مصادر: قيادة القوات المسلحة وأجهزة الأمن السودانية تبحث الخروج الآمن للبشير.. ومصر ترسل وفدًا مخابراتيًا
 
 

كشفت مصادر عسكرية سودانية مطلعة عن اجتماع رفيع المستوى عقدته قيادة القوات المسلحة وقادة اﻷجهزة اﻷمنية في السودان أمس، السبت، لبحث مخرج آمن للرئيس عمر البشير وحكومته، عقب تفاقم المظاهرات «المليونية» التي عمت أنحاء العاصمة الخرطوم.

جاء الاجتماع بعد تظاهرات شاركت فيها مئات اﻵلاف من المعارضين لحكم البشير، في العاصمة السودانية الخرطوم، السبت الماضي، حيث حاصروا مقر قيادة القوات المسلحة في وسط الخرطوم، داعين قيادة الجيش للانحياز للشعب واستلام السلطة وتسليمها للشعب من خلال انتخابات تتم عقب فترة انتقالية محددة.

وتسبب استمرار المظاهرات السودانية في نقاشات إقليمية حول مصير نظام البشير والسيناريوهات المختلفة المطروحة لاحتواء نتائجها.

وبحسب مسؤول مصري على معرفة بتفاصيل العلاقة المصرية السودانية، أرسلت مصر وفدًا استخباراتيًا رفيع المستوى إلى الخرطوم، الجمعة الماضي، للتشاور مع البشير وكبار قيادات الجيش بخصوص تطورات اﻷوضاع في السودان، كذلك سيناريو انتقال سلس للسلطة في السودان بعيدًا عن جناح اﻹخوان المسلمين هناك.

وأوضح المسؤول المصري، الذي تحدث إلى «مدى مصر» بشرط عدم الكشف عن هويته، أن الوفد المصري لا يزال حتى اﻵن في العاصمة السودانية، لكن الانطباع السائد اﻵن لدى الجانب المصري أن البشير قد يغادر السلطة في وقت أقرب مما كان متوقعًا.

التظاهرات التي بدأت منذ شهر ديسمبر الماضي احتجاجًا على غلاء المعيشة والنقص الحاد في الوقود وغيره من السلع، تطورت سريعًا إلى مطالب سياسية على رأسها اﻹطاحة بالبشير. وتسبب استمرار التظاهرات في ضغوط على دوائر الحكم السودانية، وخاصة القوات المسلحة، للتخلي عن البشير، وهو ما سُمع صداها في نقاشات أجرتها بعض دوائر الحكم اﻹقليمية وفي مقدمتها مصر.

المظاهرات

دعت قوى إعلان الحرية والتغيير تحت قيادة تنظيم تجمع المهنيين السودانيين المواطنين للتظاهر وتنظيم مليونية يوم السبت ﻹسقاط نظام البشير، بالتزامن مع الذكرى الرابعة والثلاثين لانتفاضة 6 أبريل 1985 في السودان، والتي أطاحت بنظام الرئيس السوداني اﻷسبق، جعفر النميري.

ودعا تجمع المهنيين السودانيين المتظاهرين لعدم مبارحة أماكنهم والاعتصام أمام مقر قيادة الجيش إلى حين إسقاط نظام البشير. وتطوع البعض لجمع التبرعات بالمياه والطعام وسط المتظاهرين، فيما بدأت اﻵلاف التجهيز للاستمرار في الاعتصام، وتم جلب الخيام وغيرها للجلوس أمام مقر قيادة الجيش إلى حين تنحي البشير. كما شهدت العديد من المدن السودانية مظاهرات متزامنة مع مظاهرات العاصمة.

ورغم استخدام قوات اﻷمن الرصاص الحي والمطاطي والغاز المسيل للدموع، تمكنت مئات اﻵلاف من المتظاهرين من الوصول إلى مقر القيادة العامة للقوات المسلحة ومحاصرته وسط تعاطف كبير من قبل ضباط الجيش.

وتقول لنا أحمد، الناشطة التي شاركت في المظاهرات أمام مقر قيادة الجيش، إن «ضباط الجيش تجاوبوا مع هتافات الجماهير التي نادت بهتاف جيش واحد شعب واحد، الجيش معانا ما همانا [يهمنا]». وأكدت أنها شاهدت بنفسها ضباط الجيش وهم يوزعون المياه على المتظاهرين ويسعفون بعض الجرحى الذين أصيبوا بالاختناق نتاج الاستخدام الكثيف للغاز المسيل للدموع. ويؤكد متظاهر آخر من منطقة «بري»، فضل عدم ذكر اسمه، أن ضابطًا برتبة عقيد بالقوات المسلحة قاد التظاهرات بنفسه في حي «بري» الذي أصبح أحد أهم رموز الانتفاضة السودانية، بعد سقوط عدد من الضحايا هناك.

وأضافت «لنا» أن اﻷجهزة اﻷمنية قامت بحملة اعتقالات غير مسبوقة، وألقت القبض على المئات خلال ساعات قليلة منذ صباح اليوم، لكن رغم ذلك، تمكنت اﻵلاف من الوصول إلى باحة مقر القيادة العامة، مشيرة إلى أنها شاهدت مئات المواطنين يقتحمون بوابة القيادة العامة وسط فرح من قِبل صغار الضباط وجنود القوات المسلحة.

ويقول أحمد فقير، متظاهر من مدينة بورتسودان بولاية البحر الأحمر، إن القوات المسلحة حمت المتظاهرين الذين اعتصموا أمام مقر الجيش في المدينة ومنعت اﻷجهزة اﻷمنية من اعتقالهم أو الاعتداء عليهم. وقالت مصادر أخرى، فضلت عدم ذكر أسمائها، في مدن «مدني» بولاية الجزيرة و«ربك» بولاية النيل الأبيض، إن جنودًا وصغار ضباط الجيش حموا المتظاهرين، وطردوا اﻷجهزة اﻷمنية، ومنعوها من الاعتداء على المتظاهرين.

من جانبها، اعتبرت المتحدثة باسم تجمع المهنيين السودانيين، سارة إبراهيم، أن الثورة السودانية حققت انتصارًا غير مسبوقًا في مظاهرات السبت، داعية القوات النظامية للقيام بما وصفته بدورها «الوطني»، و«حماية الثورة ودعم التنحي عن السلطة سلميًا».

داخل النظام السوداني

تسببت مظاهرات السبت في ضغوط على دوائر الحكم في السودان، وخصوصًا القوات المسلحة، والتي عقد قادتها اجتماعًا لمناقشة آخر التطورات.

وقالت مصادر مطلعة على تفاصيل الاجتماع، الذي استمر عدة ساعات وحضره البشير، إنه شهد خلافات واسعة عقب مطالبة بعض كبار الضباط البشير بالتنحي عن السلطة وتسليمها للجيش، لمنع حدوث تدهور أمني في البلاد. وأوضحت المصادر التي تحدثت لـ«مدى مصر» بشرط عدم الكشف عن هويتها، أن البشير أبدى تمسكًا بعدم التنحي مهددًا بعض الضباط باﻹقالة والسجن.

ومضت المصادر للإشارة إلى أن نائب رئيس الجمهورية ووزير الدفاع، عوض ابن عوف، دعم بقاء البشير في السلطة فيما رفضه ضباط آخرون.

ونفت المصادر صحة التقارير التي تحدثت عن طلب البشير اللجوء إلى العاصمة المصرية القاهرة، وسط تضارب اﻷنباء بشأن مصير البشير المطلوب منذ عشرة سنوات للمحكمة الجنائية الدولية بسبب اتهامه بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية وجرائم ضد اﻹنسانية في إقليم دارفور.

الانشقاقات داخل صفوف نظام البشير كانت محل نقاش مفصل بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بدولة الإمارات، خلال اجتماعهما في القاهرة أواخر مارس الماضي، حيث اتفقا على استمرار دعم البشير قدر المستطاع للبقاء ﻷطول فترة ممكنة من المدة المتبقية من حكمه، ليتم بعد ذلك التوافق على انتقال سلس للسلطة، بحسب المسؤول المصري.

المشكلة بحسب ذات المصدر هي غياب التوافق داخل دوائر الحكم في السودان، بما في ذلك الحزب الحاكم وقيادات الجيش، على خليفة البشير، إلى جانب آراء مختلفة بين الدول العربية الفاعلة.

بحسب المسؤول المصري، تشمل السيناريوهات البديلة، في حالة فشل البشير في إتمام مدته، نقل السلطة لأحد قيادات النظام السوداني، بينهم صلاح قوش، رئيس المخابرات السودانية، الذي يحاول إقناع حكومات مصر واﻹمارات والسعودية بقدرته على تولي السلطة في السودان بديلًا للبشير.

لكن وزير اﻹعلام والاتصالات والناطق الرسمي باسم الحكومة السودانية، حسن إسماعيل، نفى حدوث أي خلخلة في التزام القوات المسلحة السودانية وولائها لقيادة البلاد. وأثنى الوزير في بيان أصدره أمس، السبت، على ما وصفه بالروح الوطنية التي تعاملت بها القوات النظامية المختلفة مع المتظاهرين الذين تجمعوا أمام القيادة العامة بالخرطوم يوم السبت.

وقال الوزير إنه «رغم التعبئة العالية والشحن الكبير الذي قامت به المعارضة مستغلة رمزية ذكرى 6 أبريل إلا أن منهج اﻷجهزة الحكومية وجد ارتياحًا واحترامًا من قبل المواطنين، مؤكدًا أن الدم السوداني هو أغلى ما يجب أن نحافظ عليه داعيًا الأطراف السياسية الأخرى العمل على ذلك وتقليل حدة الاستقطاب».

*عُدلت بعض المعلومات الواردة في التقرير بعد النشر.

اعلان
 
 
أسمهان سليمان 
محمد الأمين