كمائن وتحويلات وظلام.. أشباح الموت على طريق «العريش-القنطرة»
 
 
صورة أرشيفية
 

حالة من الغضب سيطرت على أهالي مدينة العريش بعد تكرار الحوادث على الطريق الدولي «العريش/القنطرة»، والتي كان آخرها، الخميس الماضي، حيث قُتل رجل وزوجته وطفلان، وأُصيب ستة آخرون بينهم أطفال ونساء، بسبب تحويلات في الطريق أقامتها الأجهزة الأمنية لمنع تنظيم «ولاية سيناء» من نصب كمائن له.

صباح الخميس الماضي، اصطدمت سيارتان (ملاكي) على الطريق الدولي «العريش/القنطرة»، ما أسفر عن مقتل رجل وزوجته على الفور، وأُصيب تسعة آخرين بينهم نساء وأطفال، وفي اليوم التالي، تُوفي طفلان من المصابين لم يتعد عمرهما 10 سنوات، متأثرين بجراحهما.

وقع الحادث في المنطقة ما بين ملاحات سبيكة وقرية الروضة، بعد أن أغلقت قوات الأمن مؤخرًا حارة الطريق المتجهة إلى مدينة العريش وإجبار جميع السيارات على السير في حارة الطريق المتجهة لمدينة بئر العبد، وذلك على إثر قيام «ولاية سيناء» بعمل كمين على الطريق بالقرب من ملاحات سبيكة في يناير الماضي، وخطف قبطي يعمل في وحدات رفع البصمات التابعة لقسم البحث الجنائي في مديرية أمن شمال سيناء.

ومنذ عام 2017 مثلت مناطق غرب العريش جبهة جديدة لتنظيم «ولاية سيناء» الذي ينشط في شمال سيناء، ومنذ أغسطس 2017 وحتى يناير الماضي مثلت المنطقة الواقعة بين قرية الميدان، آخر قرى مدينة العريش، وحتى قرية التلول، مرورًا بقريتي مزار والروضة التابعين لمدينة بئر العبد ومحيط ملاحات السبيكة، وجميعها واقعة مباشرة على الطريق الدولي «العريش/القنطرة»، خطرًا حقيقيًا على المدنيين وأفراد الجيش والشرطة بسبب قيام «ولاية سيناء» بنصب كمائن على الطريق الدولي، قُتل فيها عسكريين ومتعاونين مع القوات المسلحة وأفراد شرطة وخطفت سيارات حكومية.

ومع بداية «العملية الشاملة» في فبراير 2018 أقامت القوات المسلحة ارتكازات عسكرية فوق الهضاب الرملية المطلة على الطريق الدولي في الاتجاهين الشرقي والغربي، بداية من قرية الميدان وحتى قرية التلول، ويفصل بين كل ارتكاز والآخر مرمى النظر فقط، ولكن لم تحد تلك الارتكازات الجديدة من ظهور المسلحين على الطريق الدولي بسبب وجود منحنيات على الطريق بين الهضاب الرملية لا تكشفها الارتكازات العسكرية الجديدة، ما دفع القوات لعمل تحويلات في الطريق وإغلاق امتدادات الطريق التي لا تكشفها الارتكازات العسكرية ويستغلها مسلحو «ولاية سيناء» في عمل كمائن لهم على الطريق، ومن ثم الاقتصار على اتجاه واحد تسير فيه جميع السيارات سواء الخارجة من العريش أو القادمة إليها.

يتكون طريق «العريش/القنطرة» من طريقين متباعدين أحدهما في اتجاه مدينة القنطرة شرق (الاتجاه غربًا) والآخر في اتجاه مدينة العريش (الاتجاه شرقًا) ويفصل بينهم على امتداد الطريق كثبان رملية وفي بعض المناطق أشجار نخيل وفي بعض المناطق سبخات ملاحات، يمتد قرابة 150 كيلومترًا، ويمر بمدينة بئر العبد التي تبعد عن مدينة العريش قرابة 80 كيلومترًا غربًا.

ويعاني الطريق من حالة متردية للغاية بسبب هبوط في الأسفلت وحفر منتشرة على امتداده بسبب التفجير المتكرر للعبوات الناسفة في الآليات الشُرطية والعسكرية، فضلًا عن تهالك شبكة الإنارة وظلام الطريق بالكامل، وقيام أجهزة الأمن مؤخرًا بعمل تحويلات وإغلاق أجزاء من الطريق في الاتجاهين، وتغيير مسارات السَير بعد كمائن ولاية سيناء المتكررة خاصة في المنطقة الواقعة من ملاحات سبيكة وحتى قرية التلول.

