بعد عام من «سيناء 2018»: ما الذي تغيّر؟
 
 

لم يصدر عن المتحدث العسكري أي بيان رسمي يفيد بانتهاء العملية الشاملة «سيناء 2018»، وذلك رغم انتهاء عام 2018 نفسه، كما أن المؤشرات على الأرض والتصريحات الرسمية حول استمرار المعركة على الإرهاب لا تشي بانتهاء قريب للعمليات في سيناء التي بدأت في فبراير العام الماضي.

بحسب المصادر التي تحدثت في القاهرة، بالرغم من تراجع العمليات الإرهابية في العام الماضي ستستمر «سيناء 2018» على الأقل خلال العام الجاري لأن مسألة اجتثاث جذور الجماعات المسلحة ليست بالأمر السهل ولم يكن من الممكن إنهائه دفعة واحدة في ضوء أوضاع معقدة على الأرض، وفي ظل وضع إقليمي يسمح باستمرار تزويد بؤر الجماعات التي لا تزال متواجدة بشبه جزيرة سيناء بمزيد من الأفراد والعتاد والأموال.

تعتبر «سيناء 2018» امتدادًا لعمليات عسكرية أُخرى سبقتها؛ فهناك العملية «نسر1»، التي بدأت في أغسطس 2011 بعد شهور قليلة من اندلاع ثورة يناير.

وفي أغسطس 2012، بدأت «نسر 2» عقب العملية التي أودت بحياة 16 من المجندين المصريين، وهي العملية التي قرر على إثرها الرئيس محمد مرسي وقتها تعيين عبد الفتاح السيسي وزيرًا للدفاع بعد الإطاحة بالمشير حسين طنطاوي، بدأت «نسر 2» بهدف إخلاء سيناء من الجماعات التكفيرية. غير أن هذه العملية لم تتمكن من إيقاف العمليات الإرهابية والتي استمرت بعد وصول السيسي لسدة الحكم في مصر فكان استمرار العمليات العسكرية التي شُنّت تحت نفس الهدف الخاص بإخلاء شمال سيناء من الجماعات المسلحة. كانت هناك أيضًا سلسلة عمليات «حق الشهيد» في 2015، حتى كانت العملية الشاملة «سيناء 2018» والتي لم تتمكن بدورها من إنهاء كلي للعمليات الإرهابية العنيفة والواسعة، فكان آخرها في 16 فبراير 2019 وهي عملية «كمين جودة 3» التي أدت إلى مقتل 15 عسكريًا على الأقل وأتت بعد عام تحديدًا من بدء «سيناء 2018».

مصدر حكومي إقليمي يؤكد أن استمرار العملية أمر واضح ليس فقط في القاهرة ولكن في البلاد المتحالفة مع مصر في مكافحة الإرهاب وتحديدًا إسرائيل والولايات المتحدة. مضيفًا: «نحن لا نتحدث عن عام واحد إضافي، فهذا أمر سيستغرق عدة أعوام، ربما بدرجات متفاوتة حسب ما يتمّ إنجازه على الأرض وحسب تطورات الأوضاع. لكن هذه مسألة ليست سهلة لأنها مرتبطة بكثير من الأمور السياسية».

يوضح المصدر أن ما يقصده بالأمور السياسية يشمل المواجهات السياسية بين النظام المصري وبعض من أعدائه الإقليميين حيث يتهم مسؤولون مصريون أنقرة والدوحة علي وجه التحديد بتمويل انتقال الجماعات التكفيرية من مناطق الصراع عبر الإقليم، خاصة سوريا وليبيا إلى شبه جزيرة سيناء بهدف مناوئة الاستقرار في مصر. الأمور السياسية المؤثرة في حالة الإرهاب في سيناء أيضًا تشمل الأوضاع في غزة، حيث لا تستطيع حماس السيطرة على أطراف الحدود بين القطاع وبين الأراضي المصرية وهي المنطقة التي تتواجد فيها جماعات تكفيرية مسلحة ساهمت تلك الأمور في وجود مقاتلين على «درجة عالية من الكفاءة القتالية ولديهم إمدادات واسعة من الأموال والأسلحة»، بحسب المصدر الحكومي الإقليمي.

ويقول مصدر رسمي مصري: «لا يمكن تجاوز إن الوضع في سوريا ما زال معقدًا، وأن عناصر مسلحة كثير منها أجنبي تمّ جلبها لسوريا من خارج المنطقة العربية مازلت تستطيع الخروج والتسلل ليس لمصر وحدها. ولكن لدول أخرى مجاورة مثل ليبيا وغيرها. كما أن أحدًا لا يستطيع أن ينكر أن هناك مساعٍ لدى بعض الدول في المنطقة لتصدير هذه العناصر المسلحة داخل مصر».  ويضيف المسؤول المصري أن القاهرة أبلغت تل أبيب بأنه في ضوء التعاون بين الجانبين، وفي ظل حرص الجانبين على عدم عودة الوضع إلى ما كان عليه فإن مصر ستحتفظ بحق التواجد العسكري الحالي في المناطق الحدودية.

ولكن ما الذي تحقق على الأرض فعليًا في العملية الشاملة «سيناء 2018» ما يستدعي استمرار العمليات؟

الجيش يتقدم

لم يعلن المتحدث العسكري في أي من البيانات التي أصدرها علي مدار قرابة عام -منذ بدء العمليات- عن الأهداف الاستراتيجية للعملية. كان الخط العريض المُتعلق بدحر الإرهاب هو ما طُرح، غير أن أحمد كامل البحيري، الباحث المتخصص في المتابعة الدقيقة لتطورات الأوضاع في سيناء، يقول إنه «بصفة عامة يمكن القول إن العملية الشاملة: سيناء 2018 تمكنت من تحقيق هدف هام، من الأرجح أنه كان ضمن الأهداف الاستراتيجية للعملية وهو تقليص نفوذ الجماعات المسلحة بعيدًا عن تسمياتها وتفاصيل تكويناتها، وتقليص قدرة هذه الجماعات علي القيام بعمليات تكتيكية وذلك من خلال عمليات استهداف شملت كوادر في الجماعات الموجودة في سيناء وهو أمر في ذاته يفيد بأن هناك اختراقات مهمة حققتها السلطات المصرية في صفوف هذه الجماعات».

ولا يحكم البحيري على نتائج العملية فقط من خلال بيانات المتحدث العسكري. ولكن أيضًا من خلال ما يصدر عن الجماعات الإسلامية المسلحة من بيانات متتالية اعتبر الباحث أنها «تؤكد حدوث خسائر لا يُستهان بها في صفوف الجماعات».  مضيفًا: «في كثير من الأحيان كانت المعلومات متطابقة بين ما يصدر عن المتحدث العسكري وما تفيد به مواقع ومنصات تابعة للجماعات المسلحة».

ويوضح البحيري أنه «لا يمكن إنكار أن الجماعات التي كانت في عام 2015 تقوم ببعض مظاهر التواجد الواضحة -مثل استعراضات عسكرية لداعش في قرى الشيخ زويد- لم تعد موجودة. وأن قدرة التنظيم على إرسال أفراد له لمهاجمة تجمعات مدنية لأغراض الإرهاب أو السرقة لم تعد أيضًا موجودة. وبالتأكيد فإن السيطرة تُقاس بالتحركات على الأرض وهذه بالتأكيد متراجعة».

كما شهدت العملية مكسب رئيسي: مقتل «أبي أسامة المصري»، أو أحمد محمد علي العيسوي، القائد التنظيمي لتنظيم «ولاية سيناء» (داعش مصر)، ويُعرف بـ«والي سيناء». أخيرًا، قُتل الرجل، واعترف تنظيمه بذلك، بعد ترجيح مقتله في أوقات سابقة لأكثر من ثمان مرات.

جاء اعتراف «ولاية سيناء» بمقتل «أبو أسامة المصري» في نوفمبر الماضي في الإصدار المرئي «سبيل الرشاد» حين أُدرجت كلمة صوتية له مع إشارة «تقبله الله». يأتي قتل أبو أسامة، كثالث قائد للتنظيم على التوالي تتمكن قوات إنفاذ القانون في سيناء من تصفيته، وذلك بعد القائد الأول «أبو أنس الأنصاري»، والثاني «أبو هاجر الهاشمي».

ومنذ بداية تبعية التنظيم المحلي لـ«داعش» ومبايعة أبو بكر البغدادي، في 2014، كان أبو أسامة قياديًا مهمًا في التنظيم. وذلك ليس فقط لأدواره في قيادة عمليات إرهابية كبيرة ونوعية، إنما أيضًا لكونه واحد من قيادات التيار الأكثر مغالاة، والذي عجّل بالاصطدام مع المجتمع المحلي، بالقتل والخطف والتعذيب.

ويقدر البحيري -اتفاقًا مع المسؤول المصري- إضافة الى مصدر قريب من القوات الدولية المراقبة للحدود المصرية الاسرائيلية بحسب اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، أن الوضع الراهن من حيث انحسار العمليات الكبرى في سيناء مرتبط بحالة الاستنفار الأمني في المنطقة وأيضًا بالتعاون المعلوماتي الواسع على جانبي الحدود بين مصر وإسرائيل، وكذلك الحال ما بين مصر وحركة «حماس» الفلسطينية، بحسب مصدر فلسطيني في غزة قائلًا إن «حماس» أمدت القاهرة أكثر من  مرة منذ بدء «سيناء 2018» بمعلومات «نوعية» حول بعض الجماعات المُسلحة في سيناء.

ويكمل البحيري: «أن أحدًا لا يقول إن العمليات انتهت تمامًا. ولكن نوعية العمليات اختلفت بالتأكيد وهي لا تصل لما كان عليه الحال سابقًا، ويمكن أن نشهد بين آن وآخر عملية انتحارية أو هجوم محدود ولكن يمكن القول إن العمليات الكبرى للجماعات الإسلامية المسلحة تراجعت».

التقديرات العامة حول مدى نجاح العملية الشاملة سيناء 2018 لا تعتمد على معلومات رسمية معلنة وافية، حيث لا يصدر عن السلطات المصرية إلا بيانات تقول بحدوث مواجهات أدت إلى سقوط عدد من القتلى الموصوفين بالتكفيريين دون الإعلان عن أسمائهم أو الإشارة إلي هويتهم سواء كانت مصرية أو غير مصرية بأي صورة واضحة. وبحسب الدبلوماسي الغربي في القاهرة فإنه «من الصعوبة تمامًا التنبؤ بما ستكون عليه الأوضاع في هذه المنطقة خلال العام الجاري. فإن السلطات المصرية، ورغم بعض أشكال التعاون الفني والتكنولوجي التي تتلقاها على سبيل المثال من الجانب الأمريكي ضمن آخرين فيما يتعلق بمراقبة نشاط بناء الأنفاق (الممتدة الى قطاع غزة ومعروف عنها أنها وسيلة لتهريب الأفراد والأسلحة بجانب السلع) وغيرها فهي لا تقدم إلا الحد القليل من المعلومات حول تقييمها لما يجري في سيناء».

العمليات تتراجع ولكن

بينما تراجعت العمليات الإرهابية في 2018، تحديدًا على مستوى نوع العمليات وفداحتها، تبلور عدد من السمات المفصلية في مسيرة التنظيمات الإرهابية وقياداتها في سيناء، بدأت تحديدًا يوم 24 نوفمبر 2017 عندما هاجم إرهابيون مسجد بلال في قرية الروضة أثناء صلاة الجمعة، وبدأوا في إطلاق النيران على المصلين، ما أدى إلى مقتل أكثر من 300 مدني. على الرغم من أن «ولاية سيناء» لم يتبن العملية رسميًا، إلا أن كل المؤشرات لا تدل إلا على تورطه المباشر.

لم تقف تبعات الهجوم الإرهابي على مسجد بلال في الروضة على خسارة البيئة الحاضنة أو الحماية القبلية لعناصر التنظيم فقط، بل وصلت ردود الفعل إلى داخل التنظيم نفسه.

أول ديسمبر الماضي، قتل أحد أفراد التنظيم القاضي الشرعي محمد سعد الصعيدي المُكنَّى بـ«أبو حمزة القاضي». عملية القتل هذه، كما قال مصدر قبلي لـ«مدى مصر»، أقدم عليها عنصر ينتمي قبليًا للسواركة، وهي القبيلة نفسها التي ينتمي لها أغلب ضحايا عملية المسجد. أما السبب، فكان عائدًا لدور الصعيدي في العملية.

بعد عملية المسجد، أصدرت جماعة «جند الإسلام» التابعة للـ «القاعدة» فيديو بعنوان «معذرة إلى ربكم» قالت إنه يظهر اعترافات لعنصر منشق عن «ولاية سيناء»، سرد فيها الكثير من التفاصيل، أهمها مسؤولية الولاية عن عملية مسجد الروضة.

قال العنصر المنشق، وبدا من لهجته أنه من ريف الدلتا، إن «ولاية سيناء» يشهد الكثير من الأزمات التنظيمية تجلت خلال الفترة في الانشقاقات التنظيمية وارتفاع حدة الغضب الداخلي بين العناصر. إذ أشار المنشق عن التنظيم إلى أن قطاع العريش شهد انشقاقًا، فضلًا عن هروب أكثر من 40 عنصرًا خلال شهر واحد فقط. وهو الأمر الذي جعل التنظيم يؤسس لأدوات عقاب داخلية لاحتجاز معارضيه. وأشار العنصر إلى قتل مَن أسماه بـ «الاستشهادي أبو مريم الروسي» لمعارضته سياسات التنظيم، بالإضافة إلى عنصر آخر تعرّض للاحتجاز والتعذيب بدعوى تجسسه على التنظيم قبل أن تثبت براءته من ذلك.

هنا يقول البحيري إن «الخلافات التنظيمية موجودة داخل «ولاية سيناء» منذ أن ظهرت في التنظيم الأم في سوريا والعراق بين التيار المُغالي والآخر الأكثر غلوًا، غير أن القيادي في التنظيم أبو أنس الأنصاري [الذي أعلن الجيش المصري مقتله في أبريل 2017]، والذي كان على دراية جيدة بالتركيبة القبلية في سيناء، كان قادرًا على تحجيم التيار الأكثر غلوًا حرصًا على العلاقات القبلية».

ويضيف موضحًا أنه «بعد زيادة نسبة وأدوار المقاتلين من غير المصريين، اتخذ التيار الأكثر غلوًا مساحته وأدى ذلك في الاصطدام أكثر مع المجتمع المحلي، وتجلى في العملية الإرهابية في قرية الروضة [نوفمبر 2017]. وبالتالي زادت حدة الخلافات الرئيسية داخل التنظيم، ونستطيع القول إنه مع استمرار وتيرة الضعف التي أُلحقت بالتنظيم في الشهور الأخيرة ستزيد الخلافات والانشقاقات أكثر، ما قد يجعل«ولاية سيناء» يلجأ قريبًا لفك ارتباطه التنظيمي بـ«داعش»، ويعلن عن مجموعة تنظيمية أخرى».

تطور آخر ملفت على ساحة التنظيمات المسلحة والعمليات الإرهابية كان ما نشرته منصة «إعلام المقاومة» نهاية أكتوبر الماضي. إذ انتجت المنصة فيلمًا وثائقيًا بعنوان «الكمين القاتل» ترويجًا لعملية كمين طريق الواحات، التي وقعت في 2017، وراح ضحيتها 16 من ضباط وأفراد الشرطة، جلّهم من ضباط قطاع الأمن الوطني.

المنصة الناشطة على برنامج «تليجرام» وموقعي «فيسبوك» و«تويتر» لا تعبر رسميًا عن جماعة «الإخوان المسلمين». لكنها معنية وحدها بالترويج لنشاط التيار المتورط في العمل المسلح من الجماعة، ممثلين في تنظيمي «حسم» و«لواء الثورة». ونُشرت البيانات الإعلامية وبيانات إعلان المواقف والمواد الدعائية، حصرًا، على هذه المنصة.

وفي هذا السياق كان إنتاج ونشر الفيلم نقطة تحوّل هامة، لم يلتفت لها الكثير، إيذانًا بأن المنصة ذات الطابع الإخواني، والتي رفضت فيما مضى عمليات نفذها تيار السلفية الجهادية، باتت تروج لهذه العمليات الآن. يشير البحيري إلى أن الفيلم كان بمثابة رسالة بعثها المحسوبون على التيار المسلح من جماعة «الإخوان المسلمين» للتيار المسلح الأوسع، ومفادها أنهم على الأقل يمجدون عملياتهم.

بعد هذا الفيلم، قامت «ولاية الصعيد» المحسوبة على «الدولة الإسلامية» أو «مجموعة عمرو سعد»، بتنفيذ عملية بالمنيا في نوفمبر الماضي، وأعلنوا أنها ثأرًا للمعتقلات. وتزامن ذلك مع حملة اعتقالات شنّتها قوات الأمن المصرية على سيدات محسوبات على تيار «الإخوان». وأسفر الهجوم على حافلة رحلات تحمل أقباطًا عن مقتل سبعة مواطنين، وإصابة نحو 20. وأعلن التنظيم مسؤوليته عن الهجوم قائلًا إن العملية تأتي لما أسماه بـ «الثأر لأخواتنا العفيفات اللاتي اعتقلهن النظام في مصر».

يتحدث البحيري عن القيادي في المجموعة عمرو سعد المسلحة، وهو المتهم الأساسي بالتخطيط للعمليات الإرهابية التي استهدفت الكنيسة البطرسية في ديسمبر 2016، وكنيستَي طنطا والإسكندرية في أبريل 2017 والهجوم على حافلتي المنيا في 2017 و2018، وكذلك المحاولة الفاشلة لاستهداف كنيسة السيدة العذراء في مسطرد بالقليوبية.

يقول البحيري إن «عمرو سعد بعد ثورة يناير كان عضوًا في حزب البناء والتنمية (الذراع السياسية للجماعة الإسلامية) وكان واحدًا من الذين قدموا نقدًا للمراجعات التي أجراها الجهاديون في السجون، إلى جانب قيادات أخرى مثل عاصم عبد الماجد وطارق الزمر. وعند انتقاله للعمل المسلح كان يتخذ من أعضاء الحزب بيئة جاهزة للتجنيد، إلا أنه قرر الالتفات للعناصر الإخوانية التي تسعى للعمل المسلح».

إجمالًا يتفق مصدر دبلوماسي غربي يعمل بمصر مع التقييم العام بخصوص تراجع نشاط «ولاية سيناء» بشكل عام حتى مع تطور تشكيلها، وان كانت تتجه لتبني نبرة أكثر حذرًا إزاء تفسير دلالات تراجع قسوة العمليات الإرهابية في سيناء مع الإعراب عن الخشية من أن يكون هذا التراجع تكتيكي من قِبَل الجماعات الارهابية التي ربما -بحسب المصدر نفسه – تكون بصدد إعادة بناء قدراتها، وضمّ كوادر جديدة سواء من خلال العناصر التي تشق طريقها إلى مصر عبر مسارات الساحل والصحراء قادمة من ليبيا، أو تلك العناصر التي يتمّ ضمّها من السُكّان المحليين الذين يتزايد إحساسهم بالغُبن إزاء القسوة التي يشتكون من وقوعها عليهم من قِبل القوات المصرية الموجودة في سيناء.

في الوقت نفسه، يقدر معهد «التحرير لدراسات الشرق الأوسط» من خلال متابعته لنشاطات «ولاية سيناء» أن التنظيم لم يتوقف فعليًا عن العمليات التي تشنّها خلال شهور العملية الشاملة «سيناء 2018». ويقول المعهد -بناءً على متابعته لما يصدر إعلاميًا من تحركات مسلحة في شمال سيناء- إن «ولاية سيناء» كانت تشنّ نحو  18

هجمة شهريًا منذ بدء العملية. وهو متوسط يتطابق مع  عدد الهجمات التي كانت تحدث قبل «سيناء 2018». بعض هذه العمليات كان أكثر قسوة من الآخر فيما يترتب عليه من قتلى وجرحى وخسائر بصفوف المجندين والضباط من الشرطة والجيش المصريين المتواجدين في شمال سيناء.

كيف كانت حياة الأهالي والعملية قائمة؟

نتج عن العملية الشاملة «سيناء 2018» عدة قرارات أصابت المجتمع السيناوي بالصدمة، خاصة قرار منع دخول جميع أنواع الطعام والخضراوات إلى المدينة، والذي تبعته قرارات متتالية أهمها إغلاق محطات الوقود وتوقف الدراسة، وكذلك

إغلاق مدن المحافظة الست على مَن فيها، ومنع التنقل بينها، ومنع السفر خارج «شمال سيناء» ومنع الدخول إليها.

لكن مع دخول شهر يونيو العام الماضي، بدأت الحياة داخل مدن «شمال سيناء» تعود لطبيعتها إلى حدٍ ما بعد شهور عجاف عاشها أهلها مع بداية العملية الشاملة، عندما خففت أجهزة الأمن من قراراتها وبدأت بالسماح بدخول مختلف أنواع الطعام والخضراوات. اختفت مثلًا الطوابير على سيارات الشركة الوطنية التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة التي كانت تمثل المصدر الوحيد للطعام لأهالي المحافظة بما تبيعه للمواطنيين من منتجات مجمدة من لحوم وفراخ وأسماك.

ورغم السماح بدخول الأغذية بمختلف أنواعها، يستمر حظر دخول البضائع التجارية إلا عن طريق تنسيق مسبق مع الغرفة التجارية في مدينة العريش والقوات المسلحة. كما تفرض السلطات الأمنية حظرًا على دخول مستلزمات الدهانات والأدوات الصحية والكهربائية خاصة مواتير المياه وطرمبات الرفع وقطع غيارها وكذلك أسلاك اللحام وأسطوانات الأكسجين والتنر والنَفط المستخدم في أعمال الدهان وكل أنواع العوازل المستخدمة في البناء والمعمار، وجميع قطع غيار السيارات.

حالة الحظر تلك، نتج عنها أزمة مالية لأصحاب تلك التجارة، وكذلك ممتهني تلك المهن من الصنايعية فضلًا عن ارتفاع سعر بيعها لأضعاف لدى التجار ممَن لديهم علاقات واسعة ولديهم القدرة على إدخال كميات منها.

كذلك بات حال صيادين مدينة بئرالعبد أفضل حالًا بعد سماح السلطات الأمنية بالصيد في بحيرة البردويل في أول أغسطس الماضي والتي استمر الصيد بها حتى شهر يناير من العام الجاري، وذلك عندما أغلقت مرة أخرى في فترة المَنع للسماح للأسماك بالتكاثر مرة أخرى. كانت أجهزة الأمن قد أغلقت ساحل البحر المتوسط بالكامل أمام الصيادين، ومُنع الصيد بكل أنواعه.

ومع بداية العملية العسكرية الشاملة جمعت القوات المسلحة جميع مراكب الصيد في مدينة العريش داخل ميناء العريش، ومنعت الصيادين -حتى الآن- من الخروج بمراكبهم من المدينة كذلك. ويمتهن العديد من أبناء محافظة شمال سيناء الساحلية خاصة في مدينتَي العريش وبئر العبد حرفة الصيد، والتي تعتبر مصدر رزقهم الوحيد. وبينما لا يستطيع هؤلاء الصيادون العمل في الساحل الممتد حتى قناة السويس، تدخل مراكب الصيد الكبيرة القادمة من بورسعيد ودمياط إلى البحر الذي تطل عليه شمال سيناء وتصيد فيه.

حاليًا تنتظم الدراسة في جميع مراحل التعليم الجامعي وما قبله، وعادت الجامعات والمعاهد الخاصة التي نُقلت الدراسة بها إلى خارج المحافظة، وذلك بعد حالة من الارتباك أصابت العملية التعليمية بالكامل للفصل الدراسي الثاني في الشهور الأولى من 2018، والذي بدأ بالتزامن مع بداية العملية الشاملة. ولكن لا يزال المدرسون يتعرضون لصعوبات للوصول في مدارسهم في مدن وسط سيناء والشيخ زويد انطلاقًا من مدينة العريش، تتمثل في التوقف لساعات طويلة على الارتكازات العسكرية والشرطية المنتشرة على الطُرق الدولية التي تربط بين مدينة العريش العاصمة وباقي مدن المحافظة.

وفي أول شهر مارس الجاري قُتل طالب يدعى ياسر الطراطرة، المُقيم في العريش، والذي يدرس في مدرسة الصنايع بقرية «قبر عُمير»، حين تعرّضت الحافلة التي كان يستقلها مع زملائه لإطلاق رصاص بعد أن توقفت على الطريق الدولي «العريش-رفح» في مكان خاطئ بالقرب من ارتكاز عسكري.

وضعت أجهزة الأمن كذلك آلية للسفر من وإلى المحافظة، وبات الخروج من مدنها مُيسرًا، بينما بات الخروج من «شمال سيناء» بالكامل أكثر تعقيدًا، بسبب الزحام الشديد على معديات قناة السويس للعبور إلى الضفة الغربية سواء للخروج من المحافظة أو العبور للضفة الشرقية للقادم، في ظل استمرار إغلاق كوبري السلام الواصل بين الضفتين منذ أغسطس 2015.

أطلق السيناويون على مجمل تلك القرارات بـ «الإنفراجة» وإن كانت «انفراجة منقوصة»، بحسب أهالي تحدثوا لـ «مدى مصر»، وذلك لأنها لم تشمل جميع مناحي الحياة.

من ناحيته، يقر البحيري ببعض وليس بكل ما تنقله صفحات مواقع التواصل الاجتماعي من مشاعر غضب وغُبن لدى بعض مواطني شمال سيناء، خاصة مَن اضطروا لمغادرة منازلهم مع عمليات إخلاء المنطقة الحدودية.

وعَقب الهجوم على ارتكاز «كرم القواديس» العسكري في مدينة الشيخ زويد في 24 أكتوبر 2014، أصدر المهندس إبراهيم محلب رئيس مجلس الوزراء آنذاك قرارًا بتدشين منطقة عازلة مع قطاع غزة بطول 13 كيلو متر مع القطاع الفلسطيني وبعمق 500 متر في عمق الأراضي المصرية. كان ذلك تحت عنوان القضاء على الأنفاق الواقعة في هذه المنطقة التي تستخدم في تهريب الأسلحة والمسلحين وأيضًا تحت عنوان إعفاء السُكّان من التعرّض للخطر. وفقًا لأهالي رفح، فإن المناطق التي تمّ إخلاؤها على مراحل مختلفة تمّ هدم كل ما كان بها من منازل وأسواق وآبار ومزروعات ليتمّ تسويتها بالأرض، ما أدى لمحو أي أثر سابق للحياة بها. في الوقت نفسه، لم تنشر السلطات المصرية أية تفاصيل عن المنطقة العازلة وأعداد النازحين.

وبينما يتكهن البعض أن المنطقة التي تمّ إخلاؤها على الحدود ربما تكون في مرحلة لاحقة منطقة صناعية وتجارية حرة يتمّ استغلالها لإقامة مشروعات تفيد أبناء سيناء وأهالي غزة الذين يعانون من حصار شديد، إلا أن المصدر الإقليمي المطلع على هذا الملف يقول إن مثل هذه المشاريع لن تكون في العام الجاري أو الذي يليه ولا يمكن توقعها دون أن يكون هناك إنهاء كامل ومُستدام لتواجد العناصر المسلحة في سيناء.  كما يستبعد المصدر أي تحرك تنموي في المنطقة قبل الوصول إلى تفاهمات أمنية مُستدامة بين كل من مصر و«حماس» وإسرائيل حول سلامة الحدود «وهذا بالتأكيد لن يحدث اليوم أو غدًا أو بعد غد».

نهلة إمام، أستاذ الانثروبولوجي، والتي يركز عملها على دراسة الخريطة الثقافية والمجتمعية لسيناء منذ السنوات الأولى لاستعادة مصر لها في الثمانينات، تتفهم أن قرار استمرار العمليات من عدمه هو في المقام الأول قرار أمني، إلا أنها تقر أيضًا بأن استمرار التواجد الأمني الواسع «يؤثر بالتأكيد سلبًا على أداء المجتمع ومنظومته». وتقول إنه من المهم أن يقترن التحرك الأمني بتحرك «موازٍ مع قبائل سيناء لضمان أن يكون الحراك الأمني متفهمًا لمفردات المجتمع البدوي، وفي إطار من بناء الثقة والتعاون مع قيادات القبائل». مضيفة أن هذه القبائل «لديها القدرة التي لا يمكن منافستها في استشعار الغرباء، وأيضًا القدرة على تتبعهم والحيلولة دون تمكنهم من الحصول على أي دعم».

لعب أبناء القبائل في سيناء بعض الأدوار مع  القوات المسلحة مثل التواجد داخل معسكرات الجيش أثناء التحقيق مع المحتجزين لتسهيل انتزاع المعلومات منهم، ومرافقة حملات الجيش أثناء مداهمتها لقرى الشيخ زويد ورفح.

وفي بعض الأحيان، تطور الأمر لحمل بعض أبناء القبائل لسلاح الجيش في فِرق مشكلة اعتمد الجيش عليها جزئيًا في بعض مواجهاته مع المسلحين خاصة في منطقة الشيخ زويد. ولكن لم تخضع هذه الفِرق لقيادات القبائل.

بخلاف ذلك، لم يكن هناك تعاون ممتد وممنهج بين القبائل والجيش.

وبحسب حديث سابق لأحد أعضاء القبائل السيناوية، فإن استعداد بعض قيادات القبائل للتعاون مع الأمن لم يكن بالأمر السهل لأنه يمثّل في العُرف القبلي عملية «وشاية» يمكن أن تكون سببًا للقصاص، وهو في رأي المصدر نفسه السبب الأرجح وراء الهجوم على مسجد الروضة في نوفمبر 2017، فالقبيلة التي تعرّضت للهجوم من المعروف أن لها علاقات تعاون مع الأمن لكشف وتعقب الجهاديين-التكفيريين.

 كان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد قال في تصريحات متتالية منذ وصوله سدة الحكم في يونيو 2014 التزامه بإخلاء سيناء من الإرهاب وإطلاق مشروعات تنموية كبيرة تشمل مناطقها الثلاث الشمالية والوسطى والجنوبية. ورغم تصريحات سابقة لمعاونيه عن الانتهاء من عملية دحر الارهاب و«تسليم سيناء متوضية» للدولة، فإن عام 2019 حلّ مع إدراك واقعي يفيد بأن هناك المزيد من المواجهات التي تنتظر سيناء، وهو ما حدث في فبراير الماضي مع عملية «كمين جودة 3».

اعلان
 
 
أسمهان سليمان 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن