إلى الأستاذ مكرم ورفاقه.. الضرب في الميت حرام

كعادته، صادر الأستاذ مكرم محمد أحمد حق معارضيه في إبداء رأيهم، واتهم أعضاء مجلس نقابة الصحفيين المعترضين على نصوص لائحة جزاءات الإعلام التي أصدرها مجلسه مساء الإثنين 18 مارس، بأنهم «مش لاقيين شغلانة».

وعن ردود الفعل الغاضبة التي اجتاحت صفوف الجماعة الصحفية بعد خروج لائحة الجزاءات إلى النور قال مكرم في تصريحات أخرى: «ما يحدث عملية غلوشة على الفاضي، فلم نُحاسب صحفيًا واحدًا، وجعجعة أونطة وأخذ الناس بالصوت، وهذا كلام فات أوانه، فهل يُتهم مكرم محمد أحمد بعد 80 سنة بأنه ضد حرية الصحافة؟ ليس مقبولًا محاولات تشويه أشخاص بهذا الشكل».

وفق قانون نقابة الصحفيين، الذي يعلم نقيب الصحفيين الأسبق مواده جيدًا، فإن أعضاء مجلس النقابة الذين قلّل مكرم من شأنهم ووصفهم بأنهم «عواطلية وبيغلوشوا على الفاضي»، مفوضين من جمعيتهم العمومية بـ «الحفاظ على المهنة، والذود عن حقوقها، والدفاع عن مصالحها، وضمان حرية الصحفيين في أداء رسالتهم».

تعريض مكرم بهؤلاء الأعضاء الذين قرروا استخدام حق التقاضي كوكلاء عن الصحفيين للطعن على لائحة الجزاءات، يضع رئيس المجلس الأعلى تحت طائلة المادة 17 من لائحته الكارثية، والتي تعاقب كل مَن أهان الرأي الآخر، أو تعمد إثارة الجماهير، أو أساء إلى مؤسسات الدولة وأضر بمصالحها، وتغرمه بمبلغ مالي لا يزيد على 250 ألف جنيه، إضافة إلى منع نشر أو بث أو حجب الصفحة أو الباب أو البرنامج أو الموقع الإلكتروني الذي نقل تلك الإهانة لفترة محددة.

مكرم قال في تصريحاته أيضًا إن مجلسه الأعلى لا يقبل مزايدات -يقصد اعتراضات أعضاء بمجلس نقابة الصحفيين، وأشار إلى أن لائحة جزاءاته «قانونية 100% ولا يوجد بها أي تعارض مع القانون والدستور، وأن مجلس الدولة وافق على موادها ولا يوجد بها ما يخالف القانون»، ولكن لا مكرم ولا مجلسه نشر تقرير مجلس الدولة وملاحظاته على اللائحة، خاصة وأن هناك مصادر تؤكد أن «مجلس الدولة» أرسل ملاحظات جوهرية على لائحة الجزاءات قبل اعتمادها وإصدارها، إلا أن المجلس الأعلى تجاهلها وأصدرها بليل وجعل منها أمرًا واقعًا.

مكرم تساءل مستنكرًا: «لا أعلم لماذا يهاجمنا البعض؟ فلم نحاكم صحفيًا واحدًا، ولم نمس أي صحفي في أي قرار إلا 5 صحفيين وتمت إحالتهم إلى نقابتهم»، مضيفًا: «هل تريدون أن تُدار المسائل بشكل فوضوي وسداح مداح وقلة الأدب والشتيمة تعود؟».

قبل إصدار تلك اللائحة، اتخذ المجلس الأعلى للإعلام قرارا بمجازاة صحفيين وإعلاميين، ووقع عقوبات على منصات صحفية، فأوقف برامج تليفزيونية ومنع إعلاميين من الظهور وغرَّم «المصري اليوم» بعد نشرها عنوان «الدولة تحشد الناخبين في آخر أيام الانتخابات».

في نوفمبر الماضي، أرسل مجلس نقابة الصحفيين، بتشكيله السابق، عددًا من الملاحظات على مشروع لائحة الجزاءات، وتلقى نقيب الصحفيين حينها، عبد المحسن سلامة، وعدًا بأخذ ملاحظات النقابة في الاعتبار قبل اعتماد النص النهائي للائحة، إلا أن المجلس الأعلى للإعلام لم يأخذ بأي ملاحظة جوهرية من المذكرة التي سلمها نقيب الصحفيين السابق.

