الخطأ المتكرر للمعارضة المصرية بعد 30 يونيو 2013

جنبًا إلى جنب مع الأمراض المزمنة المعروفة جيدًا للمعارضة السياسية (غير الإخوانية أو السلفية ،التي لديها بدورها أمراضها العضال) في مصر ، فمن الواضح أن هذه المعارضة أصيبت بمرض جديد بعد 30 يونيو 2013، وما ترتب على ذلك اليوم من تطورات وأحداث سياسية.

نستطيع أن نشخص هذا المرض بأنه قصور نظر غير إرادي، وليس قصر نظر اختياري أو إرادي، أو يمكن وصف هذا المرض بأنه تفكير بالتمني، وتحليل مثالي؛ أي بمنهج ما ينبغي أن يكون بعد ثورتين شعبيتين عظيمتين في عامين، وفقًا للتعبير الأثير لدى غالبية المصدومين مما آلت إليه الأوضاع .

أدت تلك المثاليات وذلك القصور في النظر إلى خطأ استراتيجى، يتمثل في عدم التقدير الكافي لعزيمة الرئيس عبدالفتاح السيسي، على فرض رؤيته على الجميع، وعلى انتهاج كافة السياسات، واستخدام كل الأدوات لتنفيذ تلك الرؤية، دون خلجة من شك، أو لحظة من تردد، ودون قيد من مشاركة، أو مطالبة أو نقد.

لقد فشلت المعارضة، كأحزاب وشخصيات مستقلة وناشطين، في قراءة ترتيب المشهد قبل انتخابات الرئاسة الأولى في مايو 2014، بخروج أو إخراج كل الوزراء ذوي الخلفية السياسية من الحكومة، وكان من نتائج هذا الفشل أن المعارضين افترضوا أنه يمكن تدارك ما فاتهم في الانتخابات البرلمانية ثم المحلية، وهنا أيضًا تكرر الخطأ، وساد قصور النظر، حيث توقعوا انتخابات مفتوحة، حتى صيغت قوانين الانتخاب وإجراءاتها على النحو الذى بات معروفًا في نهاية العملية الانتخابية، وهنا راهن المعارضون على الانتخابات المحلية التي أُجِلَت ثم أُجِلَت ثم أُجِلَت ثم نسيت.

بدلًا من أن يعيد سياسيو المعارضة وقادة الرأي استقراء المشهد، ليستخلصوا أن الرجل لا تنقصه العزيمة ولا القدرة على السير وحده، وإبقاء كل الآخرين على الهامش، وجدنا هؤلاء السياسيين يتحدثون عن فرصة جديدة في الانتخابات الرئاسية في عام 2018، ويتسابق بعضهم للترشح، بل وتنقسم بعض الأحزاب من داخلها حول تأييد هذا المرشح أو ذاك، وكأن أحدًا من هؤلاء المرشحين يملك فرصة حقيقية أو شبه فرصة للمنافسة، فضلًا عن الوصول للسلطة، ولذا فوجئوا -حيث لا مفاجأة- بما جرى للفريق أحمد شفيق، والفريق سامي عنان، والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح.

ثم تكرر الخطأ بحذافيره عندما صدم الكثيرون من خطة تعديل الدستور لضمان بقاء الرئيس في منصبه أطول مدة ممكنة، وكأن ذلك لم يكن واردًا، أو في الحقيقة مؤكدًا.

كل هذا مع أن الرجل قال بوضوح في أكثر من مناسبة إن مصر تحتاج 25 سنة على الأقل لإنجاز التحول الديمقراطي، في تحليل يماثل رؤية الجنرال فرانكو للتطور السياسي في إسبانيا بعد الحرب الأهلية، وسنعود إلى هذا النموذج الإسباني بعد قليل.

لم يقتصر الخطأ في إدراك تصميم الرئيس السيسي على ما يريده دون حلول وسط، و دون الاهتمام بالآراء المعارضة، على ترتيب المشهد السياسي في ما يتعلق بالسلطة في جميع مستوياتها، ولكنه امتد أيضًا إلى كل سياسات النظام؛ فحينما حاولت المعارضة اختبار هذا التصميم في أزمة تسليم جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية، تحول هذا الاختبار إلى كابوس للمعارضة الحزبية وغير الحزبية، وأصبح الهم الأكبر هو إطلاق سراح الشباب الذين حوكموا وسجنوا بتهمة التظاهر احتجاجًا على اتفاقية تسليم الجزيرتين، فيما أجهضت استراتيجية المعارضة باللجوء إلى القضاء لإبطال تلك الاتفاقية.

كذلك جرت الأمور في السياسات الاقتصادية، خاصة في ما يتعلق بإلغاء الدعم على كثير من السلع الاستهلاكية، وفي مقدمتها الوقود، والكهرباء، وهو ما تكرر في مشروع العاصمة الإدارية، ومن قبل في مشروع تفريعة قناة السويس.

نذكر الآن بما سبق أن قلناه من أن الخطأ الذي نتحدث عنه ناتج عن قصور النظر، والتفكير بالتمني، أو القياس على ما ينبغي أن يكون.

هل يقصد بهذه المآخذ على المعارضة الادعاء بأنه لاجدوى منها؟، وأن على جميع المعارضين في الأحزاب وخارجها أن  «يفضوها سيرة»، ويكفيهم شرف المحاولة؟!

نظريًا، هذا أحد البدائل الواردة، ولكنه أبعد البدائل عن تفكيرنا، وعن المصلحة الوطنية، وعن طبيعة الأشياء.. إذن فما العمل؟!

