قراءة في بيان الموازنة: كيف ستُصرف الأموال؟
 
 

من خلال قراءة سريعة لأولويات الحكومة في الإنفاق، كما تظهر في وثيقة البيان التمهيدي لموازنة العام المالي الجديد، الذي يبدأ في يوليو المقبل، يمكن ملاحظة الزيادة الكبيرة في الإنفاق على الاستثمارات الحكومية مقابل تقليص كبير في الإنفاق على «الدعم والمنح والمزايا الإجتماعية» التي يذهب الجانب الأكبر منها للمواطنين.

ويمثل البيان التمهيدي ،الذي أصدرته  وزارة المالية الأسبوع الماضي، شرحًا مبسطًا لبرنامج الحكومة خلال العام، مع رصد لأهم التحديات والسياسات المالية والإقتصادية المقترحة، ولا تشمل هذه الوثيقة تفاصيل النفقات والإيرادات، التي تظهر في البيان المالى الذى تقدّمه الحكومة للبرلمان فيعرض بشكل تفصيلى بنود وتفاصيل الموازنة، ولا يتم الإعلان عنه إلا مع اقتراب العام الجديد الذي يبدأ في يوليو.

وبتتبع نسب النمو في مختلف بنود المصروفات الحكومية في موازنة العام الجديد قياسًا إلى العام المالي الحالي، يتضح تصدر الاستثمارات قائمة بنود المصروفات في الموازنة العامة، من حيث معدل النمو في المخصصات الموجهة للإنفاق عليها، في حين جاء بند «الدعم والمنح والمزايا الإجتماعية» في ذيل القائمة، إذ بلغ النمو في مخصصات الاستثمارات 42% في حين لم يتجاوز النمو في مخصصات «الدعم والمنح والمزايا الإجتماعية» 3.8% مقارنة بالعام الماضي، كما يبين الشكل التالي:

المصدر: البيان التمهيدي لموازنة العام المالي 2019/2020 وحسابات مدى مصر

ويتضح من الشكل السابق ارتفاع مخصصات «شراء السلع والخدمات» و«المصروفات الأخرى» بنسب تتخطى معدل التضخم المتوقع على نحو واضح وتجعلها ضمن أولويات الحكومة هذا العام، إذ تضمن البيان التمهيدي ارتفاعًا في مخصصات «شراء السلع والخدمات» والمصروفات الأخرى بنسبة 24.6% و19.5% بالترتيب.

ويمثل شراء السلع والخدمات وفقًا لدليل تصنيف الموازنة العامة الصادر عن وزارة المالية، المبالغ التي تخصصها الحكومة لشراء السلع والخدمات اللازمة لعمل الوزارات والمحافظات والهيئات مثل المواد الخام والأدوات المكتبية وغيرها من الخدمات مثل النقل والاتصالات. ويشمل هذا الباب سلعًا وخدمات وسيطة تستخدم في إنتاج سلع أخرى، كما يشمل سلع تامة الصنع. أما «المصروفات الأخرى» فتمثل اعتمادات وزارة الدفاع بالإضافة إلى مخصصات مواجه التعويضات والغرامات ورسوم الضرائب التي تخصص لشراء السلع المستوردة، تبعًا للتعريف الوارد في نفس الدليل.

ويرى  رئيس قطاع البحوث في مجموعة مالية كبيرة، طلب عدم نشر اسمه، أن ارتفاع مخصصات الاستثمار في الموازنة الجديدة على هذا النحو «ليس إلا استمرارًا لسياسة قائمة بالتوسع في الاستثمارات الحكومية في محاولة لدفع النمو في الناتج المحلي في الوقت الذي لا يبدو فيه الاستثمار الخاص قادرًا على القيام بهذا الدور [دفع النمو] في أعقاب الإجراءات النقدية التي اتخذتها الحكومة [تحرير سعر الجنيه] والتي أدت إلى الإضرار بشدة بالاستهلاك ما أدى بدوره للإضرار بالاستثمار الخاص». مضيفًا أن «الإنفاق الاستثماري الحكومي أصبح يعتمد بشدة على جهات حكومية أخرى من قبيل اعتماد الحكومة في عقودها على جهات مثل القوات المسلحة في تنفيذ استثماراتها.. تعتبر مدفوعات الحكومة لتلك الجهات الحكومية جزءًا من الإنفاق الاستثماري في الموازنة العامة بطبيعة الحال».

ويمكن متابعة تضرر الاستثمار الخاص من خلال «مؤشر مديري المشتريات»، وهو مؤشر مركب يقيس ظروف التشغيل في القطاع الخاص غير المنتج للنفط. وقد هبط المؤشر في فبراير إلى مستوى 48.2 نقطة مقابل 48.5 نقطة في الشهر السابق. وتبعًا للبيان الصحفي الصادر عن بنك «الإمارات دبي الوطني» -الذي يعد المؤشر-  فقد شهدت الشركات المصرية تراجعًا قويًا في الطلبات الجديدة، وصولًا لانخفاض في المبيعات هو الأقوى في 20 شهرًا، كما واصلت معدلات التوظيف انخفاضها للشهر الخامس على التوالي.

وتواصل الدولة سياسة الاستثمار فيما يُسمى بـ «المشروعات القومية»، عبر عدد ضخم من عقود تطوير الطرق والمشروعات السكنية والمنشآت الطبية ومشروعات المياه، تشارك في تنفيذ معظمها الهيئة الهندسية التابعة للقوات المسلحة، فضلًا عن مشروع العاصمة الإدارية الجديدة الذي تمتلك القوات المسلحة -عبر جهاز الخدمة الوطنية وجهاز مشروعات أراضي  القوات المسلحة- 51% من الشركة المالكة له. ويشير رئيس الجمهورية في تصريحات متعددة إلى اعتقاده بأن القوات المسلحة قادرة على إنجاز المشروعات في وقت أقصر من القطاع الخاص.

بينما رجح عمر الشنيطي المدير التنفيذي لمجموعة «مالتيبلز» للاستثمار خفض الحكومة المخصصات الموجهة للدعم عما كان متفق عليه مع صندوق النقد الدولي إلى ما قال إنه «عدم اليقين من القدرة على تحصيل الإيرادات التي أعلنت عنها الحكومة في الموازنة الجديدة وخاصة فيما يتعلق بالإيرادات الضريبية». مضيفًا أن «مخصصات الدعم تبدو أكثر البنود التي يمكن تقليصها مقابل بنود أخرى لا تملك الحكومة المساس بها من قبيل مخصصات الفوائد التي ترتبط بعوامل لا يد للحكومة فيها من قبيل سعر الفائدة في السوق العالمي».

ويوضح الشكل التالي الأوزان النسبية لبنود المصروفات المختلفة إلى إجمالي المصروفات في العام المالي المقبل،  مقارنة بالأوزان النسبية لنفس البنود في العام المالي الحالي. ويظهر الشكل نموًا واضحًا في الوزن النسبي للإنفاق على الاستثمارات وتراجعًا في الوزن النسبي للإنفاق على «الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية».

 

المصدر: البيان التمهيدي لموازنة عام 2019/2020

واللافت للنظر أن البيان التمهيدي للموازنة العامة لم يحمل ما يشير إلى تغيير في سياسة الدولة المُعلنة فيما يتعلق بالأجور، بالرغم من أن العام المالي الجديد يفترض أن يشهد تنفيذ حزمة من الإجراءات المرتبطة برفع الأجور والتي أعلن عنها الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل يومين فقط من إصدار البيان التمهيدي.

إذ بلغ النمو في مخصصات الأجور 11.5%، ما يعني أن النمو الحقيقي في تلك المخصصات -بعد خضم معدل التضخم المستهدف- لايتجاوز 1.5%. كما تراجع الوزن النسبي للإنفاق على الأجور إلى إجمالي المصروفات بشكل طفيف- كما يبدو من الشكل السابق.

فيما يظهر  الشكل التالي الإنفاق على بنود المصروفات في الموازنة الجديدة مقابل تقديرات صندوق النقد الدولي في تقرير المراجعة الرابعة  للبرنامج الحكومي المصري في ظل الاتفاق الحالي بين الطرفين. ويتضح من الشكل انخفاض المخصصات الموجهة من قِبل الحكومة للدعم مقابل تقديرات صندوق النقد الدولي- بالرغم من سياسة الصندوق المعلنة بالحث الدائم على خفض الإنفاق على الدعم.

المصدر: البيان التمهيدي لموازنة عام 2019/2020 و بيانات تقرير المراجعة الرابعة لبرنامج الحكومة المصرية

اعلان
 
 
بيسان كساب