صدرت اللائحة ملغمة بمواد تصل إلى حد تجريم الصحافة والإعلام، وجعلت من المجلس الأعلى للإعلام رقيبًا وحسيبًا، خصمًا وحكمًا، يفتش في النوايا ويخرج من بين السطور ما يمكن اعتباره إخلالًا بمقتضيات الأمن القومي، أو إهانة لمؤسسات الدولة، أو إثارة للجماهير، أو مخالفة للنظام العام أو الآداب العامة، أو دعوة إلى الفسق والفجور، وهو ما يخالف نص الدستور الذي حظر الرقابة على الصحافة والإعلام إلا في زمن الحرب والتعبئة العامة.

وضعت اللائحة مجموعة من العقوبات والغرامات تتناقض مع نصوص القانون، وتجعل استمرار الوسيلة الإعلامية في بث محتواها مغامرة غير محسوبة، إلا لو التزمت بالخطوط والسياسة التحريرية التي حددتها السلطة وألزمت بها رؤساء تحرير الصحف والمواقع والقنوات الفضائية، ومن يخرج عن الخط يتعرض للمنع أو الحجب أو الغرامة.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، اغتصبت اللائحة سلطة القضاء بأن منحت المجلس سلطة فرض عقوبات جنائية على الصحف والمؤسسات، كالغرامات المبالغ فيها، والتي تكررت في سبع مواد، وأعطته الحق في مضاعفة هذه العقوبات، حال تكرار المخالفة.

وكما اغتصبت اللائحة سلطة القضاء، اعتدت أيضًا على سلطة النقابات في معاقبة أعضائها تأديبيًا، وتجاهلت نصوص القانون التي تعطي للنقابات المهنية دون غيرها سلطة معاقبة أعضائها تأديبيًا، ومنحت المجلس الأعلى للإعلام الحق في إحالة الصحفي والإعلامي للمساءلة التأديبية في نقابته، رغم أن قرار الإحالة نفسه حق أصيل للنقابات إذا رأت أن الشكاوى المقدمة تستوجب ذلك.

منحت اللائحة للمجلس الأعلى كذلك الحق في فرض عقوبات تأديبية مؤقتة ضد الصحفيين والإعلاميين، بدعوى اتخاذ «تدابير وقائية» كالمنع من الظهور في الصحف أو وسائل الإعلام، أو المواقع الإلكترونية إلى حين الانتهاء من المساءلة التأديبية أمام نقابته، دون أن تحدد مدى زمني لهذا التدبير الوقائي.

كما خالفت اللائحة المبدأ القانوني الذي ينص على أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته، ووضعت عقوبة تأديبية فأعطت للمجلس الحق في منع ظهور الإعلاميين والأفراد حال اتهام أحدهم بارتكاب «ما يشكل جريمة جنائية»، دون انتظار حكم قضائي نهائي بارتكاب المشار إليهم لجريمة تستوجب العقاب.

وفي ما يعد سابقة في تاريخ اللوائح، أعطت اللائحة لرئيس المجلس الحق في إلغاء العقوبات الصادرة من مجلسه بقرار منفرد منه، والشرط الوحيد أن يكون مسببًا، دون حتى وضع حدود لهذه الأسباب، وهو ما يفتح الباب للهوى في تنفيذ أو إسقاط القرارات.

كل من يعمل في صالات تحرير المنصات الإعلامية يعلم أن اللائحة لم تضف للواقع جديدًا، فالمنع والحجب ووقف الطبع يجري على قدم وساق منذ أكثر من ثلاث سنوات، لكن ما أثار القلق هو أن السلطة وذراعها في «المجلس الأعلى» أرادت «شرعنة» و«تقنين» الإجراءات التي تتم خارج إطار القانون، وبدلًا من تحكُم جهة بعينها في وضع  قائمة الموضوعات الممنوعة من النشر، وقوائم الضيوف الممنوعين من الظهور، فسيعلن الأستاذ مكرم عن تلك القوائم، وبشكل رسمي ولائحي، بدعوى ارتكاب الوسيلة لإحدى المخالفات التي نصت عليها اللائحة، أو لأن من وردت أسمائهم في قائمة الضيوف غير مؤهلين.

أخيرًا، إلى الزملاء في «المجلس الأعلى» وكبيرهم: تعلمون أن السلطة تحاصر الصحافة والإعلام منذ أكثر من 3 سنوات، وإن هذا الحصار أفضى إلى خنق المهنة، حتى أن معظم أجهزتها توقفت عن العمل، ومع ذلك قررتم أن تتحولوا إلى السلاح الذي تطلق منه الحكومة رصاصة الرحمة علي «صاحبة الجلالة»، وتستكثرون علينا إعلان الغضب، فهنيئًا لكم «شغلانتكم»، ويكفينا نحن محاولة إبقاء «شغلانتنا» على قيد الحياة.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