سائقون وقطارات: اﻷمان الغائب قبل «الخطأ الفردي»
 
 
محمد الراعي
 

يعمل هاشم رابح، سائق القطارات في هيئة السكك الحديدية، حوالي 270 ساعة شهريًا، وهو ما يزيد بأكثر من 70 ساعة على الحد اﻷقصى لساعات العمل التي يسمح بها قانون العمل المصري (وبأكثر من 100 ساعة عمّا توصي به منظمة العمل الدولية).

إلى جانب ساعات العمل الطويلة، يضطر هاشم وزملاؤه إلى قيادة قطارات تخلو من معايير اﻷمان المطلوبة. السبب ببساطة أن الالتزام بمعايير اﻷمان يعني أنه «لن تتحرك نصف رحلات القطارات يوميًا وبلا مبالغة ﻷن معظمها يشوبه اﻷعطاب»، بحسب تعبيره.

بالنسبة إلى هاشم، الذي يعمل بالسكك الحديدية منذ 23 سنة، فإن محاولة فهم اﻷسباب التي أدت إلى وقوع حادث محطة قطارات رمسيس أواخر الشهر الماضي لن تكتمل دون تناول ظروف عمل السائقين. يصر السائق على تأكيد أنه لا يتعاطف أو يتضامن بأي شكل مع زميله، سائق جرار القطار الذي تسبب في الحادث.

غادر السائق الجرار الذي يقوده وهو على وضع الانطلاق العكسي ليتشاجر مع زميل له بسبب تشابك جراره مع قطار آخر باتجاه ورشة «أبو غاطس»، التي تبعد حوالي 3 كيلومترات من مباني وأرصفة المحطة.

بعد مغادرة السائق، انقطع التشابك، وبدأ الجرار بالتحرك على القضبان. حاول السائق تدارك اﻷمر وتجنب حدوث الكارثة. بحسب هاشم، اتصل ببرج شمال القاهرة المسؤول عن إدارة الحركة وأبلغه بانطلاق الجرار دون سائق. رد مسؤول البرج: «انت بتهرج؟»، وانقطع الاتصال دون أن يتغيّر شيء. قطع جرار القطار كل هذه المسافة بسرعة كبيرة دون سائقه. وفشلت كل مراحل اﻷمان في منع الكارثة.

أخطأ السائق في ترك جراره دون سائق، وهو أمر واضح تمامًا بالنسبة لهاشم. لكن اﻷنظمة الموجودة كي تمنع أخطاء كهذه، فشلت في مهمتها أيضًا. هل كان خطأً فرديًا؟ هناك سائق يمكننا لومه هذه المرة، لكن ماذا عن المرة القادمة؟

تعتمد حركة القطارات على أربعة أنظمة أمان تعمل في خطوط متتالية. خط اﻷمان اﻷول يستخدمه السائق يدويًا ﻹيقاف القطار خلال 24 ثانية من إعطاء اﻹشارة. إذا فشلت هذه المحاولة، يستخدم السائق جهاز اسمه Dead Man Switch لإرسال إشارة لبرج المراقبة تخطره بوجود أزمة، كي يتمكن من التدخل وإيقاف القطار خلال 24 ثانية أخرى. الخطوة الثالثة هي جهاز اسمه Automatic Train Control، والذي يمكّن برج اﻹشارات من إيقاف القطار أتوماتيكيًا إذا حدث شيء غير طبيعي.

إذا فشلت درجات اﻷمان الثلاثة اﻷولى في العمل، تأتي درجة اﻷمان اﻷخيرة وهي إبرة السقوط، والتي تعتمد على قيام عامل البرج بفصل القضبان من أجل إسقاط الجرار من على القضبان قبل اصطدامه.

لكن ضغوط حركة القطارات والرغبة في تسيير جدول التشغيل بأكبر قدر من الانتظام يجعلان من الالتزام بأقصى معايير اﻷمان أمرًا صعبًا. بحسب هاشم، فإن مسؤولي الهيئة يستسلمون إلى أعطال أجهزة اﻷمان التي تمكّن من إيقاف القطار في حالات الطوارئ، وذلك للتمكن من تسيير جدول التشغيل. يقول إنه إذا التزمت كافة الرحلات بمعايير اﻷمان، «لن تتحرك نصف رحلات القطارات يوميًا وبلا مبالغة». يضيف هذا إلى الضغوط التي يعمل تحتها السائقون.

يستخدم هاشم رحلة القطار المتجه من القاهرة إلى السد العالي كمثال يوضح طبيعة عمل السائقين وظروفهم: «نبدأ الاستعداد قبل القيام بكل رحلة بين 4-6 ساعات تقريبًا للاطمئنان على كل التفاصيل قبل المسير، قبل أن نتحرك ونصل إلى أسيوط فى رحلة من المفترض أن تستغرق نحو سبعة ساعات، وربما أكثر في حالة التأخير».

بعد الوصول، يتولى آخرون استكمال الرحلة من أسيوط إلى السد العالى. يحصل سائقو النصف اﻷول من الرحلة على راحة لمدة ست ساعات، لكنها قد تتقلص إلى نحو ساعتين أو ثلاثة إذا حدث تأخير. ويستكمل السائقون قيادة القطار من أسيوط إلى القاهرة في رحلة العودة. سبعة ساعات أخرى من القيادة على اﻷقل. مجموع هذه الساعات من الاستعداد وحتى العودة إلى القاهرة مرة أخرى قد يصل إلى 24 ساعة أو أكثر.

يبلغ مجموع رحلات القطار يوميًا في مصر 900 رحلة. تحتاج كل رحلة إلى سائق ومساعد. يعني هذا 1800 شخص كل يوم لتغطية كافة الرحلات. ويبلغ عدد السائقين والمساعدين العاملين بالهيئة 3900 إلى 4000 شخص، بحسب هاشم، وهو ما يعني أن الواحد منهم يضطر للقيام بمتوسط ثلاث رحلات في اﻷسبوع. يتسبب هذا في وصول مجموع ساعات عملهم إلى 270 ساعة شهريًا، بحسب هاشم.

يتسبب هذا في زيادة الضغوط على السائقين وباقي العاملين في المرفق، ويتضح تأثيرها فيما أشار إليه هاشم حول ارتفاع نسبة اﻷمراض المزمنة بين السائقين ومن ضمنها الضغط والسكر بسبب طبيعة المهنة، وهو اﻷمر الذي أشار إليه أشرف رسلان، رئيس هيئة السكك الحديدية، خلال اجتماعه بلجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب بعد «حادث رمسيس».

اللافت أن المقابل المادي لكل هذا العمل ليس كافيًا. قضى هاشم 23 سنة سائقًا في السكك الحديدية، لكن دخله لا يتجاوز 4600 جنيه.

بحسب هاشم، يتقاضى السائق منذ بداية عمله في الهيئة وحتى إنهاء خدمته بين 2000-6000 جنيه، وهو متوسط أجور متدنٍ عند مقارنته بسائقي قطارات مترو اﻷنفاق، والتي قد تصل إلى 8500 جنيه، بحسب تقدير هشام عرفات، وزير النقل المستقيل بعد حادث قطار رمسيس. «بعض السائقين المنتدبين للعمل في المترو رفضوا العودة للعمل بالهيئة لفارق اﻷجر واختلاف طبيعة العمل»، يقول هاشم.

تكشف قراءة للحسابات الختامية للدولة وموازنات الهيئة نشرها «مدى مصر» قبل أيام عن تراجع معدل نمو الإنفاق على الأجور بشكل واضح، حيث انخفض إلى 3.2% في العام المالي الحالي مقارنة بـ 6.8% في العام اامالي السابق.

نمو الإنفاق على الأجور

كما لاحظت تلك القراءة «تدني معدلات الإنفاق الاستثماري على تطوير المرفق، وتدني النمو في هذا الإنفاق وصولًا إلى مستويات سالبة في عامي 2017/ 2018 و 2018/ 2019»، وكذلك «تزايد اعتماد الهيئة على الاقتراض، في الوقت الذي تبدو فيه مكبّلة على نحو كبير بسداد أقساط قروض سابقة».

نمو الإنفاق على الاستثمارات

لا تتعلق الأزمة بنقص الموارد المالية ﻹجراء عمليات الصيانة المطلوبة. بحسب صحيفة البورصة، أظهر الحساب الختامي للهيئة القومية لسكك حديد مصر أنها ردت 274 مليون جنيه من بند الصيانة إلى وزارة المالية على الرغم من تدهور حالة أجهزة اﻷمان.

يأتي هذا على الرغم من الارتفاع المستمر في معدلات حوادث القطارات خلال اﻷعوام الماضية. بحسب إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة واﻹحصاء، وصل عدد حوادث القطارات في عام 2017 إلى 1793 حادثًا.

حوادث القطارات في مصر: 2006-2017

آخر الحوادث الكبيرة كان في أغسطس 2017، حين تسبب اصطدام قطارين في اﻹسكندرية في مقتل 44 شخصًا وإصابة العشرات. عقب الحادث، أعد وزير النقل السابق مع معاونيه خطة أسموها بـ «اﻹسعافية» ﻹنقاذ المرفق، وحددوا الحالة الفنية له والموارد التي يحتاجها كي يتخلص من مشاكله.

بعد ذلك الحادث بأيام، أعلن عرفات في مؤتمر صحفي عن اعتماد خطة لتطوير السكك الحديدية بتمويل من بنك الإعمار الأوروبي بتكلفة تبلغ 1.5 مليار دولار. وفي ديسمبر الماضي، نشرت هيئة السكك الحديدية بيانًا أعلنت فيه عن حصاد أعمالها، والتي شملت صيانة آلاف الكيلومترات من السكك الحديدية، وإعادة تأهيل جرارات بتكلفة 10 ملايين دولار بما يؤدي إلى «زيادة انتظام مواعيد وصول القطارات والقضاء نهائيًا على مشكلة أعطال الجرارات». كما تحدث البيان عن إعادة تأهيل نظام اﻹشارات في أربعة أبراج رئيسية، بما يسهم في «تطوير نظام الإشارات على شبكة خطوط السكك الحديدية والحد من تدخل العنصر البشري لتوفير أعلى درجات الأمان».

كتب حادث محطة رمسيس نهاية عرفات في الوزارة، وجعل مصير خططه التطويرية والإسعافية مجهولًا، مع بدء خليفته، كامل الوزير، القادم من الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، خططه الخاصة للنهوض بالمرفق، والتي بدأها بجولات موسعة في مرافق السكك الحديدية، وقرر إقالة بعض قيادات القطاع. خلال زيارة السبت الماضي، قرر الوزير إلغاء يوم إجازة السبت للعاملين بالورش وتعويضهم ببدل نقدي، ومراعاة جودة الصيانة مع توفير كافة قطع الغيار المطلوبة لأعمال الصيانة لتقليل أعطال الرحلات. كما وجه الوزير بـ «مراعاة الانضباط ومعايير الأمان في الصيانة وعدم التساهل بها». كما أعلنت وزارة النقل قبل أيام عن نيتها التعاقد على شراء 250 جرارًا جديدًا، وإعادة تأهيل الجرارات المتوقفة منذ عدة سنوات.

لكن تغيير الوزراء دون مقاربة جذور أزمات السكك الحديدية ليس كافيًا. أوضح هاشم أنه حضر أكثر من اجتماع مع وزراء نقل ممثلًا عن زملائه، حيث اشتكى لهم من اﻷوضاع الصعبة للعمل التي يمرون بها، بخلاف عدم إنصافهم وافتقادهم العدل المادي والمعنوي.

خلال تلك الاجتماعات، طالب السائقون بتخفيض الرحلات إلى النصف والعمل بالوحدات التي تتوافر بها معاملات اﻷمان الكافية، وقبلوا بتأجيل النظر في اﻷجور المتدنية مقابل تحسين عنصر اﻷمان، دون استجابة، وفي أحد الاجتماعات التي حضرها الوزير المستقيل، حسبما يقول هاشم، رد أحد مسؤولي الوزارة على مطالب السائقين قائلًا إن عليهم العمل «بهذه الإمكانيات» كما سبق لهم أن فعلوا طوال 50 عامًا.

اعلان
 
 
شريف سعد الدين