محمد رمضان «المغني»: فاصل إعلاني طويل
 
 

في إحدى موجات ثورة 25 يناير، التي امتدت ما بين يناير وديسمبر 2011، كانت دار نشر «ميريت» تفتح أبواب مقرها القديم بشارع قصر النيل، أمام الشباب المنهكين جراء الكر والفر حول الميدان ومداخله. ذهبت هناك لعدة مرات خلال هذا العام، رأيت ابتسامة شيرين عبد الوهاب القلقة حين زارتها في إحدى المرات، ربما لأنها توقعت احتفاءً أكبر مما حظيت به، ورأيتها تغادر سريعًا.

وفي مرة أخرى رأيت محمد رمضان، شاب نحيل يجلس بخجل بأحد الأركان البارزة بالصالة الضيقة لدار النشر، مواجهًا لباب الدار، ومكشوفًا للزائرين، بعيون زائغة تبحث عمن يعرفه وسط حشد الوافدين والمغادرين، ساعتها لم يكن يعرف أحدًا أو يعرفه أحد بقدرٍ يسمح له بالجلوس داخل حجرة استقبال أصدقاء الدار، ابتسمت له وانشغلتُ بأمر ما، وحين عدت كان قد غادر.

حينها كان يملك في رصيده عدة أدوار صغيرة، كان أبرزها دوره في فيلم «أحكي يا شهرزاد»- 2009، قبل أن يبدأ رحلته في البطولة المطلقة. ساعتها كانت أجواء الانفلات الأمني تغلب على الشارع ويشار إليها  بهلع عبر برامج «التوك شو» في 2012، وكانت فرصة لترجمتها على شاشة السينما، حالة من البلطجة الشابة النزقة، المختلفة كليًا عن بلطجة «إبراهيم الأبيض» الوجودية والرومانسية، حالة تحتاج لملامح سمراء تشبه ملامح الجيل الثاني من الصعايدة النازحين إلى عشوائيات القاهرة، وكان محمد رمضان هو النموذج الأنسب لهذا الدور، الذي قدمه في ثلاثة أفلام؛ «عبده موتة» -2012، «الألماني» – 2012، و«قلب الأسد» – 2013.

ثنائية البلطجي/الشرطي

في أثناء وبعد عرض تلك الأفلام واجه رمضان اتهامات بإفساد الشباب والمراهقين والذوق العام، جنبًا إلى جنب مع المنتج أحمد السبكي، بعدما قلّد عدد من المراهقين حركاته وهيئته وطريقة حديثه في الأفلام. خفتت حدة تلك الاتهامات بعد عرض «ابن حلال»-2014 المسلسل الأبرز في مسيرة رمضان، بعد خروجه عن ثيمة البلطجي تجاه شخصية الهامشي «المظلوم» التي تضمن كسب تعاطف واحتفاء الجمهور، وبالفعل احتفى به الجمهور.

ساعدت ملامح رمضان وسُمرته وشعره الخشن، التي يشبه بها نسبة لا بأس بها من جمهوره في انتشاره بينهم، فضلًا عن دور الصعيدي الفقير المأخوذ بذنب الأغنياء ذوي السلطة، في كسب تعاطف جمهوره الذي تداول اسم «حبيشة» فيما بينهم، وصار اسمًا للأشخاص والمقاهي وحتى لقناة شعبية تعرض أفلامًا مقرصنة، رأيت على الأقل مقهيين في مدينتين دلتاويين مختلفتين تحملان صورة محمد رمضان الصعيدي باسم حبيشة أو اسم «ابن حلال»، فضلًا عن التكاتك التي تحمل صورًا وتصميمات لنفس الشخصية. سيرى فيه الجمهور واحدًا منهم يحقق النجاح والثروة، وسيواصل رمضان استثمار هذا النجاح ليضمن إنتاج عمل على الأقل كل عام، إذ يحقق نجاحًا فائقًا، ويستثمر تركيبته الجسدية وملامحه للتبديل داخل ثنائية البلطجي/ضابط الشرطة، في السينما والتليفزيون أيضًا، ما حقق له شعبية رشحته لأن يكون وجهًا إعلانيًا لشركة كبرى لتقديم خدمات الهاتف المحمول في 2017. وحين طرح الإعلان الثاني/ أغنيته الأولى لنفس الشركة في فبراير 2018

كان رمضان نجمًا شعبيًا يملك في رصيده 12 دور بطولة منفردة تنوعت ما بين السينما والمسرح والدراما التليفزيونية والإذاعية كذلك، أدّاها خلال خمسة أعوام، قبل أن يجرّب الغناء.

