تغيّرت الأحوال: العقارات لم تعد سوق الربح السريع
 
 
مجمع سكني في وسط مدينة القاهرة.
 

إذا كان غرضك من شراء عقار جديد هو بيعه العام المقبل أو في مدى قصير، فمن الحكمة ألا تشتريه الآن على الأقل. فبالرغم من الأرباح الكبيرة التي تحققها الشركات العقارية بسبب ارتفاع الطلب على العقارات إلا أن هذا الانتعاش لم ينعكس إيجابيًا على سوق إعادة البيع من مشترٍ إلى آخر (السوق الثانوي)، بل أدى على العكس إلى تباطؤه.

فمن ناحية مازال الإقبال على شراء العقارات كبيرًا في السوق الأولي (الذي يتم فيه بيع الوحدة من الشركة إلى المشتري ﻷول مرة)، كما يتضح من ارتفاع المبيعات المتعاقد عليها لثمانية من شركات التطوير العقاري المدرجة في سوق المال المصري بنسبة 46% خلال التسعة أشهر الأولى من عام 2018، مقارنة بنفس الفترة من العام العام السابق، ووصلت قيمتها إلى 40.94 مليار جنيه ، تبعا لمذكرة صادرة عن شعاع لتداول الأوراق المالية.

«هذا الإقبال يشير إلى أن العقارات لازالت تمثل مخزنًا للقيمة»، في مواجهة تراجع قيمة المدخرات بسبب التضخم، كما يرى كريم إبراهيم،  معماري ومخطط عمراني،موضحًا أن التسهيلات التي تقدمها الشركات تدعم هذا الاتجاه، إلا أن السوق الثانوي في المقابل يشهد تباطؤا قد يقترب من حد الركود.

«أنا شخصيًا لن أُقدم على شراء عقار بغرض الاستثمار إلا لو كان استثمار طويل الأجل»، حسبما يقول عمر الشنيطي، مؤسس والمدير التنفيذي لمجموعة «مالتبيلز» للاستثمار،  لـ «مدى مصر»، موضحا أن «التسهيلات التي تتيحها الشركات العقارية للمشترين في السوق الأولي مثل التقسيط على فترة طويلة، وتخفيض قيمة مقدم سعر العقار، أربكت بشدة السوق الثانوي -الذي يفتقر بطبيعة الحال إلى مثل هذه التسهيلات- وتسببت في تباطؤ كبير في حركة البيع فيه».

ويقول فتح الله فوزي، مؤسس شركة مينا للاستثمار العقاري والسياحي، لـ «مدى مصر» إن متوسط مدة التقسيط حاليًا في السوق الأولي وصلت إلى 7 سنوات بينما كانت لا تزيد على 5 سنوات في عام 2015، فيما انخفض مقدم  شراء العقار كنسبة من سعره الإجمالي إلى 5%، مقابل نسبة كانت تترواح بين 10 إلى 15% منذ أربعة سنوات.

وتبعا لشركة «جي إل إل» (JLL) للاستشارات العقارية، فقد شهد الربع الثاني من عام 2018 تحولًا في الطلب على العقارات من السوق الثانوي، الذي يشهد عمليات إعادة البيع بين الأفراد، إلى سوق الوحدات السكنية الجديدة والتي يطرحها المطورون العقاريون للمرة الأولى، بسبب صعوبة شروط الشراء في السوق الثانوي، القائمة عادة على سداد قيمة العقار دفعة واحدة، أو بالتقسيط على فترة قصيرة في بعض الأحوال. وترى «جي إل إل» أن المطورين استطاعوا الاستفادة من هذا التوجه عبر إطلاق وحدات ذات مساحات أقل على نحو يجعلها أقل كلفة، وكذلك عبر إطلاق خطط سداد ميسرة.

ويرجع فوزي توسع الشركات في هذه التسهيلات إلى ما قال إنه «اتساع السوق على نحو كبير بعد دخول عدد يصعب حصره من الشركات.. وهو ما ينعكس على الفور في صورة منافسة حادة تصب في صالح المشترين». لكن سوق إعادة البيع المبنية على الأفراد «لا يمكنها بطبيعة الحال، منافسة الشركات فيما تقدمه من تسهيلات، فالأفراد لن يعرضوا شقة للبيع بالتقسيط على سبعة سنوات، ولن يقدموا تخفيضات على الأسعار مقابل السداد الفوري كما تفعل الشركات…والنتيجة هي تباطؤ حركة البيع في السوق الثانوي»، حسبما أضاف فوزي، الذي يشغل منصب نائب رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين.

ويرى كريم إبراهيم  أن ارتفاع معدلات الفائدة البنكية ساهم هو الآخر في هذا التباطؤ في السوق الثانوي، «فالفائدة الحالية تتجاوز مستوى الارتفاع المتوقع في قيمة العقارات على المدى القصير، وبالتالي فمن غير المجدي أن يشتري أحدهم عقارًا يسدد قيمته دفعة واحدة والأفضل هو إيداع المدخرات في البنك والاستفادة من الفائدة المرتفعة». كما يرى إبراهيم، وهو أحد مؤسسي «تكوين لتنمية المجتمعات المتكاملة»، ومبادرة التضامن العمراني بالقاهرة، أن معدلات التضخم الحالية تتجاوز حجم الارتفاع في قيمة العقارات في السوق الثانوي على نحو يخفض الطلب في هذا السوق. ولهذا السبب، يعتقد كريم إبراهيم أن تراجع أسعار الفائدة إلى مستويات منخفضة نسبيًا قد يسهم في إنهاء هذا التباطؤ.

ويظهر الشكل التالي معدل الارتفاع في سعر الشقق السكنية في السوق الثانوي في عدد من الأحياء الراقية في القاهرة خلال سنة مضت -من مارس 2018 إلى مارس الحالي- استنادًا إلى بيانات «عقار ماب»، وهو محرك بحث ضخم للعقارات في مصر. ويتضح من الرسم أن متوسط معدل التضخم خلال نفس الفترة تقريبًا، من مارس 2018 وحتى فبراير 2019، والذي بلغ 13.2%، يتجاوز بوضوح معدل ارتفاع أسعار العقارات في كل تلك الأحياء باستثناء حي العجوزة، وهو ما يعني أن شراء العقارات من السوق الثانوي توقف -مؤقتًا على الأقل- عن القيام بأحد أدواره التقليدية وهو الحفاظ على المدخرات في مواجهة عوامل التضخم وتآكل القدرة الشرائية.

معدل ارتفاع أسعار العقارات في عدد من أحياء القاهرة الراقية في السوق الثانوي خلال سنة المصدر: محرك بحث «عقار ماب»، والبنك المركزي المصري وحسابات «مدى مصر» أيضًا

يقول كريم إبراهيم إن ظاهرة تباطؤ السوق الثانوي تشمل بصورة خاصة الأحياء الجديدة التي تضم المشروعات قيد الإنشاء، مضيفًا: «هذه المشروعات كانت تمثل فرصة ذهبية لسوق إعادة بيع الوحدات التي لم يكتمل سداد أقساطها..، وكان من المعتاد جدًا أن نرى المشترين يتكسبون من بيع شقق لم يسددوا بعد كامل سعرها، مقابل ربح كبير كثيرًا ما كان يصل لمستوى 100%، ..لكن اتساع نطاق تسهيلات الدفع من قبل الشركات أكثر فأكثر تسبب في شلل هذا السوق»، موضحًا أن «الشركات أصبحت تطرح وحدات بتسهيلات أعلى على نحو متزايد وبالتالي فقد أصبح من الأجدى الشراء مباشرة من السوق الأولي مقابل ثمن يسدد على أقساط أطول في المراحل الأحدث من المشروعات بدلا من الشراء من مشتري تعاقد على الشراء في مراحل أقدم من المشروعات مقابل فترات أقصر للسداد».

ويقول فتح الله فوزي أن التسهيلات التي تتيحها الشركات العقارية في السوق الأولي جاءت بسبب ارتفاع الأسعار على نحو لم يعد من الممكن للمشترين التكيف معه إلا عبر تسهيلات سخية، «هذا الارتفاع في الأسعار بدوره يرجع في الأساس لارتفاع كبير في كلفة الأراضي بسبب سياسات الحكومة في رفع أسعار الأراضي، على نحو رفع نصيب تكلفة الأراضي من إجمالي تكلفة البناء إلى نسبة تتراوح بين 50 إلى 60%، مقابل نسبة لم تتجاوز ربع التكلفة قبل نحو أربع سنوات».

ويرى عمر الشنيطي أن هذا التباطؤ في السوق الثانوي، والذي يقول إنه قد بدأ في منتصف عام 2017، من المتوقع أن يستمر لمدة خمس أو ست سنوات إضافية على الأقل.

ويتوقع كريم إبراهيم أن تكون نهاية هذا النمط من التباطؤ عبر تصحيح للأسعار، يتم من خلال تنازل البائعين في السوق الثانوي عن الأسعار التي تمثل تقييمهم للعقارات المطروحة للبيع، والقبول بأسعار جديدة تتكيف مع المنافسة التي يطرحها السوق الأولي، ذو الأسعار الأعلى وشروط السداد الأفضل، بحيث يطرحون حلًا وسطًا يسمح بتحقيق أرباح أقل لكن دون خسائر.

اعلان
 
 
بيسان كساب