الطقطوقة والمهرجان وبينهما 100 عام: كأن الزمان يعيد نفسه
 
 

الموسيقى هي فكرة شعبية قبل أي شيء. تخيّل حياتك في أي عصر أو أي مكان دون موسيقى، إذا لم تجدها حولك، بكل تأكيد ستصنعها. هكذا صُنعت الموسيقى، قبل أي بحث أكاديمي، هي شيء تمّ اكتشافه وصُنعه مثل النار، لذلك ستظل الأغنية الشعبية الجماعية وتأثيراتها على مسار الموسيقى واضحة وجلية ومؤثرة بشكل كبير.

في الموسيقى العربية وفي مصر تحديدًا، كانت هناك قوالب عديدة للموسيقى، مثل الدور والموشح والقصيدة والمونولوج، وكلها لها أصول غير مصرية، تأثرت بها وغيّرت بها لتناسب شكل الموسيقى المصرية أو ظلت كما هي دون أي تعديل يؤثر في شكلها الأساسي، لكن في الوقت نفسه هناك قوالب مصرية الصنع، خرجت من داخل مصر ولم تتأثر بعوامل خارجية، مثل الموال والطقطوقة.

الموال فن ارتجالي في المقام الأول، انتقل من العراق لباقي الوطن العربي على حسب أغلب الروايات، وغيّرت كل دولة فيه بما يناسب طريقة غنائها وحياتها. وكان الموال هو أول ما يغنيه المطرب في بداية حفلته، بداية من عصر الشيخ محمد عبد الرحيم المسلوب (1793- 1928)، ومحمد عثمان (1855-1900) وعبده الحامولي (1836-1901). ويكون بشكل ارتجالي تصاحبه آلة موسيقية واحدة، كالقانون أو الناي. قُدم بعد ذلك الموال في شكل مقيّد وملحن مسبقًا من محمد عبد الوهاب، وكان ذلك في فترة تحوّل الغناء من فكرة الارتجال التام إلى غناء مدرب عليه.

اشتهرت الطقطوقات في البداية بأصوات وأداء العوالِم، وبالطبع العالمة هنا ليست كما ظهرت في الأفلام أو كما قدمها نجيب محفوظ في رواياته. العالْمة هي العالِمة بأمور الغناء، وهي تختلف تمامًا عن الراقصة أو الغازية التي كانت ترقص وربما تغني. أما العالْمة فهي في الأصل مطربة، ومِن العوالم مَن كنّ يغنين القوالب الرجالية كالدور والموال.

تقترب الطقطوقة كثيرًا مع الغناء التراثي والفلكلوري، فالطقطوقة والتي جاء بها الملحن محمد علي لعبة جراء تأليفه لحن صغير، لا يشبه القوالب الأخرى، تلك هي الميزة الأهم في قالب الطقطوقة الغنائي، مصرية الأصل، لم تتأثر بالموسيقى العثمانية والتركية، ولا علاقة لها بالأندلس كما في الموشحات، ولا بالقصيدة والشعر الفصيح العربي المتأثر بالطبع بالشعر الجاهلي، ولا بالمونولوج المستوحى من الأوبرا الإيطالي. هي قادمة من البيئة المصرية والتراث، شكل بسيط في كل شيء الكلمات واللحن والشكل البنائي؛ من مذهب وأغصان ويُعاد المذهب أو جزء منه بعد كل غصن، والجميع هنا على المقام نفسه، والتركيز كله على نجاح المذهب، لأنه إذا نجح المذهب نجحت الطقطوقة بأكملها.

لم يكن اقتراب الطقطوقة من التراث اقتراب ثانوي، لكن كانت العلاقة قائمة على التبادل الفني، مزج بين عالم موسيقي جديد، وبين تراث له تاريخ وباع طويل، الكثير من الطقطوقات لها أصول شعبية وتراثية كأغاني الأفراح في الدلتا، مثل طقطوقة «الحنة يا قطر الندى» للعالمة بهية المحلاوية، هنا مزج بين كلمات التراث والكلمات المكتوبة من الشعراء، هناك حالة من الدمج وكأن التراث كان محبوسًا في قفص وحان وقت خروجه، فتحت الطقطوقة باب القفص وخرج التراث متشابكًا مع كل ما حوله، وبدأ الشعراء والزجالين في كتابة نصوص خصيصًا لتنقل اليومي والعادي، لا فقط أغاني أفراح ومناسبات، سنجد طقطوقات وطنية، وغزل صريح وعفيف، وأغانٍ تربوية واجتماعية، أصبحت الطقطوقة غناء الشعب.

غناء الشعب لأن الطقطوقة نجحت في تحويل الموسيقى إلى منتَج شعبي، لاتستحوذ عليه فقط الفئة التي تصلح للغناء، لكن يسهل على أي شخص أن يغنيها، على خلاف القوالب الموسيقية الأخرى، التي تستلزم مقومات خاصة للصوت، تستلزم صوتًا طربيًا، فاهمًا في دروب الغناء، وقادر على الانتقال ما بين المقامات ويمتلك قدرًا لا بأس به من حنكة الارتجال. بجانب ذلك ساعدت الظروف الاجتماعية والسياسية في تلك الفترة على انتشار تلك الأغاني الخفيفة.

فيما بعد، تطوّرت ألحان الطقطوقة، وأصبحت أيضًا تحتاج لمطرب، لكن ليس كباقي القوالب الأخرى. فتطورت الطقطوقة على يد أساتذة الجيل بداية العشرينات، مثل الشيخ زكريا أحمد، ومحمد القصبجي، ومحمد عبد الوهاب.

انتصرت الطقطوقة على كل القوالب الأخرى التي بدأت في الاختفاء تدريجيًا، وبدأ يقل مَن يقدمها، وأصبحت القالب الرسمي للأغنية المصرية، خاصة بعد 1952، التي كانت نقطة الفصل بين الطقطوقة القديمة والطقطوقة الجديدة. وبدأت تُربط الطقطوقات القديمة بالخلاعة والغزل الصريح، مع أنها كانت تتضمن شتى أنواع الكلام والموضوعات كما أشرنا، بل كانت تعبّر دون رتوش أو رقابة أو محاذير وتلك هي المسألة، كانت تعبّر بكل صدق عن الشارع، لا عما يجب أن يستمع له الجمهور، كما حدث بعد ثورة يوليو.

بعد 1952 جرى تهذيب الطقطوقة أو بمعنى أدق  تلبيسها لشكل وقواعد ورقابة البلد الجديد، وتطورت لشكل الأغنية الشبابية. لكن طوال هذه السنين لم يظهر قالب موسيقي جديد مستقل بذاته، كلها كانت تطويرات تحت مظلة الطقطوقة، تبحث داخلها كإطار تلتزم به، مهما وصل من تجديد في الكلمات وطريقة الأداء والشكل الموسيقي واللحن.

بين المهرجان والطقطوقة

بعد ما يقترب من قرن من ظهور الطقطوقة أي مع بداية الألفينيات ظهر قالب موسيقي جديد، أطلق عليه صناعه اسم «المهرجان»، جاء من حيث جاءت الطقطوقة، من الأفراح والمناسبات، من الشارع لا من موسيقي كبير ولا ناقد ولا مخترع،  كانت الأفراح الشعبية هي البداية، ثم بدأ في السيطرة على الشارع المصري. بعيدًا عن التقييمات الفنية لموسيقى المهرجان، فهذا ليس موضوعنا، لكن عند النظر إلى القالب الموسيقي للمهرجان، وما يدور حوله من جدل وخلافات فنية وطبقية وأخلاقية، سنجد أن كل ما ينطبق على الطقطوقة خاصة في نشأتها والهجوم عليها، يحدث الآن على قالب المهرجان.

نشأ المهرجان من تداخل فكرة النبطشي في الأفراح الشعبية مع الموسيقى، كانت هذه الفكرة بكل بساطة، فكرة مصرية بلا أي مرجعيات حتى وإن كانت مرجعية مصرية، فالمهرجان لم يأتِ من الأغنية الشعبية، بالطبع تأثر بها، وتأثر بهمزة الوصل بين الأغنية الشعبية والمهرجان، وهي شكل ظهر لفترة قليلة وأطلق عليه اسم «المولد».

سحب المهرجان البساط من مطربي الأفراح الشعبية، وتحوّل الأمر بألا يشترط أن يكون مَن يؤدي المهرجان مطربًا شعبيًا. أسقط المهرجان هذا الشرط، وسمح لآخرين بالغناء مثل ما حدث مع الطقطوقة عندما فتحت المجال لأسماء بدأت في تقديم هذا القالب البسيط غير المتطلب لإمكانيات القوالب الأخرى.

أيضًا عند النظر إلى كلمات المهرجانات نرى أنها كلمات قادمة من الشارع المصري كما هو، دون أي تعديل أو  خضوع لتضييق رقابي أو أخلاقي أو مجتمعي. الكلمات هنا تصف الوضع كما هو، تنقل لك صور تؤرخ حقًا للمكان، وهي بالطبع عكس ما يحبه المواطن، أو بشكل أدق عكس ما يحب أن يتظاهر المواطن أنه يحبه، أن الغناء والموسيقى يجب أن تكون مهذبة مرت بالرقابة بكل أنواعها، بالطبع هذا تأثير الدولة الجديدة بكل ما تأثرت بها، دولة 52، هي كلمات تنقل ما يُقال في الشارع المصري، كما كان يحدث مع الطقطوقة في بدايتها.

المهرجان خلال مدة وجوده التي تقارب من 15 عامًا، يتطور بشكل كبير وتدريجي في اتجاه إنشاء قالب موسيقى جديد، يعبّر عن وقته بالكلمات والموسيقى والأداء، وبدأ في اقتحام قوالب أخرى مصرية كانت أو أجنبية، لكنه لم يختفِ في القوالب الأخرى، بل من أهم مميزاته أن له خصوصيته المنفردة عن كل القوالب الأخرى.

نجحت المهرجانات من الناحية الجماهيرية نجاحًا كبيرًا، ووجدت لها حضورًا في السينما، بل واعتمدت عليها الإعلانات. ومطربو المهرجانات مستمرون في التجربة والتجديد والاكتشاف عن أشكال جديدة لهذا القالب.

يمكننا مقارنة الهجوم الذي لاقاه المهرجان بالهجوم الذي لاقته الطقطوقة في بداياتها، فهوجمت من الموسيقيين والأكاديميين، والذين رأوا أنها قالب غير فني وضعيف وغير متماسك، وإن كلماتها تحمل الكثير من الكلمات البذيئة أو الخليعة.

كما هوجمت أيضًا من الجمهور العادي المعتاد على شكل محدد للأغنية، ومن الصعب عليه تقبل شكل أو أداء آخر. حتى هُوجمت من منطلق نقد طبقي موجه ضد قالب المهرجانات ومؤديه.

دعونا ننظر إلى كتاب «الموسيقى المصرية – تقرير عن حالتها في سنة 192» للكاتب والأديب والموسيقي ومدير معهد الموسيقى المصري في وقتها اسكندر أفندي شلفون، ونرى ماذا قال إسكندر أفندي عن قالب الطقطوقة، «الطقطوقة هي أحقر وأحط وأسخف ما وصلت إليه ألحان الموسيقى المصرية، بل هي اللطخة السوداء في صحيفتها، ولا يمكن لفن الغناء أن يصل في الفاضلة البذيئة إلى أبعد مما وصلت إليه الطقطوقة في الانحطاط، وبالرغم من ذلك فإننا نرى ويا للأسف إنها أكثر الأنواع انتشارًا».

كتاب «الموسيقى المصرية – تقرير عن حالتها في سنة 192» للكاتب والأديب والموسيقي ومدير معهد الموسيقى المصري في وقتها اسكندر أفندي شلفون

لو تخلينا أن كلمة الطقطوقة وضع مكانها كلمة المهرجان، لن يشعر أحد باختلاف، إنه الكلام نفسه الموجه لنقد موسيقى المهرجانات، هذا الكلام المكتوب من ما يقارب بـ 100 عام، لكنه يحمل نفس النظرة نفسها والرؤية لكلمات الأغاني والموسيقى وحتى النظرة الطبقية أيضًا، سيبقى السؤال هل سيكون مصير المهرجان هو نفس مصير الطقطوقة على مدار القرن الحالي؟

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن