هجوم حفتر على طرابلس يطيح بطاولة المفاوضات ويغير خريطة القوى في ليبيا
 
 
الصورة من صفحة "قوة حماية طرابلس" على فيسبوك
 

شهدت الساحة الليبية تطورات ميدانية كبيرة خلال اﻷيام القليلة الماضية، حيث اقتربت قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر من العاصمة الليبية طرابلس، والخاضعة لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السرّاج.

وتسببت الاشتباكات بين الجانبين في مقتل 32 ليبيًا على الأقل، بينهم مدنيين، وإصابة 50 آخرين مع دخول الاشتباكات المسلحة في طرابلس يومها السادس، حسبما أعلنت وزارة الصحة التابعة لحكومة الوفاق الوطني ومقرها طرابلس. بالإضافة إلى نزوح نحو 3000 شخص، وفقاً لمنسقة الشؤون الإنسانية التابعة لبعثة الأمم المتحدة في ليبيا.

اندلعت الاشتباكات الخميس الماضي مع إعلان قائد «الجيش الوطني الليبي» خليفة حفتر، التابع لمجلس النواب المنتخب المنعقد في شرق ليبيا، انطلاق عملية عسكرية للسيطرة على طرابلس. التحرك الذي اعتبره رئيس حكومة الوفاق الوطني في طرابلس غربي ليبيا، والمُعترف بها من قبل الأمم المتحدة، فائز السرّاج «انقلابًا عسكريًا على الاتفاق السياسي»، وقال إنه سيسخر كل إمكانيته لصد هذا التقدم عسكريًا.

وغادر طرابلس صباح أمس، الإثنين، عدد من أعضاء بعثة الأمم المتحدة في ليبيا متجهين إلى تونس، وفقاً لما أفاد شهود عيان في معبر رأس جدير الحدودي الرابط بين ليبيا وتونس، لـ «مدى مصر»، وهو ما أكدته وكالة «رويترز» في تقرير لها اليوم، الثلاثاء، نقلًا عن متحدث باسم الأمم المتحدة.

فيديو | كلمة السراج حول عملية حفتر العسكرية

تحرك حفتر للسيطرة على طرابلس هو ذروة تأزّم المشهد الليبي والمعركة التي أعربت الأطراف الدولية عن رغبتها في تجنبها منذ توقيع الاتفاق السياسي في مدينة الصخيرات المغربية في ديسمبر 2015.

وتنذر المعركة بانزلاق ليبيا إلى دوّامة عنف جديدة تهدد المشهد الهشّ أصلًا وتضع مفاوضات مرتقبة، أعلنت الأمم المتحدة منذ أسابيع عن انعقادها بين الأطراف الليبية، على المحك، مع دخول الأطراف التي غالبًا ما تفشل في التوصل لاتفاقات مع اندلاع جولة دموية جديدة.

مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، غسان سلامة، أعرب في بيان، الثلاثاء، عن تمسكه بالذهاب في أقرب فرصة لتسوية توحد المؤسسات السياسية والاقتصادية الليبية، غير أنه أوضح أن ذلك لا يمكن أن يحدث و«المدافع تُضرَب والغارات تُشَنّ».

وقال سلامة إنه سيعمل بكل ما أوتي من قوة على عقد الملتقى الوطني الليبي وبأسرع وقت ممكن، دون إقصاء أحد أو استثناء أحد، في اليوم الذي تتأكد فيه مجددًا شروط نجاحه.

وتشتبك قوات المشير خليفة حفتر مع «تحالف قوى حماية طرابلس» بالإضافة إلى مجموعات مسلحة تتبع مدينتي مصراتة والزنتان، المتحالفتين حديثًا بعد عداء تاريخي، وهما رأس حربة القوة العسكرية في غرب ليبيا.

انطلاق معركة حفتر في طرابلس جاء بعد أسابيع قليلة من لقاء جمعه بالسرّاج في الإمارات أعلنا فيه اتفاقًا غير مكتوب على إجراء الانتخابات بالبلاد قبل نهاية العام الجاري وتوحيد مؤسسات الدولة.

وقبل نحو أسبوع من إعلان حفتر تحرك قواته نحو طرابلس أجرى زيارة إلى العاصمة السعودية الرياض، قابل خلالها الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده محمد بن سلمان، بالإضافة إلى رئيس الاستخبارات ووزير الدفاع السعوديين.

وتجري العملية العسكرية بالتنسيق بين حفتر وبعض التشكيلات المسلحة في غرب البلاد، التي توفر ممرًا لعبور قوات حفتر القادمة من الشرق. وتمركزت تلك الميليشيات في قاعدة الجفرة الجوية بوسط ليبيا، والواقعة تحت سيطرة قوات حفتر، قبل انتشارها في مدن غريان وترهونة، بحسب ما أوضح مسؤول في الجيش الليبي التابع لحكومة الوفاق الوطني لـ «مدى مصر»، عبر ممرين رئيسيين يمتدان من الجفرة إلى كل من غريان وترهونة، لتجنب الصدام مع قوات مصراتة، الفاعل الأقوى في عملية البنيان المرصوص التابعة لحكومة الوفاق، والتي انتصرت على ما يُعرف بتنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في معقله بمدينة سرت عام 2016.

خريطة تفاعلية لمسارات التحالفات غرب ليبيا مع قوات حفتر

ولجأت الأطراف المشتبكة إلى سلاح الجو في تصعيد عسكري لم تشهده ليبيا منذ عام 2011، بعد أن تمكن حفتر من الاستيلاء على قاعدة عقبة بن نافع العسكرية (والمعروفة محلياً باسم قاعدة الوطية)، بعد معركةٍ مع قوات الزنتان، واستخدامها في قصف مطار معيتيقة، أمس الاثنين، المطار الدولي الوحيد الذي يخدم العاصمة طرابلس والذي يعمل أيضًا كقاعدة عسكرية، ما أدى إلى إغلاق المطار وتعليق العمل به لعدة ساعات، تاركًا قاعدة مصراتة الجوية كخيارٍ وحيد للقوات التابعة لحكومة الوفاق.

خريطة توضح مكان قاعدة معيتيقة الجوية وقاعدة مصراتة وقاعدة الوطية

وتصاعدت الاشتباكات اليوم، الثلاثاء، مع قصف طائرات موالية لحكومة الوفاق الوطني لمعسكر سوق الخميس التابع لقوات حفتر، في جنوب طرابلس، بعد أن قصفت الأخيرة تمركزات تابعة لحكومة الوفاق في محيط مطار طرابلس الدولي، المتوقف عن العمل.

ولكن على الأرض، منيت قوات حفتر بخسائر بعد أن سلّم العشرات من مقاتليها أنفسهم إلى مجموعات مسلحة موالية لحكومة السرّاج بعد خسارتهم في معركة كوبري الـ27 غربي طرابلس.

مقطع فيديو يظهر اعتقال عدد كبير من المقاتلين التابعين لحفتر في غرب ليبيا

معركة طرابلس سبقها معارك في جنوب ليبيا، استهدفت بها قوات حفتر «تطهير المنطقة من الجماعات الإرهابية والمسلحة»، حسبما قال المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي في يناير الماضي. ولأسابيع شهد الجنوب الليبي اشتباكات عنيفة بين قوات حفتر من جهة، وقوات تابعة لحكومة الوفاق، بالإضافة إلى بعض المجموعات المسلحة التشادية وعناصر من تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» من جهة أخرى.

وتركزت المعارك في مناطق حقول النفط في جنوب ليبيا ومناطق غدوة وأوباري، وبالقرب من الحدود التشادية.

وتضمنت تحركات قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر في الجنوب انتشار تشكيلات في مدينة بني وليد، الواقعة في الجنوب بين مصراتة وطرابلس، بهدف الوصول إلى مناطق أشار إليها المكتب الإعلامي لقوات حفتر بـ «المكان المعلوم» في غرب ليبيا. وكان أحد عناصر القوة المتوجهة إلى بني وليد، تحفظ على ذكر اسمه، قال إن التحرك هدفه الاتجاه نحو مدن الغرب دون أن تحدد لهم قياداتهم أثناء التحرك الوجهة النهائية، وكان التحرك يتم من خلال الاحداثيات المعلومة للنقطة المقبلة فقط.

في المقابل تقدمت حكومة فائز السراج بطلب لم يلقَ تجاوبًا، في فبراير، إلى مجلس الأمن الدولي للعمل على وقف توغل قوات حفتر في جنوب البلاد. بينما قال مصدر سياسي مقرب من السراج لـ «مدى مصر»  إن حكومة الوفاق تعمل على تفادي الصدام بين قوات مصراتة وقوات حفتر، خاصة أنه جرى الاتفاق في فبراير الماضي بالإمارات على إشراك قوات تابعة لحفتر في تأمين العاصمة طرابلس وفقاً لتفاهمات الجانبين.

محاولات السراج لوقف توسع حفتر لم تدم طويلًا قبل أن يركز خطابه على الدعوة إلى السلام والمصالحة والوفاق و«تجنيب ليبيا الحرب الأهلية»، إذ أن «خيارات اليوم قد لا تكون متاحة في الغد» كما جاء في الخطاب السائد  بين رجلي ليبيا القويين حتى لقائهما في الإمارات.

معركة حفتر في طرابلس انطلقت قبل أيام من مؤتمر أعلنت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا قبل أشهر عن انعقاده في مدينة غدامس الليبية، لجمع الأطراف المحلية للتوصل إلى اتفاق ينهي الانقسام ويتضمن موعدًا لإجراء الانتخابات قبل نهاية العام.

الخبير في الشؤون الليبية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، زياد عقل، يرى أن هدف حفتر من العملية لم يكن دخول طرابلس، بل كسب ثقل يضمن له مكاسب أكبر في المفاوضات.

ويقول عقل لـ «مدى مصر» إن النتيجة المحتملة للمعركة الحالية هي أن يصبح الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر أكبر قوة عسكرية قادرة على تحقيق أهداف في ليبيا، ولكن لا يعني ذلك أنها قادرة على إنهاء الصراع، «نحن بعيدون جدًا عن ذلك».

ويشكك عقل في إمكانية توصل مؤتمر غدامس لنهاية للصراع في ليبيا، لأن هناك فجوة كبيرة بين المجتمع الدولي والداخل الليبي بسبب سياسة «الأعلى إلى أسفل» -المقصود وضع الحل للأزمة الليبية عن طريق جهات دولية وليس من الداخل الليبي-. ولكنه يتوقع أن تظهر في المؤتمر تجليات تغير موازين القوى في ليبيا، إذ تطفو معطيات جديدة على المستوى السياسي وعلى الأرض، وهذا مكسب لحفتر، بحسب عقل.

كانت الأطراف الليبية المتحاربة وقعت في ديسمبر 2015 على اتفاق سياسي، بدعم من الأمم المتحدة، اعترف بمجلس النواب المنعقد في شرق البلاد كهيئة تشريعية،كما تشكلت بموجبه حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السرّاج، إلا أن حكومة الوفاق فشلت في الحصول على ثقة البرلمان، الأمر الذي أدى إلى انقسام بين السلطتين المنعقدتين في طرفي ليبيا، وجعل معركة طرابلس خطرًا يلوح باستمرار.

اعلان
 
إبراهيم بلقاسم 
لبنى منيب