بعيد عواء الذئاب -رمز العائلة- هي بالتأكيد أفضل معبر عن مزيج الخذلان والوفاء.

ينتهي فصل الشتاء قبل بداية عرض الموسم الأخير من صراع العروش ليبدأ شتاء آخر، نأمل أن يكون بجودة ومعايير دراويشه ومتابعيه.

*النداهة هي أشهر أساطير الريف المصري، وتحكي عن امرأة جميلة وفاتنة تظهر في الظلام الحالك من الليل في الحقول أو عند المصارف المائية والترع لتقوم بالنده على أي أحد المارة وسحره، وفي اليوم التالي يجدونه جثة هامدة.

* *تعرف بموسيقى ال folks أو Celtic music نسبة إلى مستخدميها الأصليين. https://www.celtic-weddingrings.com/history-of-celtic-music

اعلان
 
 
إسراء فاروق الجزار