لأن «الدورة الشهرية» تأتي في السجن أيضًا.. حملة لإعادة النظر في حقوق المسجونات
 
 
المصدر: رنا رفيق
 

«قبل ما أروح السجن كنت مختفية 16 يوم.. وواحدة وصلت بعد ما اتخطفت. كانوا مختفيين 3 أيام وكان عندها البيريود وقت ما اتخطفت ومش معاها أي حاجة أو أي شنطة.. فهي أول ما جت السجن كانت جاية غرقانة في الدم بتاعها كده. كانت جاية متبهدلة خالص وهدومها دم كلها».

كان هذا نص شهادة إحدى السجينات السابقات التي تم احتجازها لفترة في مقر اﻷمن الوطني بلاظوغلي، عام 2015، وهي إحدى الشهادات التي تضمنها تقرير بعنوان «الدورة الشهرية في السجون»، أصدرته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، اﻷسبوع الماضي، تزامنًا مع اليوم العالمي للمرأة، ضمن حملة بالاسم نفسه، تدعو مصلحة السجون إلى توفير الفوط الصحية القطنية للسجينات، دون مقابل، إلى جانب تهيئة الأوضاع الصحية داخل مرافق السجون.

لبنى درويش، مسؤولة ملف النوع الاجتماعي وحقوق النساء بـ «المبادرة»، وإحدى الباحثتين المسؤولتين عن الحملة قالت إن من أهدافها رفع الوصم عند الحديث عن الدورة الشهرية بصفة عامة، سواء خارج السجون أو داخلها، مضيفة لـ «مدى مصر»، أنه رغم كون الدورة الشهرية أمر طبيعي، وجزء من صحة النساء، إلا أنه لا يوجد استعدادات له داخل السجون.

وأوضحت أن  لوائح السجون تتعامل مع المساجين بالتعريف على أنهم ذكور، وبالتالي حقوق السيدات غير مدرجة، إلا إذا كن حوامل، فيما اعتبر البيان أن الحملة هي خطوة نحو النظر إلى النساء (والرجال العابرين جنسيا وغيرهم من الأشخاص من ذوي الهويات الجنسية غير النمطية والذين قد يكون لديهم احتياجات فترة الدورة الشهرية) وأجسادهن بشكل أوسع.

وأوضح بيان إطلاق الحملة أنها محاولة ضغط، حتى يعترف القانون بالاحتياجات الجسدية للنساء، مطالبًا وزارة الداخلية بـ «صرف فوط صحية نسائية لمدة 7 أيام شهريا في المتوسط​​». وتعديل قرار وزير الداخلية المنظم لكيفية معاملة المسجونين ومعيشتهم، والذي ينص على توفير احتياجات جسدية للمرأة الحامل بدءًا من وصولها إلى الشهر الثالث في الحمل، دون الإشارة لاحتياجات النساء الجسدية وصحتهن.

وكان القرار الصادر عن وزارة الداخلية رقم 468 لسنة 2017، والمنشور في الجريدة الرسمية في 8 مارس من نفس العام، قد تضمن المقررات الغذائية والمواد الواجب صرفها للمرضى من المسجونين، وشملت هذه المقررات السيدات الحوامل والمرضعات، دون أن تتطرق لاحتياجات النساء المسجونات خلال دورتهن الشهرية.

بينما اعتمد التقرير المصاحب للحملة على مقابلات مع خمس سجينات سابقات، جنائيات وسياسيات، سلطت الضوء على تأثير غياب اعتراف القانون بحاجاتهن الجسدية في حياتهن اليومية، من المنظورين الاقتصادي والصحي.

****

«هو في موضوع الجنائي بالذات، في ناس ظروفها صعبة جدا. وحتى لو اشتغلت في السجن -تنظف أو تغسل هدوم أو تبيع حاجات كروشيه مثلًا- ظروفها ما بتسمحش إنها تجيب أكل مثلًا عشان تجيب بادز (فوط صحية).  ففي جنائي كثير بييجوا يطلبوا مننا بادز (فوط صحية) ونديها لهم. فالموضوع بهدلة على الناس اللي ظروفها مش كويسة. صعبة قوي. ودي حاجة من حق الست يعني تبقى متاحة ليها من غير ما تضطر تشتريها من الكانتين بأسعار مضاعفة أو تطلبها من حد. دي حاجة طبيعية قوي في جسمها. حاجة أساسية».

وردت الشهادة السابقة في تقرير الحملة، نقلًا عن مسجونة سابقة بسجن القناطر للنساء، في الفترة من ديسمبر 2015 حتى يونيو 2016، واتفقت معها الطبيبة ماجدة عدلي، مديرة، وإحدى مؤسسات مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، مضيفة أن  السجينات اللاتي يأتين من الأقاليم لا تتوفر لهن زيارات منتظمة داخل السجن، وبالتالي لا تتوفر لهن الفوط الصحية.

عدلي، وهي أيضًا ناشطة في مجال اﻷوضاع الصحية في السجون، أضافت لـ «مدى مصر» أن الدورة الشهرية هي أمر يستدعي الرعاية الصحية، كالحمل وغيره، لافتة إلى أهمية توفير الفوط الصحية كجزء من الطب الوقائي.