ويتضمن الطريق الدولي غرب العريش ثلاث تحويلات أُقيمت لأسباب أمنية، التحويلة الأولى بعد ارتكاز الميدان العسكري، والتحويلة الثانية قبل ارتكاز شُرطي في منطقة الكيلو 17، والتحويلة الثالثة هي الأخيرة التي أقيمت بالقرب من ملاحات السبيكة، فضلًا عن إغلاق الطريق أمام قرية الروضة منذ مذبحة مسجد الروضة في نوفمبر 2017.

حادثة الخميس الماضي، التي وقعت على الطريق غرب العريش، لم تكن الأولى التي تقع في نفس المنطقة بسبب تحويلات الطرق وسير السيارات في الاتجاهين على طريق واحد بسرعات عالية في الظلام. ذكرت مصادر طبية لـ«مدى مصر» أن سيارات الإسعاف نقلت خلال الفترة الماضية مصابين نتيجة حوادث تصادم بين سيارات وقعت في نفس المنطقة بين ملاحات سبيكة وقرية التلول.

رسم توضيحي لتحويلة على طريق «العريش-القنطرة»

بحسب المصادر الطبية، في 5 فبراير الماضي اصطدم ميكروباص أجرة يحمل 14 راكبًا بكومة رمال مرتفعة وضعت لإغلاق الطرق، ونُقل جميع الركاب والسائق لمستشفى العريش، وفي 2 مارس اصطدمت سيارة نقل ثقيل تحمل كميات من الخضراوات بسيارة نقل تحمل اسطوانات أنابيب، وأصيب 3 أشخاص، ويوم الجمعة الماضي انقلبت سيارة التغذية المدرسية وكانت محملة بالسكر والزبدة في طريقها لمدينة العريش، وأصيب السائق.

آخر تلك التحويلات كان عَقب قيام تنظيم «ولاية سيناء» بنصب كمين على الطريق الدولي بالقرب من ملاحات السبيكة في 17 يناير الماضي، في حارة الطريق الخارج من العريش في اتجاه مدينة بئر العبد، واختطفوا قبطيًا يعمل خبيرًا في وحدة البحث الجنائي في مديرية أمن شمال سيناء.

وفي الخامس من فبراير الماضي، وضعت أجهزة الأمن أكوام جديدة من الرمال على الطريق لعزل المنطقة التي أُقيم فيها كمين ولاية سيناء الأخير، وهي التحويلة التي وقعت كل الحوادث السابقة في محيطها.

مثلت تلك التحويلات خطرًا دائمًا لمرتادي الطريق الدولي بين العريش وبئر العبد خاصة لمن لا يعلم مكانها ويقوم بالسفر أثناء الليل، فضلًا عن تنفيذ أجهزة الأمن لتلك التحويلات دون سابق إنذار وعدم الإعلان عنها، في ظل ظلام الطريق بسبب تهالك شبكة الإنارة على امتداده وعدم وضع لوحات إضاءة ليلية قبل أكوام الرمال التي يُغلق بها بعض من امتدادات الطريق، ما يؤدي إلى وقوع الحوادث، خاصة أنه طريق دولي سريع تسير عليه السيارات بسرعات عالية.

محافظ شمال سيناء، اللواء محمد عبد الفضيل شوشة، أكد خلال حديثه الأسبوعي مع إذاعة شمال سيناء، الخميس الماضي، أن أجهزة الأمن مُجبرة على عمل تلك التحويلات في الطريق «لأن إحنا بنحمي الناس من العناصر الإرهابية».

شاب من مدينة العريش قال لـ«مدى مصر» إنه كان في طريقه لمدينة العريش بسيارته الخاصة يوم 5 فبراير الماضي، بعد رحلة علاج لوالده قضى فيها قرابة الشهر خارج شمال سيناء، وأثناء سيره على الطريق لمح أنوار في الأفق في وسط الطريق وعندما اقترب وأبطئ سرعته فوجئ بمدرعة أمنية ولودر يقوم بإغلاق الطريق للقادم إلى العريش بالقرب من ملاحات السبيكة، وطالبه الضابط بالرجوع والبحث عن أي وصلة بشكل عرضي للدخول في الحارة الأخرى لأن الطريق قد أُغلق.

يؤكد الشاب أن ضوء اللودر هو ما أشار إليه بأن في الأفق شيء ما، ولو كان كومة الرمال وضعت ورحل اللودر والمدرعة كان ارتطم في كوم الرمال بسبب الظلام الدامس للطريق وعدم وجود أي إشارات ضوئية تشير إلى إغلاق الطريق.

الليلة الأولى لوضع كومة الرمال التي أُغلق بها الطريق، كانت ليلة الخامس من فبراير الماضي، التي اصطدم فيها الميكروباص ونُقل ركابه إلى مستشفى العريش.

أرجع محافظ شمال سيناء وقوع الحوادث في مناطق التحويلات إلى السرعة الزائدة التي تسير بها السيارات، معقبًا على حادثة الخميس الماضي أن «الحادثة دي العربيات دخلت في بعض وش في وش يعني مافيهاش عيب طريق، التفسير الوحيد إن أحد السائقين كان نايم».

ولكن حتى السرعات الزائدة على الطريق يرى البعض أن لها مبررًا خاصة في حالة شمال سيناء.

هشام محمد، سائق سيارة أجرة «العريش/المَرج»، يؤكد لـ«مدى مصر» أن هناك عاملين أساسيين يجبرون السائقين سواء ملاكي أو أجرة أو نقل ثقيل للسير بسرعة، أولهما حالة حظر التجول التي تبدأ في الواحدة صباحًا من كل يوم، وثانيًا الزحام الشديد على المعديات.

ويضيف أن معظم من يسير على الطريق ليلًا دائمًا يحاول الوصول في أسرع وقت حتى يتفادى وجوده على الطريق بعد بدء حظر التجول ويضطر للمبيت عند كمين الميدان غرب العريش. وبالتالي، الزحام على معديات قناة السويس والذي يسفر عن انتظار السيارات بالساعات قد تصل إلى 6 ساعات متواصلة فقط للعبور من المعدية في أي من الاتجاهين، يؤدي إلى أن البعض يعبر للقنطرة شرق في اتجاه العريش في أوقات متأخرة، مثلًا الساعة التاسعة مساءً فيضطر إلى السير بسرعة حتى يصل العريش قبل حظر التجول.

ويشير محمد إلى سبب آخر ينتج عنه الحوادث، وهو أن بعد عمل التحويلات يكون في بعض المناطق طريق واحد تسير فيه السيارات في الاتجاهين، وبسبب ظلام الطريق تُضيء السيارات أنوارها المرتفعة ما ينتج عنه تعذر الرؤية وانقلاب السيارات أو اصطدامها ببعضهما.

تلك التحويلات المفاجئة في الطريق، جعلت سائقي سيارات الأجرة دائمًا على اتصال ببعضهم لمعرفة أي مستجدات مفاجئة على الطريق، بحسب السائق الذي تحدث لـ«مدى مصر»، مشددًا على أن الطريق حاليًا أصبح خطرًا للغاية، خاصة في الليل، وينصح أصحاب السيارات الملاكي بالسفر في النهار تجنبًا للحوادث وإغلاقات الطريق المفاجئة.

محافظ شمال سيناء، أكد خلال حديثه مع إذاعة شمال سيناء، أن العمل على إضاءة الطريق حاليًا صعب للغاية بسبب قطع الكابلات، مشيرًا إلى أنه سوف يتم عمل صيانة شاملة للطريق عَقب افتتاح أنفاق قناة السويس.

تحويلات الطريق والظلام وعدم وجود لوحات مضيئة استرشادية، ليست هي الخطر فقط، ولكن عامل آخر أكثر خطورة وهو محاولة التوقف على الطريق لأي سبب في المنطقة بعد كمين الميدان وحتى قرية التلول، لأن الكمائن العسكرية المقامة فوق الهضاب الرملية المطلة على الطريق لا تسمح بالتوقف وتفتح النار مباشرة على أي سيارة تقف، بحسب روايات اثنين من أهالي العريش.

شاب من مدينة العريش، يعمل مهندس كهرباء، ذكر لـ«مدى مصر» أنه في يناير الماضي كان في طريقه لمدينة العريش بسيارته الخاصة، وبالقرب من قرية الروضة انفجر أحد إطارات السيارة، ولكنه تمكن من السيطرة عليها وتوقف على جانب الطريق.

وبحسب الشاب، بمجرد نزوله من السيارة انطلقت زخات من الرصاص في محيطه، منها ما اخترق هيكل السيارة، مشيرًا إلى أنه كان يضيء أنوار صالون السيارة وكان داخلها زوجته وأطفاله، ومن المفترض أن الكمائن مزودة بمناظير رؤية ليلية تكشف كل شيء، ولكن على الرغم من ذلك تعرض لإطلاق رصاص شديد، ما أجبره على مواصلة السير بالإطار المنفجر حتى كمين الميدان العسكري، وهي مسافة تقدر بقرابة 35 كيلومتر.

شاب آخر من مدينة العريش، أكد لـ«مدى مصر» أنه ووالده تعرضا لإطلاق رصاص شديد بعد قرية الروضة بقليل في اتجاه مدينة بئر العبد، بعد أن اضطروا لتوقيف السيارة على جانب الطريق بسبب انفجار أحد الإطارات، لكن لم تمر سوى لحظات على التوقف حتى أُطلقت تجاههم طلقات تحذيرية بغزارة، اضطرتهم للسير بالسيارة حتى مدينة بئر العبد قرابة 40 كيلومتر على إطار بدون «كاوتش» أيضًا.

اعلان