امتحان التابلت: فعلًا «السيستم واقع»
 
 

لليوم الثاني على التوالي فشلت تجربة امتحانات التابلت للصف اﻷول الثانوي، ما دعا وزارة التربية والتعليم اليوم، الإثنين، للإعلان عن «إيقاف منصة الامتحانات الخاصة بالصف الأول الثانوي … وذلك لاستكمال ضبط المنظومة ومراجعة المكونات التكنولوجية في المدارس. وسيتم نشر امتحان مادة الأحياء مساء اليوم على موقع الوزارة لتدريب الطلاب عليه».

وأوضحت إنجي مشهور، المسؤولة بالمكتب الإعلامي للوزارة، لـ «مدى مصر» أن الإيقاف لا يشمل كل الامتحانات، ولكنه يشمل امتحان اليوم فقط، وأن الوزارة ستنشر، مساء اليوم، بيانًا تعلن فيه تفاصيل الامتحانات القادمة، ولم تقدم المسؤولة أي تفاصيل إضافية عن الأزمة.

بعد ساعات، وعقب اجتماع رئيس مجلس الوزراء، مصطفى مدبولي، بوزير التربية والتعليم، طارق شوقي، ووزير الاتصالات، عمرو طلعت، أعلن شوقي أنه تم الاكتفاء بالتجربة التي أجريت على مدار اليومين الماضيين «حتى لا نكبد أبناءنا أي عناء»، مشجعًا الطلاب على تحميل أسئلة الامتحانات من على الموقع الإلكتروني للوزارة ومحاولة الإجابة عليها خلال الفترة الزمنية المقررة لاختبار قدرتهم.

وأكد الوزير أن هناك فريق عمل من وزارتي التربية والتعليم والاتصالات، وعدد من المهندسين في أجهزة أخرى يعملون على تطوير النظام الإلكتروني للامتحان، لافتًا إلى أن رئيس الوزراء وجّه بإصلاح أي عطل أو نقص في البنية التحتية  بالمدارس، وذلك من خلال الخريطة التي تم إعدادها للتعرف على الأعطال والتعامل معها خلال أسبوعين من تاريخه، مشيدًا بالبنية الأساسية «غير المسبوقة التي تمت في المدارس من شبكات فايبر وشبكات داخلية وخوادم».

وأكد الوزير أن القرار بشأن وسيلة إجراء الامتحان في مايو المقبل، من خلال التابلت أو بشكل ورقي، سيتم تحديده بناءً على جاهزية التقنيات المتوفرة.

في السابعة من صباح أمس، اﻷحد، وصلت الشقيقتان روضة ورؤية إلى مدرستهما الحكومية في حلوان؛ سعد زغلول التجريبية، استعدادًا لأداء امتحان اللغة العربية الإلكتروني، أول الامتحانات التجريبية للصف الأول الثانوي باستخدام التابلت.

كانت وزارة التربية والتعليم قد أعلنت في مطلع مارس الجاري عن عقد الامتحان الإلكتروني التجريبي لطلبة الصف الأول الثانوي، على مستوى الجمهورية، من 24 مارس وحتى الرابع من أبريل المقبل، وذلك تمهيدًا لتطبيق هذا النوع من الامتحانات في نهاية العام الدراسي في مايو المقبل، كأحد آليات الوزارة لمنع ظاهرة تسريب الامتحانات التي تكررت في الأعوام السابقة، كان آخرها في امتحانات الفصل الدراسي الأول من هذا العام في يناير الماضي، ضمن نظام تعليمي جديد هو أحد أضلاع خطة أشمل يتبناها وزير التعليم الحالي، طارق شوقي، لتطوير التعليم.

بوصولهم الفصول، استلم الطلاب الـ user name (اسم المستخدم) والـ password (كلمة السر) اللازمين للوصول إلى الموقع الإلكتروني للامتحان، بالإضافة للكود اللازم للولوج للامتحان نفسه. وبداية من الثامنة والنصف بدأت محاولات روضة ورؤية وزملائهما لأداء الامتحان، والتي باءت جميعها بالفشل، لعدم وجود إنترنت أحيانًا، أو لأن الموقع الإلكتروني للامتحان لا يفتح أحيانًا. أعطى مسؤولو المدرسة الطلاب أكوادًا متعددة لمحاولة الدخول للامتحان، لكن دون فائدة.

في منتصف اليوم الدراسي تواجد أحد مسؤولي وزارة التربية والتعليم في المدرسة، وقال للطلاب إن «المشكلة في الشبكات، ما كناش متصورين إن العدد ده كله هيدخل على الامتحان»، وبحسب روضة ورؤية، أبدى الطلاب قلقهم من تكرار المشكلة نفسها في امتحان نهاية العام، وهو ما رد عليه المسؤول بأن الوزارة ليس في يدها شيء.

بادرت روضة المسؤول بقولها: «إحنا قلنالكم قبل كده إن الشبكة مش هتستحمل، إحنا لما بنكون خمسة في البيت داخلين على النت، النت بيهنج، إزاي هنمتحن في مايو الامتحانات اللي عليها درجات؟»، فكان رد المسؤول أن «الشبكة كلها هتتغير»، تتساءل الطالبة: «هيغيروا الشبكة في شهر؟ شبكة مصر كلها؟».

انتهى اليوم الدراسي في الثانية ظهرًا دون أن تنجح أي من محاولات الطلاب لأداء الامتحان، وعاودت روضة ورؤية المحاولة من المنزل في مساء اليوم نفسه، دون أن تصلا إلى نتيجة مختلفة، وهو ما تكرر اليوم، الإثنين، الذي كان مقررًا أن تؤديا فيه امتحان مادة اﻷحياء، إلا أن «السيستم فضل واقع».

لم يختلف الأمر بالنسبة إلى محمد، الطالب في مدرسة مصطفى كامل التجريبية بمنطقة العمرانية بمحافظة الجيزة، والذي قال لـ «مدى مصر» إنه قضى ثلاث ساعات في مدرسته أمس، محاولًا الدخول للموقع الإلكتروني للامتحان، واستمرت محاولاته من المنزل حتى منتصف الليل، دون أن ينجح في ذلك، وهو ما تكرر خلال الساعتين اللتين قضاهما في محاولة أداء امتحان اﻷحياء، اليوم.

اﻷمر نفسه حدث مع سيف، الطالب بمدرسة حفر الباطن الحكومية بمنطقة المريوطية بالجيزة، وكذلك مع ليلى، الطالبة بمدرسة قاسم أمين الحكومية بأبو قرقاص في المنيا، والتي أضافت لـ«مدى مصر»، إنها نجحت هي وعدد من زميلاتها في أداء الامتحان الثاني، اليوم، ولكن باستخدام الموبايلات الشخصية، بعد فشلهن في أداء الامتحان باستخدام تابلت الوزارة.

كان وزير التربية والتعليم قد نشر مقطع فيديو مصورًا مساء أمس، اعتذر فيه عن فشل تجربة الامتحان الإلكتروني في يومه الأول، مطمئنًا الطلبة وأولياء الأمور، أن العطل قد تم إصلاحه.

وأوضح الوزير أنه كان من المفترض دخول حوالي 650 ألف طالب فقط على الموقع، وهو عدد الطلاب المقيدين في الصف اﻷول الثانوي على مستوى الجمهورية. غير أن أكثر من أربعة ملايين شخص دخلوا على موقع الامتحان، ولم يتحمل «السيرفر» كل هذا العدد، بحسب الوزير، الذي أضاف أن الضغط كان في أغلبه من خارج مصر.

وفي بيانه، قال الوزير إن وزارته رفعت من سعة استيعاب السيرفر، كما قررت منع الدخول على الموقع من خارج مصر، بالإضافة إلى حصر الدخول على التابلت على شبكة الإنترنت في المدرسة، أو عبر الشريحة الإلكترونية التابعة لشركة «WE» فقط.

بعد ساعات من بيان الوزير، ورغم الإجراءات التي أعلن عنها، فشل الطلبة في أداء ثاني الامتحانات باستخدام التابلت.

من جانبه، نفى الخبير التقني في نظم المعلومات، وائل خليل، وجود وجاهة في حجة عدم تحمل السيرفر للضغط، وأضاف لـ «مدى مصر»: «مفيش حد هيقدم تطبيق أو خدمة مبنية على استخدام الإنترنت، ومش هيحضر نفسه للضغط أو أعداد المستخدمين، ده شيء أساسي في التحضير للخدمة، وبالتالي اللي حصل ده مش مفاجأة ولا هي حاجة غير مسبوقة، لكنها تدل على عدم الاستعداد وسوء إدارة المشروع».

واستطرد خليل أن تبرير الوزير لما حدث هو  «عذر أقبح من ذنب، حتى لو في مجال للفشل، كانت تفشل بعد 300 ألف مستخدم مثلًا، مش من أول دقيقة، كان ممكن يجربوا وهم مش جاهزين لكن مش بالشكل ده».

ورأى خليل أن الوزارة تعجلت في تنفيذ المشروع لاستكمال «الشو الإعلامي»، وكان بإمكانها إجراء التجربة على عدد محدد من الطلاب في عدد محدد من المحافظات، مضيفًا أنه يشك في أن الوزارة قامت بتجربة الخدمة قبل طرحها على الطلبة، أو أنها استخدمت خدمة تم تجريبها سابقًا، كما يشك في حدوث هجوم على السيرفر، فضلًا عن تشككه في عدد الأربعة ملايين مستخدم الذي ذكره الوزير، موضحًا أنه في الأغلب كان هذا العدد لنفس المستخدمين، ولكن لأكثر من محاولة.

أما عبد الحفيظ طايل، مدير مركز الحق في التعليم، فعلق على ما حدث على مدار اليومين الماضيين قائلًا: «هو مش بس فشل، الموضوع مش إن فيه حد بيحاول يعمل حاجة وقابلته معوقات»، مضيفًا أنه منذ بداية الدعاية للنظام التعليمي الجديد، وكل الأصوات العاقلة أشارت إلى أنه لا توجد بنية تحتية تسمح بالنظام الإلكتروني.

واستكمل: «إحنا قدام تعمية على المشكلات الحقيقية وانفصال عن الواقع.. التكنولوجيا التي يتغني بها وزير التعليم هي أداة مش حل سحري، إذا استخدمت في سياق مظبوط هتنجح، لكن في سياق مش مظبوط مش هتنجح، حتى لو البنية التحتية متوفرة والفصل فيه 80 طالب التابلت مش هيجيب أي نتيجة».

كانت الحكومة، ممثلة في وزير التعليم، أعلنت بداية من العام الماضي عن لجوئها لنظام تعليمي جديد يبدأ تطبيقه على مراحل: رياض اﻷطفال، والصف اﻷول الابتدائي، والصف اﻷول الثانوي، بداية من العام الدراسي الحالي 2018/2019، ويهدف هذا النظام لتطوير المناهج، وطرق التدريس، والاعتماد بشكل أكبر على التكنولوجيا.

وأعلن وزير التربية والتعليم في أكتوبر الماضي، أن تكلفة بناء المحتوى في إطار النظام الجديد بلغت حوالي مليار جنيه، دون أن يُفصح عن إجمالي تكلفة المشروع. ثم أعلن في فبراير الماضي أن «التابلتس» التي اشترتها الحكومة وعددها 708 آلاف تابلت، قد كلفت الحكومة 3.6 مليار جنيه إجمالي، بقيمة 4500 جنيه للتابلت الواحد. بخلاف تكلفة نظم الامتحانات الإلكترونية والتدريب والشبكات.

ورغم بدء العام الدراسي في سبتمبر من العام الماضي، إلا أن طلاب الصف اﻷول الثانوي لم يتسلموا التابلت إلا في منتصف فبراير من العام الجاري، بينما جرى تسليم الشرائح (الخطوط) اللازمة لتفعيل التابلت خلال يومي 21 و22 مارس الجاري، والتي كانت حلًا لجأت إليه الوزارة لعدم ملائمة البنية التحتية الخاصة بالإنترنت في المدارس.

يؤكد الطالب سيف لـ «مدى مصر» إنهم لم يتم تدريبهم على استخدام التابلت منذ استلامه، فيما تضيف الطالبة رؤية: «إحنا أول مرة ندخل اليوزرنيم والباسوورد بتاعة التابلت ساعة الامتحان، ما كناش بنستخدمه، والمدرسين نفسهم مش كلهم معاهم تابلت، هيدربونا ويشرحولنا إزاي عليه؟».

أما الطالبة روضة فقالت: «التابلت المفروض يمنع الغش اللي حصل في امتحانات التيرم اللي فات، طب هيمنع إزاي وهو مش شغال أصلًا، وبعدين هم عايزينا نستخدم التابلت إزاي، وإحنا متعودين على نظام مذاكرة معين طول السنين اللي فاتت، وهم هيلزمونا بالتابلت في امتحان آخر السنة.. كمان أنا مش واثقة إن المشكلة هتتحل أصلًا، لأن شبكة الإنترنت في مصر أصلًا ضعيفة، هيغيروا الشبكة كلها؟».

وفيما يعبر محمد عن قلقه من فرض استخدام التابلت في امتحان نهاية العام، مضيفًا أنه يفضل أن تكون الامتحانات ورقية، تقول رؤية: «في حد جنبي التابلت بتاعه هنج أصلًا وما فتحش، طب لو ده حصل في امتحانات آخر السنة؟».

سامر بكري، مصمم جرافيكس، وهو ولي أمر الطالبتين روضة ورؤية، قال لـ «مدى مصر» إنه يتمنى نجاح النظام التعليمي الجديد، لكن التقنيات ضعيفة، «شبكة WE شبكة ضعيفة، أنا كنت بحاول أقنع بناتي يستخدموا التابلت في البيت ويتدربوا عليه، بس ما كانش بيشتغل، وما حدش دربهم عليه في المدرسة.. أنا شايف إنه نظام كويس بس هم استعجلوا في تنفيذه، وماجهزوش ليه كويس، خصوصًا إنهم قالوا إن الولاد هيستلموا التابلت مع الكتب وده ما حصلش».

أمل منير، ربة منزل، ولية أمر طالبة في مدرسة جمال عبد الناصر الحكومية في منطقة الدقي بالجيزة، قالت لـ «مدى مصر»: «النظام ده ممكن يكون كويس بس مش في الامتحانات، كده كده الولاد بيعرفوا يستخدموا الإنترنت أحسن مننا، بس مش المفروض يمتحنوا بيه آخر السنة، أفضل إن الامتحانات تبقى ورقية، الوزير نفسه اللي اتعلم في أمريكا امتحن ورقي مش على تابلت».

فيما رأى طايل أن «الوزير بيحاول يحط خطة لتطوير التعليم بقاله سنة، ودي الخطة رقم 15 في تاريخ الوزارة، وفيه خطط سابقة اتحطت في الدرج، لكن لغاية اللحظة ما حدش عارف ملامح الخطة دي وكأنها أسرار قومية، وأشار أكتر من مرة إن اللي هيعترض هيتحبس».

واعتبر طايل أننا أمام انتهاك منهجي للحق في التعليم، فالوزارة تتجاهل المشكلات الحقيقية مثل العجز في عدد المدارس وعدد المعلمين، والمرتبات الهزيلة للمدرسين، بالإضافة إلى المناهج «المتسلطة والإدارة الأمنية للتعليم»، على حد قوله، مضيفًا: «النتيجة الطبيعية إن السيرفر يقع والامتحانات تقف».

واستشهد طايل على انفصال الوزارة عن الواقع بتصريح لوزير التعليم قبل يومين قال فيه إن طلاب الصف الأول الثانوي قرأوا ما يوازي 12 ضعف المحتوى بمكتبة الكونجرس الأمريكية خلال شهر، باستخدام التابلت، وهو ما علق عليه طايل قائلًا: «لو صحيح العيال قروا كل ده في شهر يبقوا مش محتاجين تعليم خلاص، ياخدوا الشهادات على طول».

اعلان
 
 
هدير المهدوي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن