خدعة زيادة الأجور.. ما لم يخبرنا به السيسي
 
 

«أنا عارف أن ده هيأثر على ميزانية الدولة لكن أنتوا استحملتوا كتير» قالها الرئيس عبد الفتاح السيسي في خطابه أمس، السبت، خلال مشاركته في احتفالية الأم المصرية، الذي أعلن فيه عن عدد من الإجراءات المرتبطة بمخصصات الأجور، على رأسها رفع الحد الأدنى لأجور العاملين في القطاع الحكومي من 1200 إلى 2000 جنيه، ليصل إجمالي مخصصات الأجور في الموازنة الجديدة إلى 300.5 مليار جنيه، وفقًا للسيسي.

واعتبرت وزارة المالية في بيان أصدرته أمس أن قرارات الرئيس تلك «تعكس تقديره لتضحيات شعب مصر العظيم»، لكن خلف هذا الخطاب الذي يوحي بسخاء حكومي بالغ في الإنفاق على الأجور الحكومية، تخفي الأرقام عددًا من الحقائق قد تكشف على العكس عن تقتير بالغ، فضلًا عن تراجع في القيمة الحقيقية للحد الأدنى للأجر في ضوء ارتفاع أسعار السلع والخدمات.

صندوق النقد أول من يعلم

يوضح تقرير صندوق النقد الدولي عن مراجعته الثالثة لأداء «برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري»،  والصادر في يوليو من العام الماضي أن توقعاته بشأن حجم مخصصات الأجور في الموازنة المصرية في عام 2019-2020 تبلغ 306 مليار جنيه، ما يعني أن ما أعلنه الرئيس اليوم من زيادة في مخصصات الأجور في صيغة تبرز الأمر كمفاجأة سعيدة هو أمر متفق عليه بالفعل مع صندوق النقد الدولي قبل الإعلان عنه بتسعة أشهر على الأقل، بل وأن ما أعلن اليوم يقل أصلًا عما كان متفقًا عليه مع الصندوق.

ويمثل «برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري» الإطار المتفق عليه بين الطرفين حول القرض الذي حصلت عليه مصر بنظام «تسهيل الصندوق الممدد» والمبرم بين مصر والصندوق في نوفمبر من عام 2016.

ويشار في هذا السياق، إلى ما ينص عليه الاتفاق أصلًا من تقليص الإنفاق على الأجور الحكومية في الأساس عبر إصدار قانون الخدمة المدنية الذي مهد الطريق، ضمن عدة تدابير تقشفية أخرى، للحصول على موافقة الصندوق على الاتفاق الذي ينص على إقراض مصر 12 مليار دولار عبر ستة شرائح تنتهي في يونيو القادم.

ويوضح تقرير المراجعة الثالثة انخفاض مخصصات الأجور كنسبة للناتج المحلي الإجمالي من 7.9% في 2015-2016 -الذي شهد توقيع الاتفاق بين مصر والصندوق- إلى 5% في 2018-2019 ومن المتوقع أن تكون تصل نسبته إلى 4.9% في 2019-2020.

وأرجع صندوق النقد توقعاته بشأن الأجور في التقرير إلى ما قال إنه احكامًا للسيطرة على نمو الأجور الأساسية، والسيطرة الشديدة على العلاوات والبدلات، والتحكم في عمليات التوظيف الجديدة، و«مواصلة تحديث إطار التوظيف الحكومي التزامًا بقانون الخدمة المدنية».

أرقام تخفي أكثر مما تكشف

ولا تمثل المخصصات المقررة للأجور -وفقًا لتصريحات السيسي أمس- أي ارتفاع استثنائي في مخصصات الأجور خلال المدة من 2010-2011 حتى العام المالي المقبل، بل أن نسبة الزيادة الجديدة في مخصصات الأجور تقل عنها في العام السابق. كما يلاحظ في المقابل أن الفترة التي شهدت ذروة الانخفاض في معدلات ارتفاع مخصصات الأجور هي التي شهدت في المقابل ذروة ارتفاع معدلات التضخم في أسعار المستهلكين – والتي تزامنت مع فرض عدد من التدابير ذات الأثر التضخمي للمرة الأولى على رأسها ضريبة القيمة المضافة وتحرير سعر الجنيه كما يظهر في الشكل التالي.

المصدر: الموازنة العامة للدولة وتقديرات صندوق النقد الدولي وتصريح رئيس الجمهورية وحسابات مدى مصر، المستندة إلى تقدير الإنفاق الفعلي لمخصصات الأجور في العام المالي الجاري، والبالغة 270 مليار جنيه وفقا لتصريح الرئيس بدلًا من 266 مليار جنيه كان قد تضمنها مشروع الموازنة للعام الجاري

وبصورة عامة شهدت الفترة من 2014-2015 وإلى الآن تراجعًا كبيرًا في متوسط معدل الارتفاع في مخصصات الأجور سنويًا ليبلغ 9% تقريبًا مقابل نسبة تجاوزت 20% في الفترة التي امتدت من اندلاع ثورة يناير حتى 2013-2014.

وكان الرئيس السيسي قد انتقد سابقًا ما قال إن الثورة قد تسببت فيه من تضخم في مخصصات الأجور، الأمر الذي أدى بدوره، وفقًا للسيسي، إلى ارتفاع  كبير في الدين الداخلي.

كم تبلغ الزيادة الحقيقية؟

وبينما يمثل الارتفاع في الحد الأدنى للأجور 66% في الفترة من مطلع 2014 حين طبق 1200 جنيه حد أدنى، وحتى ما أقره السيسي بالأمس كحد أدنى جديد، فإن الرقم القياسي لأسعار المستهلكين في الفترة المناظرة، بين يناير 2014 وفبراير 2019، أظهر زيادة بنحو 107% في معدل التضخم خلال فترة المقارنة، ما يعني تراجع القيمة الحقيقية للحد الأدنى، والتي تشير إلى ما يتيحه هذا المبلغ من قدرة على شراء السلع والخدمات، كما في الشكل التالي.

المصدر: البنك المركزي المصري وحسابات مدى مصر

اعلان
 
 
بيسان كساب