جاسيندا آرديرن

منذ أيام، وبالتحديد في 15 مارس، فجع العالم بإرهابي يميني متعصب، يقتحم مسجدين في نيوزيلندا، ويطلق النار على المصلين. تراوحت ردود الأفعال الرسمية لزعماء الدول، لكنها جاءت كلها، بلا استثناء واحد، مستهجنة لهذه الجريمة الشنيعة، والتي بثت على موقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك.

إلا أن ردة فعل الحكومة النيوزيلندية ومن خلفها الإعلام النيوزيلندي، ومعهم الناجين وأسر الضحايا، ثَمَّنها العالم، وخاصة جماهير العالمين العربي والإسلامي والذين أصيب جلهم بحالات متفاوتة ما بين الذهول، والتحسر على بختهم المايل، والإجلال والتأثر.

ونتيجة لردة الفعل تلك، حظت رئيسة الوزراء النيوزيلندية مؤخرًا بشعبية واسعة في العالمين العربي والإسلامي، إذ أبدت تضمانًا صادقًا مع الضحايا وأسرهم، وتفهمًا كبيرًا لمشاعر المسلمين بشكل عام، وقامت بارتداء غطاء الرأس توقيرًا وتبجيلًا لمعتقداتهم، وإن لم تفعل لما لامها أحد.

لكن السيدة جاسيندا آرديرن، تعمدت الإمعان في إظهار التضامن والتعاطف، وتفهم مشاعر الحزن والغضب والضغوط النفسية الجمعية التي تتعرض لها مجموعة بشرية ما. كما أنها أوفت بوعدها بتعديل قانون السلاح في نيوزيلندا، وأصدرت لتوها قانونًا بحظر اقتناء السلاح الآلي، وكان عدد كبير من المواطنين النيوزلنديين قد استجاب لمقولتها: «نحن لا نحتاج لكل هذا السلاح» قبل تشريع القانون، إذ قاموا، طواعية، وقبل إجراءات تعديل القانون، بتسليم أسلحتهم للشرطة.

بالطبع، أدان جميع زعماء العالم قاطبة -حتى القتلة منهم- هذا الحادث الذي أصرت رئيسة وزراء نيوزيلندا على وصفه بـ «الإرهابي»، وهي أول من وصفه بهذا الوصف، وكان هذا هو رد فعلها العاجل على الحادث، كما أنها صرحت بإن المنفذ يرغب في الشهرة وفي تحقيق أهداف خلف هجومه، وأنها لن تمنحه ما يريد، ولن تنطق اسمه، بل ستظل تصفه بالإرهابي دومًا.

يشارك رواد مواقع التواصل الاجتماعي، من المسلمين والعرب خاصة، أخبار جاسيندا آرديرن بتأثر بالغ، وتعليقات استحسان كبيرة، مشفوعة بدعوات لها بالخير.

من هي هذه الجاسيندا إذن؟

جاسيندا كيت لوريل آرديرن. من مواليد 26 يوليو 1980. أصغر رئيسة وزراء في العالم. عضوة في حزب العمل، وكانت أصغر عضو برلمان في نيوزيلندا، وقالت في خطاب لها في البرلمان، ببالغ الثقة الطفولية التي يتمتع بها مواليد برج الأسد: أعلم أنني شابة استثنائية. والدها ضابط شرطة، ووالدتها مساعدة في مطبخ إحدى المدارس، وهم أسرة مسيحية متدينة.

كانت عمتها اليسارية، هي أول من فتح لها باب العمل في السياسة، فقد وجدت فيها حماسًا ونشاطًا، فقد شاركت جاسيندا في حملة مدرسية تطالب إدارة المدرسة بالسماح للفتيات بارتداء البنطال، توسمت فيها عمتها الخير، فطلبت مساعدتها في المشاركة في بعض حملات التوعية والحملات الانتخابية الخاصة بحزب العمل.

أثناء دراستها كانت تعمل في محل لبيع الأسماك، وكانت في أوقات فراغها تعمل على تشغيل الـ DJ في الحفلات، ولم تعتبر النشاط الأخير مهنة بقدر ما اعتبرته هواية. تخرجت في جامعة وايكاتو عام 2001، وتدربت كباحثة في مكتب رئيسة الوزراء السابقة، هيلين كلارك (دي حدوتة كبيرة الست دي، نحكي عنها بعدين)، والتي تعتبرها آردين مثلها الأعلى. كما سافرت إلى المملكة المتحدة، وعملت لفترة كمستشار سياسي لتوني بلير، وبالرغم من أنها لم تقابله شخصيًا، إلا أنها أعدت مذكرة لمحاسبته بشأن مشاركته في الحرب على العراق، التي كانت جاسيندا تناهضها.

كانت عضوة نشطة في حزب العمل بنيوزيلندا، وساهمت في زيادة شعبية الحزب، عبر عقد تحالفات مع حزب الخضر، وأحزاب أخرى، مما دفع بها إلى الترقي في سلم الحزب، ومن ثم، نزولها على قائمته في الانتخابات البرلمانية.

