طُرق ما بعد الطرق| حوار مع شادي لويس
 
 

التفت مجموعة من الزهور السوداء داخل وثيقة زواج على غلاف رواية «طرق الرب» لـشادي لويس والتي صدرت عن «الكتب خان» هذا العام، في لفة تشبه لفة الملوخية، وتذكرني بأكلة الملوخية يوم الأحد، والمرتبطة ببعض بيوت المسيحيين. نأكلها فتة: نخلط الأرز مع الملوخية والخبز الناشف ومعها البصل المغسول بالخل. هل كتب شارل عقل في كتابه «غذاء للقبطي» الصادر عن الدار نفسها، في 2018، شيئًا عن ملوخية المسيحيين؟ ليس هناك مكان للحديث عن الملوخية في رواية شادي لويس. ولم تكن هذه نية حاتم سليمان مصصم غلاف كتابه، أو هكذا أعتقد. فهذا هو إسقاطي أنا لاعتباري، -حالي كحال آخرين- رواية «طرق الرب» تنتمي لموجة أدبية ملهمة من وعن أقباط مصر، في نقدها للمجتمع القبطي من الداخل، دون التخلي عن السياقات الهيكلية المديرة للتهميش والطائفية.

أجريتُ هذا الحوار مع شادي المقيم في لندن عبر الإيميل، عن أبطاله؛ ما يصفهم وما يمثلونه، في محاولة للبقاء داخل أجواء الرواية، التي لا تنتهي بانتهائها.

لينا عطاالله: هل جعفر كان، من الآخر، ملحد؟

شادي لويس: وأنا بفكر في إجابة للسؤال ده، كنت بحاول أجد تعريف للتدين، تعريف سياسي في المقام الأول، لأنه ده اللي كان شاغلني في «طرق الرب». ولأن الإلحاد هو صفة نفي، زي الكفر، فمحاولة تعريفه من الأفضل تبتدي من ضده، اللي ممكن يكون التدين. وبالصدفة لقيت صديق عامل شير لمقال لغسان الحاج، الأنثروبولوجي الإسترالي اللبناني، واللي بيقول فيه أن التدين الجاد مش بالضرورة هو الالتزام بطقوس بعينها، أو الإيمان بعقيدة ما، بل القناعة بأن هناك قانون إلهي وملزم وتخضع له بقية القوانين. والحقيقة يبدو جعفر لي، دلوقتي، وأنا بفكر فيه بأثر رجعي، أنه الشخصية الأكثر إيمانًا بهذا القانون في الرواية والأكثر إلتزامًا بيه. جعفر كان بلا شك شخص خشن وغضوب، لكن اللي فجّر صدامه مع الكنيسة لم يكن شكه في القانون الإلهي، بل على العكس إيمانه الصارم بيه، بإن فراولة ولإنها لم تنل المعمودية هـ تفضل معلقة بين السما والجحيم، وحتى في هلوساته قبل ما يقرر خطته للانتقام أو إقرار العدالة على طريقته، كانت في معظمها محاولات للتعامل مع القانون ده، لا نفيه، يعني مثلًا فكرة نبش قبرها ومحاولة تعميدها وهي جثة، أو تصور أنها قديسة تظهر له في الأحلام، وده لأن القداسة تتجاوز القوانين وتسمو عليها، وبكده تسمح بالاستثناءات والخوارق، دون كسر القانون نفسه ولا هيبته. وحتى تهديده بحرق الكنيسة، اللي ما تمش، وإن كان نفذه بشكل رمزي بالتحول للكاثوليكية، مؤسسة على فهم بعينه للقانون الإلهي. يعني وبما إن الكنيسة أو المؤسسة الدينية هي تجسد للسماوي في العالم، وبما أن القائمين عليها هم بشر، ممن يحملون مفاتيح السماء، وبما إن العالم قد «وضع في الشرير»، والبشر مولودين بالخطية، فالقانون الإلهي أحيانا كثيرة يتم إساءة تفسيره أو تطبيقه. جعفر يبدو مدركًا لتلك الفوارق بين السماوي والأرضي فيما يخص الكنيسة أو إيمانه، وعشان كده تمرده ما كنش ضد الله أو الدين، بل ضد الشق الأرضي منه، أي إكليروس الكنيسة. لا يتشكّك جعفر للحظة في الله، ولا في نفاذ عدالته. لكن هو كمان كان عارف أنه موضوع الكنيسة هو أمر عالمي صرف أيضًا كما هو روحي، استخراج تراخيص، وموافقات من جهات رسمية، واعتماد من روما، وشراء أراضي، ومباني ومقاولين، وطوب وأسمنت. وعشان كده اللي كان بيدور عليه، بعد صدمة فقْد فراولة للأبد، مش أنه يشترى السما، لكن أن يضمن أنه وكلائها الأرضيين ما يتحكموش فيه، ولا يظلموه، وأنه يضمن إقرار القانون الإلهي، اللي يبدو لي أنه ما كانش شاكك في عدالته.

لينا: هل مرية فعلا مؤمنة، (بالرغم من إنها كاتوليك)؟

شادي: مش عارف إن كانت مؤمنة ولا لأ، ولا متأكد حتى إن كانت كاثوليكية. الإيمان يتطلب قدر ولو بسيط من المثالية، أو زي ما العهد الجديد ما بيعرف الإيمان بإنه «الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لا ترى»، ودي كلها رفاهيات لم تكن متوفرة لمرية ولا تقدر على أثمانها. المستضعفين والواقعين على الدرجات السفلى من السلم الاجتماعي، أي أنها تكون مثل مرية مثلًا: ست وقبطية وريفية، لا يسمح وضعهم سوى بالتعامل مع الواقع الخشن للعالم المباشر والملموس، التحايل عليه، والتواؤم معه، بشكل برجماتي بحت، مرة تكون أرثوذكسية ومرة كاتوليك، ومرة على اسم مرات النبي، ومرة تقول «يا ريتنا كنّا صهاينة»، وترقص على السلالم بشكل دائم. كل اللي كانت عايزاه مرية من الرب هو إن ابنها يتجوز، إنها تلاقي حاجة تشغلها بعد ما طلعت على المعاش، وإنها تعيّد مرتين، مرة منهم زي الخواجات، وببساطة لما جالها الحفيد توقفت عن الذهاب للكنيسة.  لكن بـ ارجع وبـ أفكر إن واقع قاسي زي ده يتطلب بعض الرجاء فعلًا، والثقة فيه والقليل من اليقين فيما لا يُرى، حتى يمكن احتمال العالم، وإن كان ده لا يبعد كتير عن الطريقة الانتقائية التي تعاملت بيه مرية مع الإيمان، ببساطة لا يمكن نفي إيمان مرية عنها، لكن إيمانها يمكن تلخيصه في حقيقة إن خيارها للكنيسة اللي بتروحها ما كنش مؤسس على طايفتها، على قد ما كانت قد إيه قريبة، وتعرف مين هناك، وإيه الأنشطة اللي فيها.

هل شريف بطل عدمي يائس؟ بجد؟

الحقيقة أنا ما فكرتش في شريف بالطريقة دي وأنا بـ اكتب الرواية، بل ربما العكس تمامًا. نص الناشر هو اللي وصفه بإنه عدمي ويائس، وأنا اندهشت شوية، لكن عجبني الموضوع. يعني إني لازم أسلم بإن النص لم يعد ملكي، وأنه هيتقري بأشكال مختلفة، وإن محرر الناشر هو أول قراية، لكن مش بالضرورة هتحدد شكل القرايات اللي بعد كده، يعني فيه ناس بعد ما قرت الرواية كتبوا لي وقالوا إن شريف شخص كوميدي جدًا، وأنهم كانوا بيضحكوا جدا على محاولاته المستميته للتذاكي أو اختلاق معارك مش موجودة. وأنا كنت مندهش برضو، لأني كنت شايف شريف مأساوي، وكنت خايف النص يكون مقبض زيادة عن اللزوم. فطبعًا عجيبة جدًا الطُرق اللي بتتحول فيها النصوص عند القراية. بالنسبة لي شريف كان شخص مدرك لمحدودية إمكانياته في العالم والمساحات اللي ممكن يتحرك فيها، ومنطقي بشكل أكثر من لازم في هذا الخصوص، وربما بسبب خيبات الأمل الكتير السابقة كان لازم يكون جاهز بتوقع الأسوأ دائمًا، ودي غالبًا كانت طريقته لتفادي الصدمات، وإنها ما تكسرهوش. وكان طبعًا عنده شعور بالعجز واضح، ومبرر جدًا في معظم الأحوال.  إلا أنه ومع كل ده حاول وعمل كل ما يمكنه، وكان ساعات بيحتاج زقة من اللي حواليه. يعني قبل بحضور الجلسات مع أبونا، وواظب عليها، واستنفذ كل ألعابه، واستسلم وقدم تنازلات لما كان لازم يعمل كده، وحاول يتفادى الصدامات بقدر الإمكان، وهكذا. شريف ربما كان سلبي شوية، وده برضو مش من باب اليأس أو العدمية، بس من إدراكه لوضعه الهش في منظومات السلطة اللي حواليه، وأنه غالبًا لازم يكون متأخر بخطوة، عشان ما يبقاش في وش المدفع، ويقدر يعيش، ولو على الهامش، وبأقل الخسائر.

هل فعلًا يموت المؤلف بعد نشر نصه؟

يعني هو مقولة الموت دي تبدو دارمية شوية أكتر من اللازم، ودي طبعًا سمة الفلسفة الفرنسية  وسر حلاوتها برضه. وإن كان فيه قدر لا بأس بيه من الفقد بيحصل طبعًا، وقبل النشر كمان. يعني لو قبلنا بالفرضية اللي بتقول إن كل عمل أدبي جزء منه هو سيرة ذاتية مقنعة، فالكاتب بيحول أوقات كتيرة أنه يغطي نفسه في العمل بقدر المستطاع، وأنه يختفي وراء شخوصه ومقولاتهم، وده نوع من الموت بالتأكيد. أما بعد النشر، فالكاتب بيفقد السيطرة على الطرق اللي بيتفهم بيها عمله، أو القرايات المختلفة ليه، وعليه أنه يقبل بالعجز المطلق ده، وإلا يبقى عامل زي كاتب بيخش يجادل القراء على «جودريدز» عشان يقنعهم بإن رأيهم في كتابه غلط، وأنه يستحق تقييم أعلى من كده، أو إنهم مافهمهوش نصه صح.

هل إستر  فتاة حرة؟ محررة؟ بمعنى أنها تلهم فكرة الحرية فينا؟

إستر وضعها أكثر تعقيدًا من غيرها، يعني هي عندها امتيازات الخواجاية البيضا، بمزاجها أو بدون، يعني عندها رفاهية الحركة وحريتها عبر الحدود مثلًا، يكون لها بعض الحماية من بطش الأمن مثلًا، في مصر، أو على الأقل نظريًا، إنها تقرر تساعد اللاجئين والمستضعفين، وتبقى دي وظيفة ومجزية ماديًا كمان، لكن هي نفسها بتتشكك في جدواها أحيانًا، وفي نفس الوقت تبقى بسبب تاريخها العائلي والتاريخ السياسي لبلدها مدركة لأبعاد زي الظلم والمعاناة والكذب والخوف والقمع، وحساسة تجاهها جميعا وعندها إيمان بإمكانية مواجهتها والتغلب عليها، وده خلاها في موضع قوة، أو شجاعة ممزوجة بشعور بالمسؤولية، وإن كان ده في بعض الأحيان خلى قدرتها على تقدير الأخطار والعواقب مش دقيقة بما يكفي. إستر بالنسبة لي، زي بقية شخصيات الرواية، مش شخص أو رمز، بل موقع محدد في شبكة علاقات السلطات، اللي فيها لونك وطبقتك وجنسيتك وجنسك وطائفتك وغيره بيحدد المساحة اللي ممكن تتحرك فيها ونوع الخيارات اللي قدامك وعددها. بلا شك كان عند إستر شعور مبهر بالمسؤولية تجاه العالم وتغييره، فيما يبدو إن اللي اتعرضت ليه كان أثقل من أن تحتمله، كان عليها أن تواجه منظومات من العنصرية والذكورية والقمع السياسي وتعنت الكنيسة وغيره في مكانين في نفس الوقت، وكان الخيار الأخير هو الهرب طبعًا، وهي عملت كده فعلًا، وإن كان يعني في الأخر نجدها في طريقها إلى التعافي أو في نصه.  

نفهم من ذلك أن الرواية بمثابة خريطة لعلاقات القوة داخل مجتمع ما، وبينه وبين الدولة؟ وإن كان ذلك هو الوضع، فكيف تعاملت مع تعقيد فكرة القوة والتقاطعات المختلفة التي تتخللها من جنس وطبقة ولون بشرة وغيرها؟

أظن أن أي نص هو موقع لعلاقات القوة في حد ذاته، يعني اللغة اللي إحنا بنستخدمها ودلالالتها وطريقة رسم الشخصيات، كل ده متحمل بأحكام قيمة وتواريخ طويلة سابقة وفرض تصورات بعينها أو تنميطات ومقاومتها وخلافه. هـ يكون من باب المبالغة الادعاء أن «طرق الرب» بترسم خريطة لعلاقات القوة، لكن بتكشف عبر ومضات هنا وهناك عن بعض نقاط تلاقي خطوط القوة دي، في لحظات بعينها، ولأشخاص بعينهم في سياقات خاصة. وربما كان واحد من أهدافي -وأنا بكتبها- أنه أقول إنه الشبكة دي صعب رسمها بدقة، وإن جزء من سطوتها وقسوتها هو تشعبها وسيولتها وعشوائيتها وغموضها، وعشان كده ألغاز كتيرة فضلت بدون حل. ودي كانت بالظبط طريقتي في التعامل مع تعقيد التقاطعات دي، أنه ما انشغلش بتفصليها بشكل دقيق، أو محاولة رسم خريطة ثابتة ليها. يعني إستر في لحظة ممكن تكون في موقع قوة لأنها تحمل جنسية أوروبية وفي التانية ضحية لأنها ست. وشريف في النهاية يبدو أنه فلت من سلطة الكنيسة وسلطة القمع الأمني، وفي النهاية الضربة جت له من سلطة تانية خاصة، ما كنتش في الحسابات على الإطلاق.   

هل علاء خائن؟ مش بمعنى يهوذا، بمعنى أكثر سلبية؟

أحد القراء كتب لي رسالة قال فيها إنه عرف مين اللي بلغ عن شريف وأصدقائه، وبما أنه عارف أن الرواية فيها جزء مؤسس على أحداث حقيقية، وخمن أن بعضها سيرة ذاتية، فهو حذرني وقال لي أبعد عن علاء، ودي كانت واحدة من ألطف الرسايل اللي جت لي بخصوص الرواية، وأكثرها كوميدية في نفس الوقت. وأنا الحقيقة ما فكرتش في علاء بصفته خائن أبدًا، على العكس تمامًا أنا شايف أنه كان مخلص تمامًا، مش للي حواليه بس، لكن لمبادئه، وللأصول والالتزام بالقواعد، يعني هو كان شايف أن النتايج أو الأهداف لا تبرر الوسايل، وده خلاه أقل تمردًا طبعًا وانصياعًا للمنظومة القايمة، لكن مش من باب الخيانة ولو حتى السلبية، بل على العكس من باب المثالية، طبعًا في شكوك دارت حواليه وربما يكون هو بشكل غير مباشر ورا جزء من اللي حصل وهو اعترف بده. لكن كل ده لم يكن وراه أي سوء نية على الإطلاق. المزعج في شخصية علاء طبعًا هو اللحظات اللي بيتقمص فيها دور السلطة على اللي معاه، الصفاقة والعنف المعنوي اللي ربما يكون مدفوع باهتمام حقيقي بمصائر اللي حواليه، وإحساسه بالمسؤولية تجاههم وعنهم، وأنه أقدرهم على إدارة الأمور. وفي ده يبدو علاء بيتماهى مع عنف السلطة وقسوتها، بصفته النموذج المتاح حواليه، ومبرر بالنسبة له من باب الصراحة والعمل بحسب الأصول.

هل مايكل شخص وفي سياسيًا؟

مايكل هو أكثر شخصيات الرواية مثالية، بالنسبة لي، وربما أكثرهم هشاشة أيضًا، بسبب وضعه في هرم علاقات السلطة، يعني أن تكون لاجيء أسود ومسيحي في مصر في الوقت اللي بينتهي بمذبحة ميدان مصطفي محمود. ولأن مايكل مثالي، ولديه شعور عميق بالكرامة، فبعد ما حصل ليه في القسم من مهانة وانتهاك، وما اعتبره هو مسؤوليته عن اللي حصل لجميع رفاقه بعد كده، فأصبح غير قادر على احتمال وجوده بالشكل ده، وبكل هذا العجز، وعشان كده بقى طموحه هو الموت، هو عمليًا كان يبدو وكأنه بيدور عن الانتحار، يعني بعد ما تمّ تحذيره من إن يروح اعتصام اللاجئين ليلة رأس السنة، أصر على كده، وفي النهاية فتطوعه في الجيش الأمريكي في العراق كان صورة معنوية من الانتحار ده، اللي نجح فيه في الآخر، لأنه ببساطة الانتحار يبدو هو الخيار الأخير للعاجزين والمقهورين للتعبير عن الإرادة في أكتر صورها قوة وعدمية وانتقامًا.

تتنقّل «طرق الرب» بين دواخل السياسة والدين بمنطق نقدهما. كيف تتقاطع تلك الدواخل؟

بالنسبة لي مفيش فصل بين السياسة والدين، السياسة تحتوي كل شيء، فأنا أظن أنه كل ما هو اجتماعي هو سياسي بالضرورة وكل ما هو فردي هو سياسي أيضًا. وعشان كده ما باشوفش الأمر على أنه تقاطع، بل أن الدين واحد من أوجه السياسة الكثيرة. وأنا أقصد هنا السياسة بمعناها الواسع يعني تنظيم العلاقة بين الأفراد وبينهم وبين السلطة، وبوصف السياسة كمنظومة للسلوك المثالي وفرضه بقواعد للثواب والعقاب، وكذلك السياسة كمنظومة للتصنيف ووضع الناس في مجموعات ودرجات، وتشكيل هويات بعينها وفرضها وطرق مقاومة ده أو المطالبة بيه، وغيره. وعشان كده «طرق الرب» بتطرح حكاية لأفراد واقعين داخل شبكة من علاقات السلطة يتقاطع فيها الأمن مع الكنيسة والسلطة السياسية المباشرة والسفارات والتنميطات العنصرية والطائفية والمواريث العائلية وخلافه.

تبتعد «طرق الرب» كل البعد عن مظلومية الآخر، المهمش، ولكنها تتطرّق لآخرين اثنين بعينهما: المسيحي واللاجئ. كيف يتقاطعان؟ وبالمناسبة، من أين أتيت بأن يكون الحدث السياسي في الرواية هو اعتصام مصطفى محمود، وهو الحدث المنسي بشكل عام من الوعي الجمعي؟ لماذا تذكرته أنت؟

كنت بـ اركب الميكروباص كل ليلة تقريبًا من رمسيس لعين شمس، وده كان في 2004 و2005، وكان في شرق القاهرة تركز كبير للجالية السودانية، من جنوب السودان بالأخص، فما كانش من النادر إننا نقابل شباب منهم واقفين مستنيين الميكروباص على الطريق، وكانوا السواقين بيرفضوا يركبوهم، إلا يعني لو العربية فاضية تمامًا، إما لأنهم بيتشأموا منهم بسبب لونهم أو لأنهم «نجسين» لأنهم بيبقوا شاربين. في مرة وقف الميكروباص وركب شاب أسمر طويل جدًا، كان واضح أنه من جنوب السودان، والعربي بتاعه مكسر شوية، وابتدا السواق يسخر منه ويناديه «يا مايكل»، «أنت سكران يا مايكل»، «أنت مش عارف إن الخمرة حرام يا مايكل؟»، وكان الشاب بيرد عليه رد واحد بس «أنا اسمي مش مايكل»، المهم يعني جزء من المعاملة اللي تم التعامل بيها مع اللاجئين السودانيين في مصر، كانت مؤسسة على إنهم مسيحيين، اسمهم مايكل وبيشربوا. اللاجيء السوادني كانت مأساته مش أنه غريب وبس، وبلا بلد، ولونه مختلف، لكن لأنه المفترض فيه أنه المسيحي، الواضح أيضًا للعين المجردة، السهل تبينه واستهدافه.

أنا سبت البلد بعد مدبحة مصطفي محمود بكام شهر، وكنت وبالصدفة ساكن على بعد خطوات من الميدان لما بدأ الاعتصام ولغاية ما اتفض، فتابعت الموضوع عن قرب، وكان ده أفدح وأهم حدث سياسي مرتبط في ذهني بمصر. طبعًا حصل حاجات كتيرة بعد كده في مصر أفدح وأكثر أهمية، لكن ظل مصطفي محمود هو الحدث الأكثر شخصية بالنسبة لي. الأهم من الجانب الشخصي في الموضوع، أن مصطفي محمود كان الحادثة الأولى والأكبر، اللي كنت شاهد عليها، اللي الدولة فيها بتواطؤ شبه كامل من المجتمع والأهالي وسائل الإعلام بما فيها الخاصة وممثلين ومذيعين تقوم بعمل مجزرة بكل معنى الكلمة، ودون مبررات أو ضرورة، وبدون أي تبعات على الإطلاق، وتكون «منسية» بهذا الشكل. الموضوع كان صادم بالنسبة لي، وبنيت عليه تصورات على اللي ممكن يحصل بعد كده، في ماسبيرو وفي رابعة (وأنا كنت نشرت مقال في مدى مصر عن رابعة بيقارن بينها وبين مصطفي محمود)  وطبعا التدرج في قُرب الضحايا واضح، يعني تقتل واحد أسود وأجنبي ومسيحي الأول، فالموضوع يعدي، وبعدين الأقباط تاني خطوة، وبعدين مذبحة المسلمين اللي مش متفقين معاهم سياسيًا، وبنفس الآليات وبنفس التواطؤ وهكذا.  عشان كده أنا حاطط زي ما بتقولي الاعتصام بوصفه الحدث السياسي الرئيسي، لأنه أي محاولة لفهم عنف الدولة اللي حصل في الثورة وبعدها لازم يبدأ من هنا.

هل «طرق الرب» مستوحاة من الكتاب المقدس في اختياره لسرد نفسه بطريقة سرد تاريخ الآباء؟

دي غالبًا حيلة من شريف، عشان يثبت لأبونا أنطونيوس علاقة اللي بيقوله بالكتاب المقدس. لكن الحكايات بصورها سواء الشعبية أو الأدب دايمًا بتمشي بهذا التسلسل، مش بسبب أنه ده قالب متعارف عليه أو بسبب تقدير متوالية الزمن بوصفها النظام الطبيعي للأشياء، لكن للقناعة بإن جزء كبير من مصائرنا وقصصنا بتحددها قصص ومصائر وقرارات سابقة لينا، يعني قصص اليتم وقرارات التمصير في عهد عبد الناصر وخناقات الجد مع قسيس الكنيسة ونشاط الإرساليات البروتسانتية في مصر وتأسيس إسرائيل وحروبنا معاها وغيره وغيره كل ده حدد ورسم جزء كبير من مصير شريف وحكايته، هو شخصيًا. وعشان كده طريقة السرد دي ترتبط عندي بفهمي للطريقة اللي بيتشكل بيها عالمنا وبنتصوره، اللي هي «البنيوية الاجتماعية»، أكتر منه تأثرًا بطريقة سرد تاريخ الآباء الكتابي.

في الآخر هل أنت شادي لويس؟ أم شادي لويس بطرس كما تقول صفحتك على فيسبوك؟ أم شادي أسعد كما يقول إيميلك؟

شادي لويس، يعني ده الاسم اللي الناس في التعاملات اليومية تعرفني بيه، في المدرسة والجامعة. إنما شادي أسعد ده بس في جواز السفر والأوراق الرسمية في بريطانيا.

اعلان
 
 
لينا عطاالله