أولويات الحكومة تخفيض عجز الموازنة وليس الفقر.. هكذا تخبرنا وثائق صندوق النقد
 
 

يقول صندوق النقد الدولي في وثيقة المراجعة الرابعة لاتفاقه مع مصر إن «تقوية الحماية الاجتماعية هي أولوية الحكومة منذ بدء برنامج الإصلاح»، مثنيًا على التوسع التدريجي في تطبيق برامج للحماية الاجتماعية تتمتع بقدرة أفضل على الوصول لمستحقيها، على حد وصفه، بينما توضح المؤشرات المستندة إلى بيانات الصندوق والبيانات الحكومية إلى أن ما يسمى بالحماية اﻻجتماعية لم تكن أبدًا أولوية الحكومة، بل ظل خفض عجز الموازنة هو هدفها الأهم.

وأفرج الصندوق، السبت الماضي، عن وثيقة تقرير المراجعة الرابعة لأداء الاقتصاد المصري، المرتبطة باتفاقية قرض قيمته 12 مليار دولار مشروط بتنفيذ برنامج للإصلاح الاقتصادي، بالرغم من إعلان الصندوق رسميًا عن إتمام تلك المراجعة في فبراير الماضي.

وتقول الحكومة في البيان التمهيدي لموازنة عام  2019/2020 إن موازنة العام الجديد تركز على «رفع كفاءة برامج دعم السلع الغذائية، والتوسع في برامج الدعم النقدي من خلال البرامج الموجهة للفئات الأولى بالرعاية، وتشمل برنامجي تكافل وكرامة، وبرامج الرعاية الصحية لغير القادرين، وبرامج القضاء على الفيروسات وإنهاء قوائم الانتظار للحالات الحرجة والعمليات الجراحية، بالإضافة ٕالى نظام التأمين الصحي الشامل، وتطوير المستشفيات القائمة والعمل على رفع جودة الخدمات المقدمة، وكذلك برامج التغذية المدرسية، ودعم المرأة المعيلة واشتراكات الطلبة على خطوط السكك الحديدية والمترو»، وهي كلها عناصر يشملها باب «الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية».

المصدر: بيانات صندوق النقد الدولي

لكن من ناحية أخرى، فإن تطور الإنفاق على عناصر باب «الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية» كنسبة للناتج المحلي خلال عدة سنوات، تخللها توقيع الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، يشير إلى انخفاض إجمالي باب الدعم كنسبة للناتج المحلي، وأن الانخفاض الكبير في دعم الطاقة -شاملًا دعم المحروقات ودعم الكهرباء- والذي يُنظر له من قبل الصندوق كدعم «معمم»، يصل إلى غير مستحقيه، لم يصاحبه في المقابل ارتفاع في دعم السلع التموينية كنسبة للناتج المحلي، بالرغم من أن دعم السلع التموينية يُعد دعمًا موجهًا يفترض ألا يتسرب إلى غير مستحقيه، كما يظهر من الشكل التالي، المعتمد على بيانات وثيقة تقرير المراجعة الرابعة.

كما يتضح من الشكل السابق ارتفاع  عنصر «أخرى» كنسبة للناتج المحلي، والذي يشمل عددًا كبيرًا من عناصر الدعم من ضمنها الدعم النقدي -وهو معاش «الضمان الاجتماعي» و«تكافل» و«كرامة»- كما يضم كذلك الدعم الموجه للمُصدرين الذي لا يمثل جزءًا من الحماية الاجتماعية للفقراء. ومع ذلك يعد ارتفاع هذا العنصر أمرًا عارضًا هذا العام، ولا يمثل توجهًا ثابتًا، خاصة وأن السنوات الماضية شهدت انخفاضه كنسبة للناتج المحلي.

تكافل وكرامة برنامجان للتحويلات النقدية المشروطة أطلقتهما وزارة التضامن الاجتماعي تحت مظلة تطوير شبكات الأمان الاجتماعي للمرة الأولى عام 2014/2015 بالتزامن مع أول خفض في مخصصات دعم الطاقة، وهو ما أدى إلى اعتبار البرنامجين أداة لتخفيف أعباء «الضبط المالي».

ومن جهة أخرى، استند الصندوق أيضًا، في وثيقة المراجعة الرابعة، في ثنائه على اهتمام الحكومة بالحماية الاجتماعية إلى سياسة «الخصم الضريبي» التي أطلقتها الحكومة.

والخصم الضريبي هو آلية لتخفيف أعباء ضرائب الدخل على أصحاب الدخول الأقل، عبر تطبيق معادلة حسابية تتيح لأصحاب الدخول الأقل التمتع بخصومات أكبر على الضرائب المطلوبة منهم.

لكن واقع الأمر يشير إلى ضعف تأثير سياسة الخصم الضريبي تلك. هذا الاستنتاج يستند إلى تتبع نمو  الإيرادات المتحققة من الضرائب على «التوظف» أي الضرائب على الأجور -والتي تمثل أحد مصادر ضرائب الدخل، كما تمثل أهم قطاع يتمتع بمميزات الخصم الضريبي، وفقا لبيان صادر عن مصلحة الضرائب.  

ومن خلال رصد تطور إيرادات الضرائب على التوظف خلال عدة سنوات مالية، تتضح مفارقة واضحة بين ارتفاع معدل نمو الإيرادات من الضرائب على التوظف في الوقت نفسه الذي شهد التوسع في سياسة الخصم الضريبي التي يفترض أن تؤدي لتراجع نمو تلك الإيرادات . وكما يظهر من الشكل التالي فقد ارتفع معدل زيادة الإيرادات من الضرائب على التوظف خلال العام المالي الجاري إلى أعلى مستوياته منذ عام 2013/2014، وذلك على الرغم من أن العام الجاري شهد زيادة في نسبة الخصم الضريبي على كل شرائح الدخل، وهو مما يفترض معه أن تتراجع الإيرادات.

وكانت سياسة الخصم الضريبي قد طُبقت للمرة الأولى في العام 2017/2018 الذي شهد بالفعل تراجع الإيرادات من ضرائب التوظف -كما يبدو من الشكل- قبل أن ترتفع بشدة في العام التالي بالرغم من رفع نسبة الخصم الضريبي.

المصدر: بيانات وزارة المالية وحسابات «مدى مصر»

ومن ناحية أخرى، تضمنت وثيقة المراجعة الرابعة ملحقًا يشمل تعهدات الحكومة المصرية ضمن مذكرة السياسات الاقتصادية والمالية. وتقول الحكومة، كما نقلت عنها الوثيقة، إنها تعتبر هدفها بتحقيق فائض أولي في الموازنة يبلغ 2%، أولوية قد تتخلى في سبيلها عن بعض بنود الإنفاق الذي لا يمثل أولوية بالنسبة لها.

ويمثل الفائض أو العجز الأولي الفرق بين الإيرادات التي تحققها الموازنة والمصروفات التي تنفقها بعد استبعاد مصروفات الفوائد.

يمكن استنتاج بنود الإنفاق تلك التي لا تمثل أولوية للحكومة عبر تتبع بنود المصروفات في البيان التمهيدي للموازنة الجديدة، الصادر الأسبوع الماضي، حيث خفضت الحكومة مخصصات باب «الأجور وتعويضات العاملين» و«الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية» في موازنة العام الجديد مقارنة بما كان متفقًا عليه مع صندوق النقد الدولي في تقرير المراجعة الرابعة، الذي أُعد في فبراير، كما نشرت «مدى مصر» في تقرير قبل أيام.

اعلان
 
 
بيسان كساب