وقت أن كانت عضوة في البرلمان، أرسل إليها المذيع التليفزيوني النيوزيلندي كلارك جايفورد بمشكلة متعلقة بدائرته، وتقابلا، ثم نشأت بينهما صداقة سرعان ما تحولت إلى قصة حب.

شغلت منصب رئيسة وزراء نيوزيلندا في عام 2017، ثم أعلنت أنها حبلى في يناير 2018، مصرحة أن أحد زملائها في الوزارة سيحل محلها لمدة ستة أسابيع عقب الولادة. وكانت تذهب لتمارس عملها وهي حبلى حتى يوم الوضع. وبعد انقضاء إجازة الوضع، عادت لعملها، وكانت تصطحب وليدتها لمقر عملها. آه آه حررتك.. بتخش الوزارة شايلة العيلة على كتفها، لا وبترَضَّع طبيعي كمان. كما قامت بكل رحلاتها خارج البلاد ومعها رضيعتها.

الكبيرة بقى: حضرت جاسيندا الجمعية العمومية للأمم المتحدة وهي لافعة العيّلة على كتفها. وتحدثت هناك عن أهمية الحفاظ على البيئة ومكافحة انتشار السلاح النووي، ثم انتحت جانبًا، عقب الانتهاء من كلمتها، لترضع وليدتها.

هييييه… يا سلااام، نفسي ربنا يوقعها في واحد من الذين يعلقون على أي امرأة تعبر عن رأيها بالمقولة اللطيفة الخفة الظريفة: خُشي المطبخ شوفي اللي وراك. حيث أن جاسيندا اللطيفة، ليست لطيفة بالمرة مع من يحاول تحقير المرأة أو الحط من شأنها.

ما زالت جاسيندا تحتفظ بأصدقاء الدراسة ومحل بيع السمك ورفقاء الـ DJ حتى هذه اللحظة.

ما هي أفكار جاسيندا؟

تصف نفسها بأنها: اشتراكية ديمقراطية جمهورية تقدمية نسوية. تحمل النظام الرأسمالي العالمي مسؤولية زيادة أعداد المشردين في نيوزيلندا على الخصوص، وفي العالم بوجه عام، فهي التي شاركت، منذ أن كانت في المرحلة الثانوية، في حملات لمكافحة الفقر في العالم. تدعم حق السكان الأصليين لنيوزيلندا؛ الماوري، في تعديل قانون الانتخابات، وقامت بإدخال تعليم اللغة الماورية في المدارس الحكومية.

كانت أول رئيسة وزراء تشارك في مسيرة لدعم حقوق المثليين، وتنادي بحق الإجهاض للنساء، وعدم إدراج الإجهاض في قانون العقوبات كجريمة يحاسب عليها القانون. تناهض تجريم تعاطي القنب، وتعهدت بإجراء استفتاء حول تشريع تعاطيه. ترغب في تقليص الأعداد التي تستقبلها نيوزيلندا من المهاجرين لصالح إفساح مجال أكبر لاستقبال اللاجئين. وكما سبق وأن ذكرت، وبما أنها تأخذ رضيعتها في كل مكان، وتزاول أمومتها في خضم ممارسة مهنتها، فهي ترى ضرورة سن قوانين لتحسين ظروف الأمهات العاملات وتيسير الأمور عليهن.

نشأت جاسيندا في أسرة مسيحية، لكنها تخلت عن الإيمان المسيحي وتصف نفسها بأنها لا أدرية، مصرحة بأن الإيمان المسيحي يتعارض مع إيمانها بحقوق مجموعات بشرية كثيرة، وخاصة المثليين.

انتقلت للعيش مع ذاك المذيع التلفزيوني الذي أشرنا إليه آنفًا، وهو والد طفلتها، ومش بينفسن عليها ولا حاجة. عادي يعني. هو مذيع، وهي رئيسة وزراء، ومن المؤكد أن راتبها أكبر من دخله، ومن المؤكد أنها أكثر منه شهرة، ومن المؤكد أنها تحظى باهتمام إعلامي وعالمي أكثر منه، والله أكبر في عين اللي شافهم ولا صلاش ع النبي، يعيشان سويًا في سعادة، وقد صرحت عدة مرات أن كلارك جايفورد، يدعمها دعمًا كاملًا في نشاطها السياسي والمهني، ويحمل عنها أعباء كثيرة لتتمكن من متابعة عملها. وسبحان الله، لم يقل عنه أحد هناك: شوف الواد الوصولي شَقَط رئيسة الوزرا عشان ياكلها والعة ولا حاجة… حاجات غريبة بتحصل في العالم.

فاااااااا… إخوة الإسلام، هذه هي المرأة، التي ارتدت لكم غطاء الرأس، ودافعت عن ضحايا ينتمون إليكم، وتوعدت الإرهابي بالعقاب الذي يستحق، وتقوم الآن بتعديل قوانين بلادها عقب فاجعتكم. فااااااا…. طبعًا البخاري بيقول لكم: لا يفلح قوم ولوّا أمورهم امرأة، فاااااا… زي ما أنتم شايفين كده، النيوزيلنديين مش فالحين، واحنا اللي فالحين.

فاااااا… البقية في حياتكم عمومًا.

اعلان