حدث في «الحوار المجتمعي»: قضاة يتمسكون بـ «استقلال موازنة الجهات القضائية»
 
 

أعلن القضاة الذين حضروا ثاني جلسات الحوار المجتمعي بشأن تعديل الدستور فى مجلس النواب  اليوم، الخميس، رفضهم التخلي عن الموازنة المستقلة للهيئات والجهات القضائية التى حذفتها التعديلات التي ينظرها البرلمان حاليًا.

فيما اختلف القضاة خلال جلسة اليوم التي ترأّسها رئيس مجلس النواب علي عبد العال، في مواقفهم من باقي المقترحات التي تمس السلطة القضائية، مثل منح رئيس الجمهورية حق اختيار رؤساء الهيئات القضائية، أو إنشاء مجلس أعلى للقضاء يترأّسه الرئيس أيضًا. وكذلك التعديلات المقترحة في ما يخص صلاحيات مجلس الدولة. وباستثناء الموقف من كوتة المرأة واﻷقباط، لم يتطرق النقاش خلال جلسة الحوار الثانية إلى أي من التعديلات الدستورية المقترحة اﻷخرى.

وكان مجلس النواب بدأ أمس، الأربعاء، جلسات الحوار المجتمعي بشأن مقترح تعديل الدستور الذي وافق عليه من حيث المبدأ، في فبراير الماضي. ومن ضمن هذه التعديلات إلغاء الموازنات المستقلة للجهات والهيئات القضائية، ومنح رئيس الجمهورية سلطة اختيار رؤساء الجهات والهيئات القضائية -بما فيها المحكمة الدستورية العليا- من بين خمسة ترشحهم المجالس العليا بهذه الجهات والهيئات، إلى جانب اختيار النائب العام من بين ثلاثة يرشحهم مجلس القضاء الأعلى، فضلًا عن إنشاء مجلس أعلى للجهات والهيئات يتولى رئيس الجمهورية رئاسته للنظر في شروط تعيينات وترقيات وندب القضاة، وإلغاء سلطة مجلس الدولة في مراجعة مشروعات العقود التي تكون الدولة أو إحدى هيئاتها طرفًا فيها، وقصر سلطته في مراجعة وصياغة مشروعات القوانين التي تُحال إليه فقط.

وبحسب عدد من القضاة تحدثوا إلى «مدى مصر» أوائل فبراير الماضي، فإن التعديلات المقترحة ستقضي على ما تبقى من استقلال القضاء، بينما اعتبر آخرون أنها تمثل «مجرد محاولة لصرف النظر عن التعديل الأهم الذي يسمح لرئيس الجمهورية بالاستمرار في حكم البلاد حتى عام 203».

الموازنة المستقلة

تنصّ المادة 185 من الدستور الحالى على أن «تقوم كل جهة، أو هيئة قضائية على شؤونها، ويكون لكل منها موازنة مستقلة، يناقشها مجلس النواب بكامل عناصرها، وتُدرج بعد إقرارها في الموازنة العامة للدولة رقمًا واحدًا، ويؤخذ رأيها فى مشروعات القوانين المنظمة لشؤونها».

وفي التعديل المقترح، حُذف من نصّ المادة 185 الموازنة المستقلة لتصبح هكذا: «تقوم كل جهة أو هيئة قضائية على شؤونها، ويُؤخذ رأيها في مشروعات القوانين المنظمة لشؤونها».

وقالت رئيسة هيئة النيابة الإدارية أمانى الرافعي إن ما طرحه التعديل بحذف الموازنة المستقلة للهيئات والجهات القضائية سيؤثر على مبدأ الفصل بين السلطات، معتبرة أن استقلال الموازنة تمثل أحد العناصر المؤثرة فيما يتعلق بالفصل بين السلطات.

وقال المستشار فريد تناغو، رئيس مجلس الدولة الأسبق، إن بقاء النص كما هو بالدستور ضرورة خاصة أن الموازنة تكون تحت الرقابة البرلمانية، ومن ثم لا يوجد خطورة من استقلالها دعمًا لاستقلال القضاء دون أي تأثير عليه.

وعقب رئيس البرلمان علي عبد العال على ذلك بالتأكيد أن البرلمان حريص كل الحرص على المحافظة على استقلال القضاء، مضيفًا: «كما يعلم الجميع أن استقلال القضاء هو ضمانة للحاكم والمحكوم، ولا يمكن أن نمس استقلاله».

وحذر المستشار محمد عبد العزيز الشناوي، عضو لجنة الخبراء العشرة التى عدلت الدستور ومستشار بالمحكمة الدستورية العليا، من التعرض ﻷقاويل وهجوم دولي حال حذف الموازنة المستقلة. «النص الحالي سيحمي القضاة وخصوصًا أن تخصيص موازنة مستقلة ما زال كما هو  للمحكمة الدستورية العليا طبقًا لنصها في الدستور ويدرج رقمًا واحدًا فإذًا لا بد من المساواة»، بحسب رأيه.

قال المستشار هانى حنا، نائب رئيس محكمة النقض ومساعد وزير العدل للقطاع التشريعي، إن «اﻹبقاء على الموازنة المستقلة أمر جوهرى خاصة فى ظل الظروف التى تمرّ بها الدولة، وما نتعرّض له من انتقادات صباح ومساء عن استقلال القضاء. هذه هي ملاحظتي الوحيدة الهامة لاستقلال القضاء فى مصر». فيما طلب المستشار بمحكمة النقض محمد عبده صالح باستقلال الموازنة، مضيفًا: «نحن نعيش في أجواء استقلال القضاء.. وهو في أزهى عصوره، وهو مستقل تمامًا».

وشدّد المستشار بمحكمة استئناف القاهرة كمال الدين عبد المنعم على أن الموازنة المستقلة لا بد أن تعود، موضحًا أنه «لا استقلال للقضاء بدونها»، حسب تعبيره خلال جلسة اليوم. فى الوقت الذى يرى فيه المستشار بمحكمة استئناف القاهرة عبد الله أحمد الخولي ضرورة عدم الانتقاص من سمعة القضاء المصري بأن يظل النص الأصلي على حاله.

وهو ما عقب عليه رئيس مجلس النواب قائلًا إن «نقدر التحفظات الخاصة بالموازنة المستقلة.. والرسالة وصلت».

وكان اللافت مطالبة المستشار بمحكمة استئناف القاهرة ربيع قاسم بتجديد الموارد اللازمة للهيئات والسلطات القضائية، وذلك من أجل أن يعيش القضاة عيشة كريمة ومحترمة، بحسب ما قاله بجلسة الحوار المجتمعي.

المجلس الأعلى للقضاء

في ما يشمل التعديل المقترح على المادة 185 كذلك أن «يعين رئيس الجمهورية رؤساء الجهات والهيئات القضائية من بين خمسة ترشحهم مجالسها العليا من بين أقدم سبعة من نوابها، وذلك لمدة 4 سنوات أو للمدة الباقية حتى بلوغه سن التقاعد أيهما أقرب، ولمرة واحدة طوال مدة عمله، وذلك على النحو الذي ينظمه القانون. ويقوم على شؤونها المشتركة مجلس أعلى للجهات والهيئات القضائية يترأّسه رئيس الجمهورية وعند غيابه يحل محله وزير العدل ويختص بالنظر في شروط تعيين أعضاء الجهات والهيئات، ويُبين القانون تشكيل المجلس واختصاصاته الأخرى وقواعد سير العمل به».

تحفظت رئيسة هيئة النيابة الإدارية أمانى الرافعى على النص فى الفقرة الثالثة من المادة 185 على أن «يحل وزير العدل محل رئيس الجمهورية حال غيابه» لأنه يتعارض مع استقلال الهيئات القضائية باعتبار الوزير يمثل السلطة التنفيذية، لافتة إلى ضرورة أن يترك تحديد اختصاص المجلس الأعلي للدستور وليس للقانون، فضلًا عن توضيح عدد الأعضاء ومدى تساوي اختيارهم بين الجهات والهيئات.

ووصف رئيس المحكمة الدستورية العليا الأسبق المستشار فاروق سلطان التعديل بشكله الحالى بالمخالف، قائلًا: «التعديل يحمل مخالفة للفصل بين السلطات، واعتداء على اختصاصات الجهات والهيئات القضائية، وأرى أن يقتصر على رعاية شؤونها المشتركة، ويترك للقانون بيان اختصاصاتها، والعودة بالنص لشكله فى دستور 1971 المعدل فى 29 مارس 2007».

وتنصّ المادة 173 المعدلة فى 2007 على أن «تقوم كل هيئة قضائية على شؤونها،‏ ويشكل مجلس يضم رؤساء الهيئات القضائية يرأسه رئيس الجمهورية‏،‏ يرعى شؤونها المشتركة‏،‏ ويبين القانون تشكيله واختصاصاته وقواعد سير العمل فيه».

وكان لعضو لجنة الخبراء العشرة التى عدلت الدستور المستشار محمد عبد العزيز الشناوى رأيًا خاصًا بتوضيحه أنه عاصر الحقبة المماثلة التى وُضع فيها النص «ومش وقتها مش حتكلم فيها»، حسب تعبيره. مُطالبًا بعدم تواجد وزير العدل محل رئيس الجمهورية على أن يكون اﻷفضل أن يقوم بهذه المهمة رئيس المحكمة الدستورية العليا حتى يكون اﻷمر مقتصرًا فقط على السلطة القضائية، بحسب ما قاله الشناوي.

وقال مساعد أول وزير العدل عضو لجنة الخبراء العشرة المستشار محمد عيد محجوب إنهم كانوا يعملون تحت ظروف عصيبة والجميع كان يضع معالجة الماضي فى ذهنه دون التطرق للمستقبل [قاصدًا الفترة التالية ليونيو 2013]، لافتًا إلى أن «الظروف أحسن وأفضل الآن»، مشيرًا إلى أن المجلس الأعلي للهيئات القضائية سيكون دوره تنسيق وهذا إطار جيد.

فى المقابل يرى المستشار بمحكمة استئناف القاهرة عبد الحميد همام أن النص منضبط لأن وزير العدل قاضٍ، ومن أعضاء السلطة القضائية أيضًا. كما أثنى المستشار بمحكمة استئناف الإسكندرية أحمد حسن البندارى على وجود المجلس لأنه «سيقوم بدور محمودٍ»، مستطردًا: «على الأقل بدل ما كل الهيئات والجهات القضائية تعمل فى جزر منعزلة».

في ما أكد المستشار بمحكمة شمال القاهرة الإبتدائية محمد أحمد بهجت أن المجلس وفق التعديل المقترح يغيّر من أهم الشؤون الداخلية للجهات والهيئات القضائية، ووجود وزير العدل يخل بمبدأ الفصل بين السلطات.

النائب العام

وفى هذا السياق، لفت المستشار بمحكمة استئناف القاهرة معتز مدحت محمد إلى ضرورة إما مدّ مدة تولي النائب العام لمنصبه حتى تكون 6 سنوات بدلًا من 4 سنوات أو أن تُجدد له بعد الـ 4 سنوات، وتابع قائلًا: «النائب العام يقع عليه عبء الدولة، ويحتاج إلى مدة لوضع سياسته وتنفيذ خططته المستقبلية، ويحتاج إلى الاستقرار مثل رئيس الجمهورية».

واتفق معه المستشار حسن فريد، رئيس الدائرة 28 إرهاب بمحكمة جنايات القاهرة، موضحًا أن «النائب العام يواجه مشاق كبيرة»، وتابع قائلًا إن «الظروف اللي إحنا فيها نريد استقرار الوطن..  زي ما عدلنا للرئيس نعدل للنائب العام من أجل استقرار البلد».

ثم قال عبد العال إن «النيابة العامة كانت منذ زمن بعيد جزءًا من السلطة التنفيذية ونالت بعض من استقلالها بعدما أصبحت جزءًا من السلطة القضائية».

مجلس الدولة

وقال رئيس مجلس الدولة الأسبق المستشار فريد تناغو بشأن التعديلات المقترحة على المادة المتعلقة بمجلس الدولة إنه «يجب أن يكون الإفتاء وحده لمجلس الدولة حتى لا يكون هناك تنازع في الاختصاصات خاصة وأن التعديلات المقترحة أسقطت هذه الجزئية المتعلقة بأن يكون مجلس الدولة وحده المختص بالإفتاء التشريعي، وأن يتولى الإفتاء في المسائل القانونية وحده للجهات التي يحددها القانون ومراجعة وصياغة مشروعات القوانين والقرارات ذات الصفة التشريعية التي تُحال إليه، ويحدد القانون اختصاصاته الأخرى».

كما قال نائب رئيس هيئة قضايا الدولة عمر حافظ إن «مجلس الدولة ملقى على عاتقه أعباءً شديدة، وأرى الاكتفاء بنظره للمنازعات حتى لا يكون مرهقًا له وغير محقق للقضايا الناجزة»، ضاربًا المثل بإلقاء دعاوى الضرائب عليه، مستطردًا: «لم نرِ مردودًا لهذا حتى الآن».

اعلان