البرلمان والرئيس وحوار «على الضيق» لتعديل الدستور

الحوار هو مناقشة بين طرفين أو أطراف متعددة، يدلي فيها كل طرف بوجهة نظره في قضية محل جدال، ويعرض الأدلة والبراهين والحجج، ويكشف ما غاب عن الطرف الآخر، بغرض إقناعه بسلامة موقفه، وإما أن يصل المتحاورون إلى تبني رأي أحد الأطراف، أو يتفقون على مساحة وسط يقبلها الجميع.

وفي أدبيات السياسة، الحوار هو استطلاع لرأي أطراف المعادلة السياسية بمختلف تنوعاتها، في قضية مفصلية تحتاج إلى التشاور، وتطرح وجهات النظر المختلفة على المجتمع المستهدف لإقناعه بإحداها أو الوصول إلى حلول مرضية لا ينتج عنها شقاق أو شرخ يؤثر على سلامة المجتمع.

استنادًا إلى ما سبق، فإنه لا يمكن وصف ما جرى تحت قبة البرلمان بداية من يوم الأربعاء الماضي، 20 مارس، بأنه حوار، وبالطبع لم يكن مجتمعيًا، فالآراء التي عُرضت خلال جلسات ما يسمى بـ«الحوار المجتمعي» تصب كلها في خانة تأييد التعديلات الدستورية، التي تهدف إلى تأبيد سلطة الرئيس الحالي حتى عام 2034، ودسترة إحكام قبضته على باقي سلطات الدولة.

تحولت الجلسات إلى مباراة بين مؤيدين للسلطة؛ من رؤساء جامعات وعمداء كليات وإعلاميين وصحفيين ورؤساء تحرير ونقباء تم اختيارهم وفقًا لمعايير وضعتها السلطة، ويسعى كل منهم إلى الاستمرار في موقعه لفترة جديدة بإثبات ولائه المطلق.

فتح الحضور مزاد التأييد، فما بين الموافقة على مقترح لنص انتقالي يتيح للرئيس الحالي الترشح لفترتين تاليتين دون الرؤساء القادمين بعده، إلى اقتراح بنص دائم يسمح لـ«أي رئيس جمهورية يستطيع تنمية الدخل القومي بالترشح لفترة ثالثة ورابعة وخامسة»، واعتبر صاحب الاقتراح الأخير أن إلغاء المادة الانتقالية التي تخص الرئيس الحالي فقط تعفي واضعي التعديلات من أي حرج، و«تؤدي إلى قبول أوسع للتعديلات ويجعلها تحوز على توافق وطني».

خلت القاعة المخصصة لما يسمى «الحوار المجتمعي» من أي صوت معارض لـ«التعديلات الدستورية»، وبالطبع لن تصل للرأي العام أي وجهات نظر مخالفة، فالإعلام المرئي والمكتوب في مصر لم يعد مسموحًا له بالاشتباك مع تلك التعديلات أو تفنيدها أو تحذير الرأي العام «حكومة وشعبًا» من مغبة تمريرها، ولا يشتبك معها إلا بعض المواقع الإلكترونية المحجوبة داخل مصر بقرار أمني، أو منصات إعلامية تبث من الخارج.

خلال افتتاحه لأولى جلسات ما يسمى بـ«الحوار المجتمعي»، قال رئيس البرلمان، على عبدالعال، إن «الدستور ليس صنمًا، أو تعاليم دينية، بل هو اجتهاد قابل للتعديل والتطوير في ما يدور مع الواقع ويحقق صالح الدولة والمواطنين»، مشيرًا إلى أن «الحوار المجتمعي ليس استنساخًا لحوارات سبق مناقشتها في هذه القاعة».

رئيس البرلمان أكد في حوار مع جريدة الشروق أن مجلسه مستعد لـ«سماع كل الآراء المؤيدة والمعارضة، طالما أنها في إطار آداب الحوار وفي إطار الالتزام بالمحددات الدستورية»، مشددًا على أن «الحقيقة تكون وليدة اختلاف الآراء»، وأشار إلى أنه كلف الأمانة العامة للبرلمان  لمتابعة جميع المقالات والكتابات الصحفية لتكون تحت عيون الأعضاء وللضيوف.

صَدق الدكتور عبد العال في بعض ما قال، فمواد الدستور ليست أصنامًا ولا نصوصًا مقدسة، وهي بالفعل اجتهاد قابل للتعديل والتطوير، لكن الجميع يعلم أن مواد الدستور الحالي، الذي حاز على موافقة نحو 98% من الناخبين المصريين قبل 5 سنوات فقط، لم تتحول إلى واقع ولم تُختبر، وما حدث هو العكس تمامًا، فمخالفة نصوص الدستور صارت هي الأصل والمنهج الذي تتبعه السلطة، فقوانين: «العدالة الانتقالية» و«مفوضية منع التمييز» و«الإدارة المحلية» و«ندب القضاة»، ما زالت حبيسة الأدراج رغم أنها قوانين مكملة للدستور ألزم المشرع الدستوري البرلمان بسقف زمني للانتهاء منها، هذا بالإضافة إلى مخالفة السلطة لنصوص دستورية صريحة في ملف الحريات واستقلال الصحافة وعدم جواز الرقابة على الإعلام.

أما ما ألمح إليه رئيس البرلمان بأن الحوار الذي يديره ليس استنساخًا من حوارات سبق مناقشتها في هذه القاعة، في إشارة إلى الحوارات التي صاحبت تعديل بعض مواد دستور 1971 عامي 2005 و2007، فيمثل إدانة لمجلسه؛ فالحوارات التي طعن فيها رئيس المجلس وبغض النظر عن نتائجها، ضمت أطرافًا متعددة وتحدث فيها أقطاب من المعارضة بمختلف أطيافها، وانتقل الجدل حولها إلى الشارع وانطلقت ضدها مسيرات ومظاهرات، وفتحت الصحف والفضائيات أمام المؤيدين والمعارضين لها.

وعن تكليفه لأمانة المجلس بمتابعة ما ينشر عن التعديلات في الصحف، فدعني أكررها لك يا صاحب البرلمان، ليس مسموحًا بنشر أي نقد لتعديلاتكم السرية لمواد الدستور، وأدعوك لمطالعة صحف يوم الأحد 23 مارس، لن تجد كلمة أو ملاحظة عابرة على تعديلاتكم، ليس قصورًا في الصحف أو في الصحفيين والكتاب لا سمح الله، لكن لأن مقص الرقيب ينتظر الأعمدة والمقالات قبل وصولها إلى المطبعة فيمنع ويحجب، ولأن قوائم ضيوف القنوات الفضائية تُملى على فرق إعداد البرامج، فلا يدخل مبنى ماسبيرو أو مدينة الإنتاج الإعلامي إلا من رضى عنهم ووثق فيهم السيد الرقيب.

رئيس البرلمان أقسم بأغلظ الإيمان خلال حواره مع زميلنا عماد الدين حسين في «الشروق» أن رئيس الجمهورية لم يتدخل من قريب أو بعيد في مسألة التعديلات، وأنه لا يسعى إلى السلطة، وقال إنه «حدث نقاش مع الأمين العام للمجلس بشأن متى يفترض أن نخطر الرئاسة بشأن التعديلات. وبعد النقاش كان القرار أنه يتم إخطار مؤسسة الرئاسة عند موافقة المجلس على مبدأ التعديلات وفق ما نصت عليه اللائحة الداخلية للبرلمان.. وكان هذا أول اتصال من البرلمان بالرئاسة في شأن التعديلات».

على فرض صدق الدكتور عبد العال فيما قال، لكن من حق الرأي العام أن يسأل: لماذا لم يُدلي رئيس الجمهورية بدلوه في مسألة سبق أن رفضها على الملأ، وتعهد أمام العالم بأنه لم ولن يبقى بعد فترته الثانية، وقال بالنص في حوار مع شبكة CNBC الأمريكية في نوفمبر 2017: «ليس هناك رئيس سيتولى السلطة دون إرادة الشعب، ولن يستطيع أيضًا أن يواصل لفترة أخرى دون إرادة هذا الشعب، وفي كلتا الحالتين فهي 8 سنوات، وأنا مع الالتزام بفترتين رئاسيتين؛ مدة الواحدة منهما 4 أعوام، ومع عدم تغيير هذا النظام.. وأنا لستُ مع إجراء أي تعديل في الدستور في هذه الفترة».

ظهر رئيس الجمهورية في أكثر من فعالية منذ انطلاق قطار التعديلات من محطته الأولى -المعلنة- في مقر تكتل «دعم مصر» البرلماني بـ«التجمع الخامس»، كان آخرها ملتقى الشباب بأسوان قبل أيام، ومع ذلك لم ينبس ببنت شفة، عن تعديلات دستورية يتم تفصليها كي يبقى في السلطة نحو 15 عامًا أخرى بالمخالفة لوعده قبل تجديد ولايته الثانية.

ما جرى خلال جلسات اللجنة التشريعية حتى الآن لا يمكن تسميته بـ «الحوار المجتمعي»، فهو ليس إلا سماعًا لـ «صدى صوت» السلطة في مسألة قد تعيد مشاهد ثورة يناير 2011 وما تبعها، وإذا كان من يديرون المشهد يريدون حوارًا حقيقيًا ومتكافئًا، فيجب أن يتبارى المؤيدون والمعارضون لتلك التعديلات على الهواء مباشرة، وأن يفتح الإعلام مساحات متساوية لكل الأطراف، وإذا كان الرئيس السيسي لا يعلم بما تم، فعليه أن يخرج ويخاطب شعبه ويبرر له لماذا خلف وعده؟

أما إذا أرادوا بنا وبأنفسهم خيرًا، فعليهم أن يغلقوا ملف التعديلات، وأن نحتكم جميعًا إلى مواد الدستور الذي دُشنت على أساسه مؤسسات السلطة «رئاسة وبرلمان وحكومة»، وأقسم الجميع على احترامه وعلى رأسهم رئيس الدولة.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