كان رمضان من أوائل الممثلين المصريين الموجودين رسميًا على الشبكات الاجتماعية، إذ أطلق قناته الرسمية على يوتيوب في 31 أكتوبر 2014، في أعقاب نجاح مسلسله ابن حلال، ومنذ ذلك التاريخ طرح نحو 190 فيديو عبر هذه القناة، لقطات متنوعة ما بين أغنياته، وإعلانات أعماله، ومشاهد مقتطعة من مسلسلاته معنونة بجمل مقفّاة تصلح للكتابة على مؤخرة سيارة نقل، وتضمن الحفاظ على التريند والظهور على محركات البحث، والإعلان المباشر والمؤثر عن المحتوى على شاكلة «مسلسل الأسطورة – ناصر يجرح تمارا بـ كلمات قاسية جدًا – محمد رمضان»، «خناقه زين القناوي في الديسكو – اللي يهين ظابط شرطة يبقي حط نفسة في ورطة – نسر الصعيد – محمد رمضان» و«مسلسل الأسطورة – خناقة رفاعي الدسوقى مع عصام النمر – محمد رمضان» حصد مجموع هذه الفيديوهات أرقام يسيل لها لعاب المعلنين، أكثر من أربعة ملايين متابع، ونحو 1.3 مليار مشاهدة.

الأغنية كإعلان شخصي

حين سٌئل رمضان عن أسباب اتجاهه للغناء، قال إنه اتجه لذلك اللون الفني بعد نجاح إعلانه الغنائي «أقوى كارت في مصر»، وأغنيته التي «اخترقت حدود غرضها الإعلاني وانتشرت في الأفراح وأعياد الميلاد» حسب تعبيره، فجرب دخول مجال الغناء، وتلقى عروضًا لتقديم وإحياء حفلات موسيقية. رغم أن كلمات تلك الأغنية/الإعلان «أقوى كارت في مصر»، مخصصة للإعلان فقط، الإعلان عن عرض شركة محمول، ويتحدث عن مزاياه وقوته بين نظائره من عروض وكروت الشركات المنافسة، ولا تعبر عن أي سياقات أخرى، بموسيقى وإيقاعات مصممة لتعلق بالذهن وتهز الخصر، إلا أنها حظيت بشعبية مستحقة بعيدًا عن غرضها الإعلاني كما قال رمضان، إذ حققت الأغنية الكاملة 42 مليون مشاهدة، في حين حقق فيديو الإعلان 28 مليونًا فقط خلال عام واحد.

نمبر ون.. جمهوري واقف ف ضهري

هذا النجاح كان مغريًا لتكرار نفس التجربة بوعي أكبر وخطة أوضح، مستعينًا بعناصر النجاح السابق من اللحن الراقص والكلمات المعبرة عن التميّز والتفوّق، وكيف حقق السبق على أبناء جيله، وعلى نقّاده السابقين، فطرح رمضان أغنيته الأولى من إنتاجه بعد ثلاثة أشهر من إصدار الإعلان التسويقي للشركة، لكن بإعلان تسويقي له شخصيًا أنا «نمبر وان».

«محمد رمضان لا يحتاج لعدو، هو في اعتقادي عدو نفسه» الإعلامي وائل الإبراشي، يمكنك تمييز هذا التصريح في بداية أولى أغنيات محمد رمضان «نمبر ون»، التي أنتجها لنفسه واستعان فيها بتسجيلات صوتية لإعلاميين ونقاد صارخين يطلقون في حقه اتهامات بإفساده الذوق العام. ستحصد «نمبر ون»، التي طُرحت في يونيو 2018،  والتي راهن فيها على جمهوره الواقف في ضهره؛ نحو 92 مليون مشاهدة.

الملك.. كل مجال بدخله بَروشكوا

كان ممكنًا أن يصبح رمضان واحدًا من مطربي الأغنية الواحدة، الذي يفشل في الحفاظ على نجاحه بعد انتشار فيروسي لأغنيته الأولى، لكن هذا لم يحدث إذ حازت أغنيته الثانية «الملك» نحو 80 مليون مشاهدة خلال سبعة شهور منذ طرحها في أغسطس 2018، رغم مبالغتها في رسائل التعظيم الشخصي باستعراضه لقصر منيف محاط بسيارات رياضية، ويضم ثلاث حيوانات مفترسة مروّضة، وكلماتها بدعاية محمّلة ببرانويا واضحة، في مواجهة أعدائه «اللي قالوا مش هيوصل من زمان»، الذين لا يراهم غيره، مؤكدًا استحقاقه النجاح في مجال جديد يطرقه والذي يؤكده عداد مشاهداته، وحتى الاستعانة بأغنياته في حفلات الأفراح وسهرات الرقص.

جيشنا صعب.. البروبجندا لا تفيد

بدأ رمضان تجربته الغنائية أثناء فترة أداء خدمته التجنيدية الإجبارية، وكان طبيعيًا أن يشارك في البروبجندا الوطنية للمؤسسة التي ينتمي إليها مؤقتًا فأنتج عبر شركته الخاصة، أغنية «جيشنا صعب» (2018) التي شارك في كتابة كلماتها أيضًا، وطرحها عبر قناته الرسمية على يوتيوب بالتزامن مع الاحتفال بالذكرى 45 لعبور قناة السويس، لكن الأغنية لم تتبع سابقاتها في نسبة المشاهدات على يوتيوب إذ حصدت 13 مليون مشاهدة فقط خلال ستة أشهر، ربما لأن جمهور رمضان يفضل دعايته الشخصية لنفسه على أي دعاية أخرى، هذه تجربة نجاح شخصية يمكنه التفاعل معها وتصديقها والتطلع نحو تطبيقها.

«مافيا» أنا اللي برسم الطريق

بعد أغنياته للدعاية الشخصية «نمبر ون» و«الملك»، واجه رمضان أغنية الدعاية المضادة الـDiss «كوبرا»، التي طرحتها بُشرى، والتي استعانت فيها بنفس أجواء رمضان وقاموسه الغنائي، حيث حولت «ملك الغابة شايفك قطّة» إلى «ملك الغابة هبشته قطة»، مصحوبة بكثير من الديباجة والنصائح الأخلاقية وحكمة «الحياة التي لا تدوم»، وحققت هذه الأغنية قرابة 13 مليون مشاهدة منذ طرحها في ديسمبر 2018، نسبة مشاهدة محدودة عند مقارنتها بمشاهدات أغنيات رمضان، الذي رد عليها في Diss جديدة بأغنية «مافيا» بأسلوبه المعتاد، جملة موسيقية معتادة في أغنياته السابقة، ورقصة جديدة، وكلمات من نفس قاموس الصراع الفني بين رفض النقاد وقبول الجمهور والتعظيم الذاتي الذي أعطته بشرى مبررًا هذه المرة، ومنذ طرحها في يناير 2019 حققت قرابة 92 مليون مشاهدة خلال شهرين فقط.

فيرس.. سريع الانتشار سريع التطور

طرح رمضان أغنيته الأخيرة «فيرس» يوم 19 مارس الجاري، ويمكن اعتبارها أقصى تجليات انتشاره الفيروسي، إذ حققت  بعد طرحها بساعة واحدة أكثر من 250 ألف مشاهدة، فيما حققت نحو تسعة ملايين مشاهدة خلال تسعة أيام منذ طرحها، كما احتلت رأس قائمة الفيديوهات الأكثر شيوعًا  على «يوتيوب» مصر لمدة أسبوع كامل، الأغنية الأولى التي لم يشارك في كتابة كلماتها، والتعاون الأول مع «السادات» كملحن، لكن نفس موضوعه المكرر مضمون النجاح التعظيم الذاتي والاعتداد بتجربته الغنائية، والتي يوضح ملامحها المتفقة مع جمهوره المحلي كونه «تحول لغول» النموذج المصري للرعب فيما استلهم الآخرين النموذج الأوروبي «دراكولا».

أصدر رمضان إضافة لأغنياته الست السابقة أغنيتين لفيلمه الأخير «الديزل» (2018)، وهما «هتولّع» و«100 مسا» ليكون رصيده الغنائي ثمان أغنيات. يمكنك ملاحظة تكرار جملة موسيقية واحدة في جميع أغنياته، ربما لأنه يتعامل مع نفس مجموعة الملحنين والموزعين؛ المدفعجية والسادات وعادل حقي، وربما لأن هذه الجملة هي الأكثر التصاقًا بالذهن، والأكثر توافقًا مع الجمهور الذي يستهدفه رمضان، كما يظهر من خلال عداد مشاهدات يوتيوب، وكما يبدو من دعاية «أقوى حفلة في مصر»، أولى حفلاته الموسيقية التي أعلن عنها بعد أيام من إنهاء فترة خدمته العسكرية الإلزامية، وبعد أقل من عامين من اتجاهه للغناء، على مسرح «المنارة» بالتجمع، بقيمة تذاكر تتراوح ما بين 250 – 500 – 1000 جنيها، التي قد تكون المرة الثانية التي يجمعني فيها مكان واحد بمحمد رمضان، الذي صار أكثر ثقة وشهرة من المرة الأولى التي رأيته فيها قبل 8 أعوام، برصيد حافل بالنجاحات.

اعلان
 
 
عبد الله غنيم