«النواب» يسابق الوقت ﻹنهاء التعديلات الدستورية بعد مناقشات «صورية»
 
 

يسيطر الغموض على الصورة النهائية للتعديلات الدستورية المرتقبة على الرغم من اقتراب الموعد المقترح لبدء الاستفتاء الشعبي بعد أسبوعين في 19 أبريل الجاري، وذلك بعد الانتهاء من استقبال مقترحات النواب وجلسات الحوار المجتمعي، في نقاشات وصفتها مصادر برلمانية بأنها كانت «صورية».

التعديلات المقترحة ما زالت قيد النقاش داخل لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية في مجلس النواب، والتي تعمل اﻵن بوتيرة متسارعة للوصول إلى الصياغة النهائية للتعديلات الدستورية، ثم التصويت عليها داخل اللجنة التشريعية، وإحالتها للجلسة العامة لنظرها خلال الجلسة المقررة يوم 14 أبريل الجاري، بحسب مصدر بالأمانة العامة لمجلس النواب تحدث لـ «مدى مصر».

يأتي الاستعداد للتصويت داخل لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بعدما أنهت اللجنة المصغرة التي شُكلت منها لدراسة مقترحات التعديلات أعمالها أمس، الخميس، بعد اجتماعات مغلقة أعدت خلالها تقريرًا حول ما قدمته جلسات الحوار المجتمعي الستة، ويُنتظر توزيعه على النواب أعضاء اللجنة التشريعية مطلع اﻷسبوع المقبل.

التقرير المنتظر هو الثاني بعد تقرير عرضته اللجنة المصغرة خلال جلسة للجنة التشريعية يوم اﻷحد الماضي، حول مقترحات النواب، وقد اكتفى التقرير بالتأكيد على توافق أغلب النواب على التعديلات، ومن بينها المتعلقة بمدة الرئاسة والقضاء، دون اﻹشارة للاقتراحات المختلفة التي تقدم بها عدد من النواب.

نواب بالمجلس اتهموا القائمين على إدارة التعديلات داخل المجلس بتجاهل مقترحاتهم، واعتبر عدد منهم تحدثوا إلى «مدى مصر» أن اقتراحاتهم يتم مصادرتها لـ «صالح تعديلات متفق عليها سلفًا». وتوقعت مصادر قضائية أن تلقى مقترحاتهم التي قدموها خلال الحوار المجتمعي المصير ذاته.

وتتطلع السلطات إلى تعديل عدد من مواد الدستور ومن بينها ما يضمن استمرار الرئيس عبد الفتاح السيسي على قمة السلطة حتى عام 2034، وتقليص استقلال المؤسسات القضائية الذي يحققه الدستور الحالي، فضلًا عن بسط سيطرة السلطة التنفيذية عليها.

ما اقترحه النواب

بحسب اللائحة الداخلية للمجلس، يتقدم كل نائب بما لديه من اقتراح أو دراسة أو بحث في شأن طلب تعديل الدستور كتابةً لرئيس المجلس خلال 30 يومًا من تاريخ إحالة التعديل إلى اللجنة التشريعية، على أن يحيل رئيس المجلس هذه الاقتراحات إلى اللجنة مع ما قد يكون لمكتب المجلس من ملاحظات عليها.

وفي 12 مارس الماضي، شكّل مكتب اللجنة التشريعية لجنة فرعية من أعضاءها لبحث ودراسة المقترحات المقدمة من النواب، برئاسة النائب أحمد حلمي الشريف، وكيل اللجنة، وعضوية 12 نائبًا فقط من بين أعضاء اللجنة التشريعية.

اعتبر التقرير الذي حصل «مدى مصر» على نسخة منه أن هناك «توافق كبير» على مقترح زيادة مدة الرئاسة إلى ست سنوات واستحداث مادة انتقالية تسمح للسيسي بالاستمرار في الحكم فترتين رئاسيتين جديدتين بعد الانتهاء من فترته الحالية. ليس هذا فحسب، بل «إن غالبية السادة النواب ارتأت أن المدتين غير كافيتين، مقترحة بأن تترك المدد مفتوحة»، طبقًا للتقرير.

كما أشار التقرير إلى وجود «توافق» كذلك بخصوص مقترح تعديل المادة 185 من الدستور، بما يمنح رئيس الجمهورية سلطة اختيار رؤساء الجهات والهيئات القضائية، ويحذف النص على الموازنة المستقلة لكل جهة، وكذلك مقترح منح رئيس الجمهورية حق اختيار رئيس المحكمة الدستورية. ولم يبد التقرير سوى اعتراض النائبة سيلفيا سيدهم، إحدى النواب الذين تقدموا بالتعديلات، عليهما.

وخلال اجتماع للجنة التشريعية اﻷحد الماضي، أعلن بهاء أبو شقة، رئيس اللجنة التشريعية، المقترحات التي انتهت إليها اللجنة المصغرة، وتمثلت في:

  • المطالبة بفتح مُدد الرئاسة، وتعيين نائب رئيس الجمهورية بعد موافقة البرلمان.
  • منح مجلس الشورى صلاحيات إضافية.
  • قصر دور مجلس الدولة في مراجعة مشروعات القوانين قبل إصدارها على المشروعات المقدمة من الحكومة.
  • تأييد التمييز الإيجابي للمرأة في البرلمان مع اقتراح قصره على فصلين تشريعيين مقبلين.

أثار تقرير اللجنة المصغرة ونتائج أعمالها غضب عدد من النواب، والذين وصفوا المناقشات بالـ «صورية». وشهدت جلسة اﻷحد مشادة بينهم وبين أبو شقة، بعد أن اعتبروا أن التقرير يضم رأي أعضاء اللجنة الفرعية في ما قُدم لها وليس سردًا لما ورد إليها. واعتبر النائب عفيفى كامل، عضو اللجنة التشريعية، خلال الجلسة، أن «ما جاء في التقرير مصادرة لرأي النواب».

وقال كامل لـ«مدى مصر» إنه تقدم لرئيس البرلمان بمقترح لتصحيح غالبية المواد التي تضمنها مقترح التعديلات الدستورية من العوار الدستوري ومن التعارض مع مواد أخرى بالدستور لم تشملها التعديلات، غير أنه فوجئ بأن تقرير اللجنة المصغرة يقول إنها عقدت ثلاث اجتماعات لمناقشة المقترحات المقدمة من النواب دون أن تدعوه لحضور أي منها، ودون أي إشارة في التقرير إلى مقترحاته.

وتمثلت مقترحات كامل فى الاقتصار على تعديل مدة رئيس الجمهورية لتصبح ست سنوات لفترتين رئاسيتين فقط، وإلغاء المادة الانتقالية على أن يحق للسيسي فى المقابل الاستفادة من السنتين الذين تم إضافتهم لتكون مدة رئاسته الثانية الحالية ستة سنوات بدلًا من أربعة، على أن يدعو الرئيس اعتبارًا من يوم إقرار التعديلات الدستورية لجمعية تأسيسية لإعداد دستور جديد للبلاد يزيل كل العوار الدستوري المصاحب للمواد المطروح تعديلها حاليًا. كما اقترح كذلك الإبقاء على طريقة تعيين رئيس المحكمة الدستورية دون تغيير.

كما اتفق النائبان ضياء الدين داود وأحمد الشرقاوي، عضوا تكتل 25-30 المعارض، مع كامل، حيث رفض الأول ما قامت به اللجنة الفرعية من إبداء رأيها في مقترحات النواب، وذلك باستبعاد مقترحات معينة، فيما أكد الثاني على أن التقرير كان يجب أن يحدد عدد المقترحات المقدمة، وماهية كل مقترح.

هذا التجاهل أثار غضب النائب محمد فؤاد، والذي أوضح لـ «مدى مصر» إنه فور إحالة رئيس البرلمان لتقرير اللجنة العامة بشأن مقترح التعديلات الدستورية إلى اللجنة التشريعية في 14 فبراير الماضي، تقدم بمقترح يوضح موقفه منها، فضلًا عن رأيه في آلية تعديلها إلى كل من رئيس البرلمان ثم إلى اللجنة التشريعية، غير أن اللجنة التشريعية لم تدعه لمناقشة هذا المقترح خلال اجتماعاتها أو اجتماعات اللجنة المصغرة.

وأوضح فؤاد أن رئيس البرلمان سبق ودعاه لحضور اجتماعات للاستماع لآراء نواب المحافظات المختلفة حول التعديلات، والتي عبر خلالها عن رأيه في التعديلات، ولكن «يبدو أن الأمر سيتوقف عن مرحلة إبداء الرأي دون أن يتبعه أي تفعيل لهذا الرأي»، بحسب وصفه.

ومن جانبه، اعتبر رئيس اللجنة التشريعية، بهاء أبو شقة، خلال اجتماع اﻷحد الماضي أن «ما ورد في التقرير هو ملخص لكافة المقترحات، وأن اللجنة الفرعية لم تبد رأيًا فيها». وبحسب رأيه، كان هذا التلخيص كافيًا ﻷن «الآراء المقدمة من النواب تحتاج إلى ثلاث سنوات لقراءتها».

الحوار المجتمعي

وعلى جانب آخر، تجاهلت الكثير من الشخصيات الذين وجه لهم رئيس البرلمان علي عبد العال الدعوات الشخصية والرسمية، حضور جلسات الحوار المجتمعي، سواء من القضاة أو أساتذة الجامعات أو ممثلي النقابات، أو حتى من الوزراء والمسؤولين السابقين. وبحسب مصدر بالأمانة العامة لمجلس النواب، فوجئ رئيس البرلمان بهذا الموقف، ما أفرغ الجلسات من مضمونها، وحولها إلى مجرد اجتماعات صغيرة للمؤيدين للتعديلات الدستورية، بحسب المصدر.

حاول عبد العال تدارك هذا الأمر بعد الجلسات الثلاثة اﻷولى للحوار المجتمعي، والتي لم يتجاوز عدد الحضور فيها 100 شخص من أصل 290 كان متوقعًا حضورهم، ممثلين عن الجامعات الحكومية والخاصة، والقضاة، باﻹضافة إلى النقابات المختلفة. بحسب المصدر الذي يشغل وظيفة كبير باحثين، أرسل عبد العال دعاوى شخصية للمعارضين للتعديلات الدستورية، «لإضفاء نوع من التوازن وملء مقاعد قاعة مجلس الشورى خلال التقاط صور الجلسات، والتظاهر بتقبل البرلمان للأصوات المعارضة».

لكن مصادر قضائية في مجلس الدولة والمحكمة الدستورية توقعت أن يخلو تقرير الحوار المجتمعي المنتظر من الإشارة إلى رفض غالبية القضاة لتعديل مواد السلطة القضائية في الدستور.

رئيس إحدى دوائر المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة أوضح لـ «مدى مصر» أن مقاطعة رؤساء جميع الجهات والهيئات القضائية باستثناء أماني الرافعي، رئيسة هيئة النيابة الإدارية، لجلسات الحوار المجتمعي المتعلقة بالقضاء قد يكون سببها اعتراض تلك الجهات والهيئات على التعديلات التي تنال من الجهات القضائية استقلالها المالي والإداري، وتخضعهم لسلطة رئيس الجمهورية ووزير العدل اللذان سيترأسان المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية في حال تمرير التعديلات.

بحسب رئيس دائرة باﻹدارية العليا، والذي رفض نشر اسمه، وجه عبد العال الدعوة لرئيس وأعضاء مجلس الدولة قبل يومين فقط من موعد الجلسة التي عُقدت يوم الخميس 21 مارس.

وحدد المصدر أسباب الاعتذار في سببين. الأول أن دعوة رئيس البرلمان لمستشارين اثنين بعينهم إلى جانب دعوته لرئيس المجلس والأمين العام أثارت غضب وأسئلة بين أعضاء المجلس الخاص للمجلس، الذي يضم أقدم سبعة مستشارين بمجلس الدولة من بينهم الرئيس. السبب الثاني كان محاولة المستشار أحمد أبو العزم، رئيس مجلس الدولة، تفادي الدخول في مواجهة مع مستشاري المجلس الذين فوضوا مجلس إدارة ناديهم في اتخاذ الإجراءات اللازمة للتعبير عن رفضهم للتعديلات، لكونها تسلب اختصاصاتهم في مراجعة مشروعات القوانين قبل إصدارها من البرلمان، ومراجعة العقود التي تبرمها الدولة، فضلًا عن مصادرة الموازنة المستقلة من المجلس.

وبحسب المصدر، اكتفى رئيس مجلس الدولة والأمين العام ورئيس محكمة القضاء الإداري بالاعتذار شفويًا لرئيس البرلمان عن الحضور بحجة انشغالهم بأمور العمل، غير أن المستشار محمد حسام، الرئيس بالمحكمة الإدارية العليا، حرص على إرسال اعتذار مكتوب إلى رئيس البرلمان بسبب تعارض ظروف العمل مع الموعد المحدد للجلسة.

وكشف نائب رئيس مجلس الدولة عن أن قبول دعوة عبد العال كانت ستضع رئيس محكمة القضاء الإداري ورئيس الدائرة الثانية بالمحكمة الإدارية العليا في موضع شبهات. وجاءت مشاركة مجلس الدولة الدولة الوحيدة في الحوار في مذكرة أرسلها المستشار سمير البهي، رئيس نادي قضاته، إلى عبد العال بعنوان «رسالة غضب» أكد فيها على رفض مستشاري المجلس لجميع المواد الخاصة بالسلطة القضائية في التعديلات لمصادرتها لاستقلال القضاء وحيدته وتجرده.

الموقف ذاته اتخذه قضاة المحكمة الدستورية. بحسب مصدر قضائي بالمحكمة الدستورية العليا، أعتذر رئيس وأمين عام المحكمة الدستورية العليا عن تلبية دعوة رئيس البرلمان لحضور الجلسات لعدم التورط في تأييد التعديلات الدستورية، ولعدم تفويت فرصة النظر في أي طعون قضائية تخص التعديلات قد تعرض على المحكمة خلال الأيام المقبلة.

وأكد المستشار محمد الشناوي، نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا الأسبق وعضو لجنة الخبراء العشرة لكتابة دستور 2014، والذي حضر جلسة الحوار، أن الجلسة خلت من حضور أي ممثلين عن المحكمة الدستورية، موضحًا لـ «مدى مصر» أنه حضر الجلسة بصفته الشخصية كقاضٍ وفقيه دستوري وليس ممثلًا عن المحكمة. وأوضح الشناوي أن الأمر نفسه حدث مع المستشار فاروق سلطان، الرئيس الأسبق للمحكمة.

اعلان
 
 
أمينة حسين