86 دقيقة من التسعينيات
سهرة مقترحة لقارئ يتجول على الإنترنت وحيدًا
 
 
 

ما اليوم الذي وافق السادس عشر من أغسطس عام 1997؟ بالبحث وجدته يوم سبت، في الإجازات الدراسية تتشابه الأيام. ماذا كنت أفعل على وجه التحديد بين الثامنة والنصف والحادية عشرة والنصف من مساء ذلك اليوم؟ كنت في الغالب أذاكر مادة الفيزياء مرة أخرى لتحسين درجاتي في الثانوية العامة. في ليالي الاستذكار يسيل الزمن. ما الذي كان يفعله الشباب الجامعي في نفس الوقت؟ عرفت عن طريق هذا التسجيل المطوّل الذي أدعوك للسهر معه أن بعضهم كان في مخيم ينظمه أمناء «المؤتمر القومي العربي» ويتنقلون به سنويًا بين الدول العربية، هذه المرة كانوا بجامعة حلوان في مصر.

التسجيل «أنالوج»، مُدته ساعة ونصف ولا تتعدى قطعات المونتاچ فيه خمس قطعات. بناؤه درامي، بفصول ثلاثة، بداية وعقدة ونهاية، البداية ممتدة نتعرف فيها باستفاضة على بعض الحضور وتوزيع أدوارهم وسبب وجودهم في هذه القاعة ليلًا. يليها عقدة تستعرض صراعًا نفهم أبعاده تدريجيًا وبإيقاع يتهادى كحركة التاريخ وتأتي فيه مداخلة هاني درويش، الشاب، كذروة كاشفة. مداخلته محددة ومركبة وناقلة كما عوّدنا في كتاباته بعد ذلك. نعرف منها أن اجتماع مسئولي المخيم مع الشباب في تلك الليلة كان لمناقشة شرعية ما قام به بعضهم في الصباح. يتصاعد الصراع بعد مداخلة هاني درويش ويتبلور بأبطال جدد ثم يهدأ تدريجيًا نحو نهاية مفتوحة قرَّرَتها سلفًا ودون قصد قواعد موقع «يوتيوب» بخصوص حجم وزمن المقاطع المصورة التي يستوعبها.

التسجيل مُخلص للشروط العشرة التي سنّتها حركة «دوجما 95» السينمائية التي استوحت جمالياتها من مواصفات المقاطع المصورة التي كان يلتقطها هواة التصوير بكاميراتهم في التسعينيات. «دوجما 95» إذن هي مَن أخلصت لتسجيل «وثائق تسعينية 1» الذي أرشحه لك، فهو تسجيل لا يمكن تصنيفه، مُلون ودون إضاءة مخبأة أو مرشحات لونية، ديكوراته طبيعية، الصوت فيه مُلتقط مع الصورة، الكاميرا محمولة، الزمان والمكان أبعد ما يكونا عن الانسلاخ من الواقع، اسم المخرج غير مذكور، لكنه موجود، يحمل الكاميرا ويتخذ بها قرارات يظهر فيها عدم اهتمامه بما يناقشه المجتمعون معه أمامنا. حامل الكاميرا سعيد ومحايد وسط صراع يعرف أنه محسوم، تمامًا كمعرفته أنها إجازة صيف، وأنه مخيم للشباب. سيختار مكانًا ثابتًا طوال التسجيل ثم يقترب بعدسته من حلقان الحاضرات وملابسهن لدرجة ربما يصبح معرضًا معها الآن لتلقي اتهامًا بالتحرش الجنسي؛ تحرش بالكاميرا. سيقترب بنا من سياج النافذة الحديدي، ومن وجوه شابة تنطق بالأسئلة وتروض رغبتها في التحرك، سيقترب من ورقة مطوية تنتقل بين اثنين عبر وسيط لتُفرد وتُقرأ ثم تُطوى ثانيةً في صمت، ومن ملاحظات تدوّن، ومن مسجل صوت، ومن المرسوم والمكتوب على قمصان الشباب. حامل الكاميرا سيصنع سردًا بصريًا موازيًا لتطورات الصراع. سيقترب بنا من أمسية صيفية محتدمة سبقت عرض فيلم «إسماعيلية رايح جاي» بأيام، وعاصرت إصدار هشام عباس لألبوم «يا ليلة»، سيقترب بنا عبر ست وثمانين دقيقة من وجه آخر للتسعينيات.

اعلان
 
 
شريف زهيري