«المراقبة» بعد السجن.. احتجاز «نصف حياة» في قسم شرطة
 
 

أحمد ماهر لديه فقط نصف حياة. يبدأ يومه في السادسة صباحًا، مع فتح أبواب الحجز في قسم شرطة القطامية. من هناك ينطلق للحاق بما يمكنه اللحاق به؛ العمل، الدراسة، العائلة، اﻷصدقاء. كل شيء بسرعة ﻷن يومه ينتهي في السادسة مساءً.

يعيش ماهر نصف يوم أو نصف حياة نتيجة خضوعه للمراقبة الشرطية لمدة ثلاث سنوات بموجب الحكم الصادر ضده بالسجن ثلاث سنوات بعد إدانته بتهمة التظاهر دون ترخيص. قضى ماهر عقوبة السجن وتم اﻹفراج عنه في يناير 2017 ومنذ ذلك الحين يخضع للمراقبة.

تمثل الحياة تحديًا إذا كان اليوم مضغوطًا في نصف يوم، لكنها تصبح مستحيلة في بعض المناسبات. أحد هذه المناسبات الخاصة كانت بسبب امتحان يجب عليه أداؤه في اﻹسكندرية في شهر يناير الماضي.

خرج ماهر في هذا اليوم من قسم الشرطة إلى محطة قطار رمسيس، واستقل قطارًا إلى اﻹسكندرية. وصل إلى هناك بحلول الظهيرة، وانتهى من أداء الامتحان. انطلق سريعًا إلى محطة القطار مرة أخرى للتوجه إلى القاهرة. وصل إلى محطة رمسيس قبل موعد تواجده في القسم بنصف ساعة فقط.

ملأه هذا بالرعب. أمامه نصف ساعة فقط كي يصل إلى قسم شرطة القطامية بالقاهرة الجديدة حيث ينتهي يومه. زحام القاهرة لن يسمح له بالوصول في موعده، ونظام المراقبة الشرطية لن يسمح له بالتأخير. طلب سكوتر من أوبر، والذي انطلق به لمراوغة الزحام. كان قريبًا من التأخر عن موعده لكنه تمكن من الوصول قبل أن يتفاقم اﻷمر.

إلى جانب عائلته، يحاول إعادة وصل ما انقطع في حياته المهنية في العمل والدراسة. يعمل ماهر مهندسًا مدنيًا، وهي وظيفة تستهلك وقتًا كبيرًا وترتبط بمسؤوليات لا يمكن تأجيلها. يقول إنه كان من المفترض أن يقوم بتسليم أحد اﻹنشاءات التي يُشرف على بنائها للمكتب الاستشاري، لكنه اضطر أن يغادر كي يلحق بموعد القسم.

في مناسبة أخرى، كان من المفترض أن يقابل ماهر أحد المقاولين الذين يعمل معهم لتسليمه أموالًا مستحقة له ولسائر العمال. كان هذا قبل يومين من أحد اﻷعياد، لكنه اضطر للذهاب إلى القسم ﻷن التأخير ليس خيارًا. كان هذا هو يوم العمل اﻷخير قبل العيد، وهو ما يعني ضرورة دفع رواتب العمال قبل مغادرتهم للسفر واللحاق بعائلاتهم. طلب ماهر من المقاول أن يحضر إلى قسم الشرطة كي يدفع له من هناك. لم تكن هذه فكرة سديدة ﻷن ضباطًا بالقسم أهانوا المقاول على تجرؤه للحضور للقاء ماهر هناك. لم يتمكن المقاول من دفع الرواتب واضطر العمال للسفر إلى عائلاتهم في العيد دون أموال، بحسب ماهر. اضطر إلى تغيير عمله عدة مرات منذ إطلاق سراحه. نصف الحياة التي يتمتع بها لا تسمح له بالعمل بشكل منتظم.

يحاول ماهر أيضًا دراسة العلوم السياسية. الدراسة في هذا المجال كانت حلمًا قديمًا لدى ماهر فكر في تحقيقه بعد الانتهاء من أداء عقوبته. فكر في التقدم لدراسة دبلومة بجامعة القاهرة، لكنها تتطلب أن تكون العلوم السياسية مجال الدراسة الجامعية للمتقدمين. لهذا اضطر إلى الالتحاق ببرنامج دبلومة مماثلة تقدمها جامعة اﻹسكندرية. لم يكن هذا خيارًا سهلًا ﻷنه سيضيف إلى أعباء نصف حياته عبء السفر إلى اﻹسكندرية.

لم يتمكن ماهر من حضور أي محاضرات. يكتفي بالحصول على تسجيلات المحاضرات عن بعد من زملائه، والدراسة خلال ما يتيسر له في نصف حياته. حاول عدة مرات أن يستثمر نصفه اﻵخر في قسم القطامية في الدراسة والاستعداد للامتحانات، لكن هذا كان صعبًا للغاية.

مثل ماهر، أنهى كثيرون فترة سجنهم في قضايا سياسية، وخرجوا إلى سجن آخر اسمه المراقبة الشرطية. أُفرج عن المصور الصحفي محمود أبو زيد (شوكان) 4 مارس الماضي بعد خمس سنوات ليبدأ على الفور في المبيت في قسم شرطة الهرم تستمر لمدة خمس سنوات أخرى. وأُفرج عن الناشط السياسي والتقني علاء عبد الفتاح بعد سجنه خمس سنوات أيضًا، ليعيش نصف حياته في قسم شرطة الدقي لمدة خمس أخرى.

لكن العقوبة ليست سياسية فقط. في جميع أقسام الشرطة، هناك اﻵلاف من المساجين المؤقتين يقضون نصف يومهم في حوزة الشرطة في ظروف سيئة، ودون مبررات قانونية، بحسب محامين وباحثين. بالنسبة إلى علاء عبد الفتاح، فإن حالة السجن أفضل. السجن هدوء يستسلم فيه المسجون إلى عقوبته وينتظر انتهائها. لكن المراقبة اضطراب يومي لا يسمح بأي هدوء.

الموقف القانوني

في أعقاب ثورة يناير 2011، وخلال الفترة الانتقالية التي تولى فيها مقاليد الحكم، أصدر المجلس العسكري عددًا من القوانين من بينها قانون «البلطجة»، الذي نص على المراقبة الحتمية لكل من يُدان بمخالفة أحكامه، وهو القانون الذي اعتبرت دراسة نشرتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية اليوم، الثلاثاء، أن صياغته غير واضحة وغامضة ومطاطة.

بحسب دراسة المبادرة، تنقسم المراقبة إلى خمسة أنواع:

* المراقبة الخاصة: وهي صدور حكم قضائي بالمراقبة كعقوبة أصلية، والقانون المصري لا يُطبق المراقبة كعقوبة أصلية إلا في جريمة التشرد.

* المراقبة التكميلية: في حالة صدور حكم قضائي بالوضع تحت مراقبة الشرطة كعقوبة تكميلية لعقوبة أصلية مقضي بها.

والمراقبة التكميلية إما وجوبية؛ يُلزم القانون توقيعها في حالة الترويع والتخويف والمساس بالطمأنينة (البلطجة)، أو جوازية يترك القانون فيها للقاضي تقدير توقيعها، وتكون في جرائم مختلفة من بينها قتل بعض أنواع الحيوانات عمدًا، أو إتلاف الزراعات والأشجار.

* المراقبة التبعية: تطبق في حالة صدور حكم قضائي بالإدانة في جرائم أو بعقوبات معينة حددها المشرع دون حاجة إلى ذكر عقوبة الوضع تحت المراقبة صراحة في منطوق الحكم، مثل الحكم بعقوبة السجن المؤبد لجريمة القتل العمد.

* المراقبة البديلة: هي في حالة صدور قرار بالإفراج المبكر عن محكوم عليه (تحت شرط)، وهي تعني الإفراج المبكر عن محكوم عليه مع قضاء باقي عقوبته في فترة مراقبة.

* مراقبة ما بعد العفو الرئاسي: في حالة صدور قرار من رئيس الجمهورية بالعفو عن محكوم عليه بالسجن المؤبد أو بُدلت عقوبته، ويوضع تحت مراقبة الشرطة لمدة خمسة سنوات، وذلك ما لم ينص قرار العفو على خلاف ذلك.

عقوبة المراقبة تخضع لتنظيم القانون 99 لسنة 1945. بحسب المادة 2 من القانون، يجب على من يوضع تحت مراقبة البوليس أن يعين لمكتب البوليس الجهة التي يريد اتخاذها محلاً لإقامته مدة المراقبة. كما يجب عليه «أن يكون في سكنه أو في المكان المعين لمأواه عند غروب الشمس وألا يبرحه قبل شروقها»، بحسب المادة 7.

يشير حسن اﻷزهري، المحامي والباحث القانوني في مؤسسة حرية الفكر والتعبير، إلى أن فلسفة المراقبة الشرطية تعود إلى شعور لدى المشرع بأن عقوبة الحبس قد لا تكون كافية لردع المجرمين، وبالتالي فإن المراقبة الشرطية تمثل طريقة لحماية المجتمع منهم.

يتضح هذا مثلًا في بعض القواعد التي حددها القانون الذي صدر منذ ما يقرب من 75 عامًا، كما يلاحظ اﻷزهري. على سبيل المثال، يمنح القانون وزير الداخلية الحق في نقل كل مراقب من الجهة التي يقيم فيها إلى جهة أخرى كي يمضي بها مدة المراقبة الباقية إذا تبين أن بقائه في الجهة اﻷولى خطر على اﻷمن. وكذلك لا يجوز اختيار عزبة كمحل ﻹقامة المراقب، وذلك ﻷن العزبة ليس مكانًا يسهل الوصول إليه وبالتالي لا يخضع المراقب فيها لسيطرة الشرطة المباشرة.

لكن التطبيق العملي للمراقبة ينطوي على انتهاكات مختلفة، أهمها قضاء الليل في مراكز وأقسام الشرطة. تعتبر دراسة المبادرة أنه لا يحق لوزارة الداخلية أن تلزم الشخص في المبيت في قسم الشرطة، وعليها -إن أصرت على ذلك- أن توضح الأسباب التي تجعل من المراقبة مستحيلة أو صعبة في هذا السكن، فإن لم تفعل فيكون تصرفها مخالفًا للقانون.

«ولذا فإن أي مراقب لديه سكن في منطقة المراقبة يمكن الوصول إليه لا يجوز تحت أي ظرف إلزامه بالمبيت في قسم الشرطة، والقيام بذلك أمر يخالف قانون المراقبة وبالتالي يعتبر مخالفة لقواعد وشروط تقييد حرية الفرد المنصوص عليها في المواد السابق الإشارة إليها»، حسب الدراسة.

وتشير الدراسة إلى تعامل الداخلية وكأن لها السلطة المطلقة في تحديد مكان قضاء الليل دون التزامها بأي قواعد، فتقوم غالبًا بتحديد طرقات مراكز وأقسام الشرطة سكنًا ليليًا لمعظم الخاضعين للمراقبة، بغض النظر إذا كان لديهم سكن أم لا، ونادرًا ما يتم تحديد سكن المراقَب كمكان لقضاء الليل.

واعتبرت ورقة قانونية نشرتها المجموعة المتحدة للقانون، الأربعاء الماضي، أنه «لا يجوز إيداع أو احتجاز المراقَب داخل أقسام الشرطة في الفترة المخصصة للمراقبة التي نص عليها القانون، إن لم يكن له محل سكن يأوى إليه في دائرة القسم».

لا يواجه المراقَب شبح قضاء نصف يومه في قسم الشرطة فقط. تصل الانتهاكات ضد المراقَبين إلى حد إجبارهم على العمل قسريًا، طبقًا للدستور، والذي نصت المادة 62 منه على عدم جواز «إلزام أي مواطن بالعمل جبرًا إلا بمقتضى قانون ولأداء خدمة عامة لمدة محددة وبمقابل عادل ودون إخلال بالحقوق الأساسية للمكلفين بالعمل».

يشير علاء عبد الفتاح لـ«مدى مصر» إلى وجود ممارسة شائعة يُجبر فيها الخاضعون للمراقبة بمسح طرقات الأقسام أو حماماتها أو غسيل الأطباق، وهي ممارسة يلاحظها خلال فترة مراقبته اليومية.

لكن قدرة الخاضعين للمراقبة على مواجهة هذه الممارسات محدودة بسبب التهديد المستمر باحتمالية إعادتهم إلى السجن مرة أخرى لمدة عام في حالة مخالفة أحكام قوانين المراقبة.

تعرض أحمد ماهر لهذا التهديد بعد تأخره 20 دقيقة عن موعد مراقبته في 2017 بسبب ظروف مرض والدته وقتها. حرر ضابط الشرطة في قسم القطامية محضر تأخير لماهر، وحُبس لمدة يومين، قبل إحالته إلى محكمة جنح التدابير المنعقدة بمحكمة اﻷميرية، والتي قضت ببراءته في أكتوبر 2017.

المبادرة أوصت في دراستها بالتوقف عن إلزام المراقَب بقضاء الليل في أقسام ومراكز الشرطة جعل عقوبة المراقبة في جميع الجرائم تخييرية للمحكمة وليست إلزامية، وللمحكمة أن تقدِّر مدى ملاءمتها لكل متهم وظروف ارتكاب كل جريمة ومدى احتمال عودته إلى الجريمة مجددًا – التوسع في إعفاء من يَثبُت حُسن سلوكه مِن نصف مدة المراقب.

اعلان
 
 
محمد أشرف أبو عميرة 
محمد حمامة