كما أشارت عدلي إلى أن عدم توافر الفوط الصحية، وهو احتياج أساسي، يؤدي إلى أمراض مهبلية عديدة، لافتة إلى أن الدم بيئة خصبة لنمو البكتيريا، خاصة مع نقص فرص التهوية الجيدة، والنظافة باستخدام المياه.

وأضافت أن الوضع الصحي في السجون شديد السوء، ويشهد إجراءات شديدة الخطورة، موضحة أنه، وفقًا لشهادات تلقاها مركز النديم، تتعرض السجينات للفحص المهبلي للتأكد من عدم تهريبهن للمخدرات، وهو الإجراء الذي تقوم به السجانات دون تغيير «الجوانتي» المستخدم مع كل مسجونة، اﻷمر الذي قالت عدلي إنه ينقل أمراضًا عديدة، من بينها نقص المناعة المكتسب.

وبحسب البيان الصحفي لحملة «الدورة الشهرية في السجون» فإن السجينات اللاتي لا يتوفر لهن فوط صحية كافية، ويضطررن لاستخدام فوطة صحية واحدة لوقت طويل معرضات لأمراض صحية مثل «الطفح الجلدي، أو التهابات المسالك البولية، أو الالتهابات المهبلية»، فيما قالت درويش: «أنا باستغرب جدًا التعامل مع الفوط الصحية إنها رفاهية، لكن سوء الأوضاع بصفة عامة بيخلينا نفتكر إن فيه حاجات مش من حقنا، خصوصًا لو إحنا مواطنين موجودين تحت إيد الدولة في السجون».

****

هذه المعاناة ليست حديثة في السجون المصرية، فبحسب عدلي، قبل ظهور الفوط الصحية كانت السجينات القادرات في فترة الستينيات والسبعينيات يستخدمن القطن أو الفوط القماشية، وهو ما كان مقصورًا على السجينات القادرات.

في روايتها «المولودة»، ترصد الكاتبة، نادية كامل، جزءًا من سيرة والدتها المولودة في العشرينيات، والتي انضمت للحركة الشيوعية في سن صغيرة، واعتقلت أكثر من مرة وبقت لسنوات داخل السجون.

تنقل الكاتبة عن أمها ما شهدته خلال إحدى فترات سجنها -1954: 1959- من أزمة تعامل السجينات مع الدورة الشهرية، تقول اﻷم إن والد إحدى السجينات القادرات كان يأتي لها بمتطلباتها مرة شهريًا، وكان من بينها «باكو قطن ضخم مبروم ملفوف في ورق بني، زمان ما كانش في الفوط السهلة للتعامل مع العادة الشهرية، اللي بتلاقوها اليومين دول في السوق، وما كانش ممكن نغسل قماش كتير في الحبس، فابتكرنا استخدام القطن».

«المأمور كان من النوع اللي يتشدد في حاجات مالهاش لازمة، وكمأمور له حق تفتيش الحاجات، حكاية باكو القطن الكبير اللي بييجي لميمي أثار فضوله. كنا حبس انفرادي ممنوع الجرايد والكتب واﻷقلام، مسموح ملابس وحلويات ومأكولات، القطن مش ممنوع، بس هو اتضايق من القطن ومنعه، كلنا محتاجينه مش بس ميمي، هنعمل إيه، نتصرف إزاي، فكرنا نحتج ونبعت جواب رسمي، حاجات من النوع ده، علية توفيق (كانت مسجونة في ذلك الوقت رغم أنها زوجة عضو مجلس قيادة الثورة يوسف صديق) ندهتنا: -اهدوا شوية وفهموني، هي نفسها ما كانتش واخدة بالها عايزين القطن ليه، فهمناها فقالت:- ياااه ﻷ ﻷ ﻷ استنوا هنا. وراحت عند الظابط: – وانت متضايق من القطن ده ليه، مش عندك واحدة ست في البيت، اسألها الستات بيحتاجوا لحاجة زي دي. فالمأمور اتأسف وساب القطن يخش، بالبساطة دي».

توضح ماجدة عدلي أن الحديث عن هذا الحق لم يثر سابقًا، رغم قدمه وأهميته، ﻷن «موضوع الحقوق عمومًا ما اتطرحش إلا من الثمانينيات، وما كانش فيه مطالبة بالحقوق دي قبل كده. كمان دلوقتي مع ارتفاع عدد المساجين واكتظاظ الزنازين بقت أوضاع السجون أكثر إلحاحًا».

****

«في دمنهور العدد كبير جدًا على حمام واحد، ففكرة إن أنتي أولا يبقى عندك القدرة على طول إنك تغيري الباد… الموضوع مش بالسهولة دي… فبتطولي الوقت اللي بتلبسي الباد (الفوطة) فيه عشان ما تتعبيش كثير».

الشهادة السابقة، الواردة في تقرير «المبادرة المصرية»، قالتها مسجونة سابقة في سجن دمنهور (مايو 2015: مايو 2016 -وديسمبر 2017: يناير 2018)، وهي تعكس الوضع الصحي في السجون بصفة عامة، من ناحية توافر النظافة، والمياه، ودورات المياه، بحسب لبنى درويش.

بخلاف عدم توافر دورات المياه، تناولت الحملة مشكلات مثل توفر المياه والحمامات النظيفة، والتعرض لضوء الشمس، وتوفر الرعاية الطبية في مستشفيات السجون عند الحاجة لتلقي علاج أو رعاية، وهو ما أكدته درويش التي قالت لـ «مدى مصر» إن «موضوع الفوط الصحية هو جزء من تحسين أوضاع السجون بصفة عامة».

أما عدلي، فأكدت بدورها على أهمية توفير الفوط الصحية للسجينات في إطار وضع صحي شديد السوء داخل السجون، مؤكدة أن اكتظاظ الزنازين مع غياب النظافة الشخصية ونظافة السجون، ينقل أمراض جلدية وصدرية معدية، مضيفة أن مستشفيات السجون لا توفر خدمات لائقة للمساجين والمسجونات.

وأشارت عدلي إلى ما يسمى بوثيقة القواعد الدنيا لمعاملة السجناء، والتي لا تلتزم بها مصر، وهو قرار صادر عن الأمم المتحدة في ديسمبر 2015، وتتضمن مبادئ أساسية لحقوق السجناء، بما يضمن العدالة الجنائية، من ضمنها الحق في توفير النظافة الشخصية والرعاية الصحية في إطار تحقيق العدالة الجنائية.

كان تقرير صادر من المجلس القومي لحقوق الإنسان في مايو 2015، قد أشار إلى أن مراكز الاحتجاز تعاني من «تكدسات مخيفة من المتهمين». تتجاوز نسبتها في السجون الـ 160% بينما تبلغ نسبة التكدس في أقسام الشرطة حوالي 300% وفقاً للتقرير.

بينما أشار تقرير آخر صادر عن المبادرة في مارس 2016 إلى مستويات غير مسبوقة من التدهور في البنية التحتية للسجون وانعدام الرعاية الصحية، حيث قال التقرير «يفتقر النزلاء إلى أبسط إمكانيات الحياة الصحية والنظافة الأساسية، في الوقت الذي يعانون فيه سوء معاملتهم هم وزائروهم وعدم السماح بإدخال الملابس والأغطية والأطعمة لهم من خارج السجن رغم عدم توفرها للسجناء -بالشكل الكافي- بالداخل. وتكاد الأوضاع في بعض الأحوال تقترب مما كان عليه الحال في القرون الوسطى».

****

تطمح الحملة التي أطلقتها «المبادرة المصرية» لتبني منظمات معنية كالمجلس القومي لحقوق الإنسان والمجلس القومي للمرأة لمطالبها، والضغط من أجل تعديل التشريعات للسماح بحق السيدات المسجونات في فوط صحية مجانية، بحسب درويش.

من جانبها، أشارت المحامية راجية عمران، عضوة المجلس القومي لحقوق الإنسان، إلى أن المجلس يعمل على تحسين الظروف المعيشية واﻷوضاع الصحية في السجون بصفة عامة، ولكن مع التركيز على مساعدة حالات بعينها تحتاج تدخل طبي.

وأوضحت عمران أن المجلس ينجح في مساعدة بعض المساجين والمسجونات في ما يخص وضعهم الصحي، ولكن هذا إن استجابت وزارة الداخلية لهذا التدخل، وهي لا تستجب في كل الحالات، خاصة مع عدم وجود تجاوب كبير من جانب الوزارة لطلبات المجلس في الفترة الماضية.

مضيفة: «موضوع الحملة مهم في إطار الوضع في السجون، فيه سجون بيتقطع عنها المياه، وده بيأثر صحيًا ومعيشيًا، لكن في النهاية إحنا دورنا استشاري، ما عندناش سلطة، ولازم يكون فيه تجاوب من مصلحة السجون وجهات رسمية تانية».

عمران قالت كذلك إنها لا تظن أن المجلس سيمانع في تبني مثل تلك الحملة إذا قدمت له، وبدورها، أكدت درويش لـ «مدى مصر»، أن المبادرة ستقدم هذه الحملة بشكل رسمي للقومي لحقوق الإنسان.

وحين حاول «مدى مصر» التواصل مع المجلس القومي للمرأة، وهو الجهة الرسمية المعنية بأوضاع السيدات في مصر، للتعليق على حملة الدورة الشهرية في السجون، وإمكانية تبني المجلس لها، بدا الموضوع غير مألوف لممثلي المجلس. إحدى الموظفات في رئاسة المجلس كان ردها « اللي أنا عارفاه في موضوع السجن إن إحنا بنشتغل على الغارمات»، وقامت بتحويلنا للمكتب الإعلامي، الذي ضحكت مديرته عند سماعها عن الحملة، مضيفة: «الدورة دي خدوها فين؟»، قبل أن تطلب إرسال إيميل رسمي للمجلس باﻷسئلة المطلوب الإجابة عنها، وهو ما تم بالفعل، دون تلقي رد بعد مرور خمسة أيام.

اعلان
 
 
هدير المهدوي