انتفاضة السودان تصل محطة الإطاحة بالبشير: كل ما تريد معرفته
 
 
من اعتصام المتظاهرين أمام مقر قيادة القوات المسلحة السودانية
 

أعلن وزير الدفاع السوداني، الفريق أول ركن عوض بن عوف، اﻹطاحة بالرئيس السوداني عمر البشير واعتقاله في «مكان آمن»، وتشكيل مجلس عسكري انتقالي يتولى إدارة شؤون البلاد لمدة عامين، وتعطيل العمل بالدستور، وذلك في بيان أذاعه التلفزيون السوداني قبل قليل.

لكن مصدر مصري مسؤول على اتصال بالسلطات السودانية قال لـ«مدى مصر» إنه لا يوجد إجماع داخل القوات المسلحة السودانية حول ما أُذيع في البيان، واصفًا إياه بأنه «يفتقد الترابط»، معتبرًا أن الوضع في السودان أصبح «مُقلقًا».

وأفاد مراسل «مدى مصر»، والموجود أمام مقر القوات المسلحة حيث اعتصم المتظاهرون، بأن عددًا منهم رفضوا البيان، معتبرين أن القوات المسلحة لم تستجب لمطالبهم بتسليم الحكم لسلطة مدنية.

وأعلنت قوى إعلان الحرية والتغيير، ومن بينها تجمع «المهنيين السودانيين»، أبرز قادة الحراك الذي تشهده السودان، رفضها ما جاء في بيان القوات المسلحة، معتبرين أن سلطات النظام قامت بانقلاب عسكري أعادت به «إنتاج ذات الوجوه والمؤسسات التي ثار شعبنا العظيم عليها». ودعت الشعب السوداني على مواصلة اعتصامه أمام مباني القيادة العامة للقوات المسلحة وفي بقية الأقاليم حتى تسليم السلطة لحكومة انتقالية مدنية.

وعد وزير الدفاع السوداني في البيان بتسليم السلطة بعد إجراء انتخابات في نهاية الفترة الانتقالية.

بيان القوات المسلحة أعلن إغلاق المجال الجوي لمدة 24 ساعة، وإعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر وفرض حظر التجول لمدة شهر من الساعة العاشرة مساءً وحتى الرابعة فجرًا، بينما تستمر مئات اﻵلاف من المتظاهرين في الاعتصام أمام مقر قيادة القوات المسلحة مطالبين بإسقاط نظام البشير، ويستمر توافد آلاف أخري.

خطوة اﻹطاحة بالبشير جاءت بعدما تصاعدت خلال اﻷسبوع الماضي حدة المظاهرات التي تشهدها البلاد منذ ديسمبر الماضي، حيث بدأ مئات اﻵلاف من السودانيين اعتصامًا أمام مقر قيادة القوات المسلحة في العاصمة الخرطوم مطالبين بإسقاط نظامه.

الساعات اﻷخيرة

جاء بيان القوات المسلحة السودانية بعد ساعات طويلة من اﻹعلان عن قرب إذاعته. وبحسب مصادر سودانية ومصرية، شهدت الساعات الماضية نقاشات تتعلق بطريقة اﻹعلان عن الخطوة، ومَن يتولى مسؤولية إدارة البلاد بعد اﻹطاحة بالبشير. وأرجأ وزير الدفاع في بيانه اﻹعلان عن تشكيل المجلس العسكري الانتقالي إلى بيان ثانٍ.

وأوضح مصدر عسكري سوداني أن مدرعات عسكرية أغلقت الطرق المؤدية إلى القصر الرئاسي، ومنعت خروج أو دخول أي شخص. كما اعتقلت قوات اﻷمن السودانية سبعة على اﻷقل من قيادات الحزب الحاكم والقوات المسلحة، بحسب مصدر مصري على معرفة بتطورات اﻷوضاع في السودان.

وقال المصدر المصري إن السودانيين استبعدوا مصر من المناقشات التي أجروها مع عدد من اللاعبين اﻹقليميين وعلى رأسهم قطر والمملكة العربية السعودية، على الرغم من استمرار وجود وفد من المخابرات المصرية هناك. وأضاف: «لا قطر أو السعودية راغبتين في استضافة البشير».

من اعتصام المتظاهرين أمام مقر قيادة القوات المسلحة السودانية — علاء خير

الموقف المصري

من جانبها، أصدرت الخارجية المصرية بيانًا قبل قليل أعربت فيه عن دعم مصر لخيارات الشعب السوداني، معبرة عن «ثقتها الكاملة في قدرة الشعب السوداني الشقيق وجيشه الوطني».

في بداية التظاهرات، انحازت مصر لـ«استقرار السودان»، و«في المفهوم المصري، الاستقرار هو الإبقاء على الرئيس السوداني عمر البشير».

هذا الموقف أعرب عنه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في لقائه مع نظيره الفرنسي، إيمانويل ماكرون، خلال اجتماعهما المشترك في القاهرة، في يناير الماضي، أن مصر تدعم البشير لخشيتها من أن اختفاءه «من دون أي ترتيبات تحضيرية سليمة، قد يجعل من السودان دولة أخرى تعمها الفوضى»، بحسب تصريحات مسؤول مصري على صلة بسياسة مصر الإقليمية لـ «مدى مصر». وأضاف المصدر أن «تركيبة السودان العرقية المعقدة والانقسامات القبلية والأعمال العدائية مع جنوب السودان هي أسباب تثير مزيدًا من القلق حال اختفاء البشير فجأة».

لكن، ومع تطورات اﻷوضاع، تغير الموقف المصري. بحسب مسؤول مصري مطلع على العلاقات المصرية السودانية تحدث إلى «مدى مصر» قبل أيام، اتفق السيسي مع الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بدولة الإمارات، على استمرار دعم البشير قدر المستطاع للبقاء أطول فترة ممكنة من المدة المتبقية من حكمه، ليتم بعد ذلك التوافق على انتقال سلس للسلطة، وذلك خلال لقاء بينهما في القاهرة أواخر مارس الماضي.

الطريق إلى سقوط البشير

في بداية ديسمبر الماضي، تقدّم أغلب نواب البرلمان السوداني بطلب لتعديل الدستور يجعل فترات الرئاسة مفتوحة بدلًا من تحديدها بفترتين متعاقبتين، وفي حال عُدّل الدستور كان البشير سيتمكن من الترشح مرة أخرى في 2020، وذلك بعد نهاية ولايته الثانية.

بدأت الاحتجاجات يوم الأربعاء 19 ديسمبر في ولاية «نهر النيل»، على بُعد 200 كيلومتر من العاصمة السودانية، لكنها سرعان ما انتشرت في مدن أخرى، من بينها مدينتيّ «بورسودان»، و«ودمدني»، وكذلك في ولاية الجزيرة، الواقعة في المنطقة الوسطى الشرقية في السودان.

أخذت الاحتجاجات منحنى تصاعدي في الأربعاء، 26 ديسمبر الماضي، مع محاولة آلاف المتظاهرين في العاصمة السودانية الخرطوم التوجه نحو القصر الرئاسي، وأطلقت قوات الأمن أعيرة نارية حيّة على المتظاهرين لمنعهم من الوصول إلى القصر، حسبما أخبرت مصادر طبية سودانية «مدى مصر» في وقت سابق.

تزامن ذلك مع اتهام البشير دول أجنبية بالتآمر ضد حكمه عن طريق استخدامه ما أسماه بـ«الخونة والمرتزقة»، واستغلال النقص في السلع لـ«تخريب السودان».

مع استمرار الاحتجاجات أعلنت نقابة الأطباء السودانيين إضرابًا مفتوحًا تضامنًا مع الاحتجاجات، كما أصدرت إدارة جامعة السودان بيانًا قالت فيه إنها تتضامن مع «مطالب الشعب السوداني»، داعية قوات الأمن إلى الكف عن استخدام «القوة المفرطة» ضد المتظاهرين. وتزامن ذلك مع إعلان وزير التعليم العالي، الصادق الهادي المهدي، إغلاق المدارس والجامعات السودانية.

مع دخول المظاهرات في السودان أسبوعها الثاني دعا «تجمع المهنيين السودانيين» يوم الجمعة، 28 ديسمبر، إلى إضراب عام في محاولة لإجبار البشير على التنحي، وذلك في الوقت التي استمرت قوات الأمن السودانية في إطلاق الذخيرة الحية على المشاركين في الاحتجاجات.

السبت 29 ديسمبر الماضي، ظهر ما يبدو أنه خلاف بين قوة عسكرية سودانية والحكومة حين انتقد قائد قوات الدعم السريع السودانية، اللواء محمد حميدتي حمدان، في خطاب وجهه إلى قواته في ولاية شمال دارفور، الحكومة لعجزها عن مواجهة الأوضاع الاقتصادية المتردية على نحو أفضل.

وفي نهاية ديسمبر الماضي كشفت قوى المعارضة عن تبنيها «إعلان الحرية والتغيير»، والذي ينصّ على تنحي النظام الحاكم دون شروط.

من اعتصام المتظاهرين أمام مقر قيادة القوات المسلحة السودانية — علاء خير

انضم أهالي إقليم دارفور في الأحد 13 يناير لأول مرة إلى المظاهرات وطالب المتظاهرون بالقصاص لضحايا الحرب في دارفور، وذلك مع تجدد المظاهرات في الخرطوم، ومدن ودمدني وسط البلاد، ودنقلا في الشمال، ومدينة بورتسودان في الشرق. وبعد يوم من مظاهرات إقليم دارفور خطب البشير في الآلاف من أنصاره بمدينة نيالا في دارفور قائلًا إن «التظاهرات لن تسقط حكومته»، مؤكدًا على أن الانتخابات المقبلة في 2020 ستكون حرة ونزيهة.

واعتقل جهاز الأمن والمخابرات السوداني في الإثنين 14 يناير نحو 20 صحفيًا كانوا يعتزمون تنفيذ وقفة احتجاجية أمام مقر إدارة الإعلام بجهاز الأمن والمخابرات الوطني احتجاجًا على المنع المتكرر لصحيفة (الجريدة)، ومُنعت «الجريدة» من الصدور 15 مرة منذ اندلاع الاحتجاجات في 19 ديسمبر حتى 13 يناير الماضي.

في 17 يناير الماضي، نظم نحو 10 آلاف متظاهر في ضاحية بري بالخرطوم إضرابًا مفتوحًا حتى الساعات الأولى من فجر 18 يناير احتجاجًا على مقتل طفل وطبيب كان يعمل في إسعاف المتظاهرين، برصاص القوات الأمنية في الخرطوم، في الوقت الذي صعدت فيه قوات الأمن إجراءات القمع وصولًا لمستوى مداهمة المنازل بحثًا عن المتظاهرين الفارين إضافة لشن حملة اعتقالات واسعة لناشطين يقدرون بالعشرات، حسبما قال شهود عيان لـ «مدى مصر» في وقت سابق.

وبحسب لجنة أطباء السودان المركزية شهدت احتجاجات الخميس 17 يناير دخول قوات من الشرطة لأحد المستشفيات الخاصة بالخرطوم مغ إطلاق الغاز المسيل للدموع داخل قسم الطوارئ.

وانتقدت مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة طريقة تعامل السلطات في السودان مع الاحتجاجات المستمرة على ارتفاع الأسعار وتردي ظروف المعيشة.

مع تواصل احتجاجات المتظاهرين، ألقى البشير يوم الجمعة 22 فبراير خطابًا أعلن خلاله حالة الطوارئ لمدة عام، وحل حكومته، فضلًا عن تعيين عسكريين حكامًا على الولايات. وفي اليوم التالي، 23 فبراير، عين البشير وزير الدفاع نائبًا له. إلا أن خطاب البشير قُوبل بخروج أكثر من 50 مظاهرة رافضة له في العاصمة ومختلف المدن السودانية، ولم تكن المعارضة هي جهة الاعتراض الوحيدة على الخطاب، بل رفضه منتمون للقوى الداخلية في السلطة السودانية.

لبى السودانيون يوم الثلاثاء 5 مارس الماضي دعوة أطلقتها قُوى المعارضة وعلى رأسها تجمع «المهنيين السودانيين» فيما عُرف بـ «إضراب المهن»، وقالت المتحدثة باسم «تجمع المهنيين» -الذي يقود الاحتجاجات- سارة عبد الجليل إن «الإضراب المُعلن شارك فيه الآلاف من مختلف القطاعات المهنية» مؤكدة مشاركة أكثر من «30 قطاعًا حيويًا كالأطباء، والصيادلة، والمحامين وغيرهم»، وجاء الإضراب كخطوة في طريق المقاومة السلمية بالسودان».

موجز حكم البشير

التحق البشير بالجيش السوداني عام 1960، وأنهى دراسته في الكلية الحربية بالسودان في 1966. عمل ملحقًا عسكريًا في البعثة الدبلوماسية السودانية في اﻹمارات بين عامي 1975-1979.

في يونيو 1989، قاد البشير انقلابًا عسكريًا -دعمه اﻹسلاميون- ضد حكومة مدنية منتخبة يرأسها الصادق المهدي، وقام بحل اﻷحزاب السياسية، وأعلن تطبيق الشريعة اﻹسلامية. وفي 1993، أعلن عن حل المجلس العسكري الذي قاده إلى السلطة، ونصب نفسه رئيسًا مدنيًا للبلاد. وفي عام 1999، أطاح البشير بحليفه السياسي حسن الترابي، والذي كان رئيسًا للتجمع الوطني -البرلمان- وقتها.

وفي 2003، اندلعت المعارك بين القوات التابعة للحكومة وبين حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة في 2013. وبحسب اﻷمم المتحدة، تسببت المعارك في مقتل حوالي 300 ألف شخص، ونزوح حوالي 2.7 مليون شخص. وفي المقابل، قدر البشير عدد القتلى بعشرة آلاف فقط.

اتهمت المحكمة الجنائية الدولية البشير في 2008 بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد اﻹنسانية وإبادة جماعية في دارفور. وأصدرت المحكمة في 2009 مذكرة اعتقال دولية بحقه.

اعلان