أعود إلى النموذج الإسباني، إذ أن تجربة الرئيس عبدالفتاح السيسي في مصر تشبه إلى حد كبير تجربة الجنرال فرانكو، والمعنى الذي أقصده تحديدًا هو عدم تكرار الخطأ في قراءة تصميم الرجل على البقاء فى السلطة، وعلى فرض رؤيته للحكم والسياسة، وخططه الاستراتيجية والاقتصادية، ومن ثم التصرف فكرًا وتطبيقًا على هذا الأساس.

في التجربة الإسبانية تحت حكم فرانكو كانت الأحزاب هناك أقوى وأقدم من أحزابنا المصرية الحالية، والقديمة، وبلغ من قوتها أنها -وخصوصًا الأحزاب الجمهورية والاشتراكية- خاضت ضد فرانكو حربًا أهلية، دامت قرابة السنوات الأربع، ومع ذلك فكل هذه الأحزاب لم تستطع أن تغير شيئًا في معادلة الحكم والسياسة في إسبانيا في ظل الجنرال، فإذا افترضنا أن الحرب الأهلية أضعفت تلك الأحزاب بما أنها كانت هي الطرف المهزوم في تلك الحرب، فقد كان يكفيها عشر سنوات مثلًا، أو عشرين سنة، لاستعادة دورها أو استعادة جزء منه، ولكن ذلك لم يحدث. لكن الأهم أنها كانت جاهزة للتأثير والعمل، بل والفوز بالانتخابات بمجرد انتهاء حقبة فرانكو، وهذا يعنى أن الأحزاب الإسبانية استثمرت تلك الحقبة في البناء التنظيمي والبرامجي طويل الأجل، ولم تستنزف قواها في مواجهات احتجاجية تجهض هذه الجهود، أو في الرهان على مرونة من النظام قد تأتي، وقد لا تأتي.   

إذا كان هذا هو الدرس الواجب تعلمه من تجربة الأحزاب والمعارضة الإسبانية عمومًا في حقبة فرانكو، رغم ما رأيناه من قوة تلك الأحزاب، فمن باب أولى يتعين على الأحزاب المصرية -الضعيفة أصلًا والمعزولة جماهيريًا- ألا تهتم في هذه المرحلة سوى بالبناء التنظيمي والبرامجي، وإعداد الكوادر، جنبًا إلى جنب مع البدء فى خطوات جادة للاندماج فيما بين أحزاب الطيف السياسى الواحد، إذ كما قلنا سابقًا في أكثر من مناسبة إنه لا معنى، بل هو العبث بعينه أن يكون لدينا عشرة أحزاب اشتراكية، ومثلها ليبرالية، وعدد أقل أو أكثر من الأحزاب المحافظة، فى حين لا يتجاوز أعضاء الحزب الواحد فى أحسن الأحوال بضعة آلاف، أو عدة مئات من المواطنين، ونضيف الآن أن الاندماج وتوحد أحزاب الطيف السياسي الواحد هو الفريضة الغائبة عن الحركة الحزبية المصرية.

ومن المؤكد أن قضية التعديلات الدستورية وما كشفته من حقائق وما قضت عليه من أوهام، قد وفرت مناسبة جديدة للاهتمام العام بالسياسة مرة أخرى، ومن ثم وفرت فرصة قد لا تعود قريبًا لبناء حركة حزبية قوية، بما يكفى لتغيير معادلة الحكم والسياسة في مصر عندما يحين الوقت. 

أما متى يحين هذا الوقت؟، فهو سؤال متعجل، ولا توجد إجابة قاطعة عليه، ولكن من تجاربنا المصرية، وتجارب الشعوب الأخرى، يبدو أنه يلزم مرور عقدين من الزمان، بحيث ينمو جيل جديد متحرر من عقدة هزيمة الثورة، فيما تكون الأجيال التي لقيت الهزيمة قد «هضمت» تلك الوجبة العسرة، واستخلصت دروسها، وتخلصت من بقاياها، بحيث لا تشكل عامل خذلان للجيل الجديد، بل ويمكن أن تسانده لتحقق من خلاله أحلام شبابها، في حين يكون النظام نفسه قد أصيب بالإجهاد وفقد زخم التأييد الشعبى، وذلك دون أن يكون التغيير القادم ثورة جديدة بالضرورة، بل يكفى أن يكون حراكًا سلميًا منظمًا ومستدامًا لتغيير المعادلة.

من الأمثله في تاريخ مصر أنه كان لا بد من مرور أكثر من ثلاثة عقود لكي تندلع ثورة 1919 بعد هزيمة الثورة العرابية، وكان لا بد من مرور عقد كامل على حادث السردار، وإبعاد سعد زغلول عن رئاسة الحكومة، ثم وفاته لكي تندلع ثورة الطلبة في عام 1935، لتفرض قيام الجبهة الوطنية وإعادة دستور 1923.

وفي غير مصر، كان لا بد من مرور أكثر من عقدين على هزيمة ثورة مصدق في إيران لكي تندلع ثورة جديدة، وفي الجزائر كان لا بد من مرور عقدين على انتهاء العشرية السوداء لكي يحدث الحراك الحالي الذي يوشك على تغيير المعادلة.

لسنا إذن استثناءً من هذه القاعدة، ويجب ألا نبقى استثناء من حيث تشرذم أحزابنا وضعفها التنظيمي والبرامجي، وتركيزها على اليومي والآني، الذي لا ننفي أهميته لتراكم الوعي، ولكن ليس على حساب البناء طويل الأجل، كما هو الوضع حاليًا.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد