سابع مدى| عن الكذب
مختارات من «غرفة 304 أو كيف اختبأت من أبي العزيز 35 عامًا»
 
 
 
لوحة لعمر مصطفى مستوحاة من أجواء كتاب «غرفة 304 أو كيف اختبأت من أبي العزيز 35 عامًا»
 

1985-1990

هناك نقطة زمنية افتراضية وغير محددة يمكنني أن أقول إنني تحولت فيها من الامتثال التام إلى الاختفاء الذي كان ظاهره الامتثال.

الطفل الذي كان يُنهى عن شيء فينتهي أو يؤمر بشيء فيفعله أصبح يمتثل ظاهرًا ويختبيء ليلبي أهواءه الخاصة. إذا كان علم النفس يحدد نقطة بداية الوعي بالذات بالانفصال عن الطبيعة وإدراك الشخصية، فإن انفصالًا آخر عن الامتثال هو نقطة مفصلية أخرى تم إخفاءها بقدر من العناية أخرّت وقللت من المواجهات التي يمكن أن تحبط العملية بأكملها أو تعرضها لخطر المعارك العنيفة.

بداية انفصال آدم عن الملائكة -الممتثلين بإطلاق- كما يرويها القرآن كانت عندما شاء الله و«علّم آدم الأسماء كلها»، عندما علمه اللغة كإمكانية وبداية لعبة لا تنتهي، تبدأ منها كل ألعاب الأفكار والأخلاق والاجتماع، أصبح لإرادة الإنسان صوت، أو أن الصوت واللغة ابتكروا للوجود الإنساني إرادة أكثر تركيبًا من الاندفاعات الحسية، مع تلك الإمكانية أيضًا بدأ التآمر والكذب، وإلا فكيف يمكن أن يحدث ذلك بدون اللغة والرمز.

قالوا لي إنني أصبحت ممتلكًا لناصية اللغة مبكرا بما يسمح لي باستكشاف الكتب والمجلات، أو ربما هكذا يظن كل الآباء أن أبناءهم لديهم دائما معجزات. فرحتهم تلك شجعتني على مطاردة اللغة أكثر وكل تلك المطبوعات التي تحتويها قادتني إلى اكتشاف مؤامرة ما.

بدأت أنتبه للكتب والمجلات التي توضع في أماكن بعيدة المنال، مع إيماءات رمزية تصحبها عبارات كاذبة بالطبع أن هذا الكتاب أو هذه المجلة ليست ملكنا ويجب ألا أقترب منها حتى نعيدها لأصحابها. انتبهت للمؤامرة وأبديت امتثالًا كاذبًا لها، وبدأت استغلال بعض الساعات الطويلة للأرق في الليل، تلك الساعات التي تفصل بين نوم أمي وعودة أبي المتأخرة من الخارج، واكتشفت بنفسي.

مجلات ديكور أجنبية تحتوي على أجساد أنثوية عارية مع صور غرف النوم ودورات المياه وحمامات السباحة، بعض الروايات ومجموعات القصص التي تحتوي عناوينها على إيحاءات غير مرغوب فيها للأطفال، مثل «لحم رخيص» ليوسف إدريس، وكنت مندهشًا أن أبي قرر أن من بينها «تفسير الأحلام» لابن سيرين، ربما لأني أبديت شغفًا بما أحلم به وبدا لهم ذلك الشغف مبالغًا فيه، أو ربما لأن قلقوا إلى أين ستأخذني تفسيرات ابن سيرين التي كان بعضها غرائبيًا.

مع مرور الوقت أصبحت أجيد القراءة ولكني كنت لا زلت أواجه مؤامرة اللغة، تلك الرموز التي لم أعرف مدلولها بعد، ولكن يعرفها آخرون، وفي الكتب المخبأة تحديدًا كانت تلك الرموز تزداد كثافة وغموضًا.

وصل استشكافي ذات ليلة إلى مجموعة كتب مصفوفة بعناية إلى جانب بعضها البعض، عناوينها متشابهة ومتقاربة كإخوة أسمائهم متناغمة، كانت كتبًا تتحدث عن تربية الأولاد: أكثر من كتاب عن «تربية الأولاد في الإسلام» وبعض الكتب من وجهة نظر علم النفس وخبراء تربويين. لقد اكتشفت المؤامرة الكبرى.

1992

لم يكن هناك داع في أي وقت لأن يأخذني أبي إلى غرفته ويغلق بابها لنتحدث في خصوصية إلا في أوقات العتاب والعقاب على خطأ فادح، وتلك المرة لم يبد لي أن هناك أي خطأ.

أجلسني أبي وجلس قبالتي وحدق فيّ قليلًا، ربما يتأمل غرابة ما سوف يفعله. قال لي إننا لم نتحدث سويًا من فترة طويلة، نريد أن نكون أصدقاء، أنا هنا لتحكي لي عن أي شيء غريب ومحير تجده في حياتك، لا يوجد أحد يخاف عليك ويحبك مثلما أفعل، لماذا لا تستشيرني في أي شيء؟

بدا لي ذلك غريبًا غرابة ذلك الولد الذي تعرفت عليه في أول أيام المدرسة وقال لي: أنا بحبك، عاوزين نبقى أصدقاء. واحتضنني. قلت له: طيب. ولم نصبح أصدقاء.

ولكني تذكرت أن ما يحاول أن يفعله أبي مكتوب في كتب التربية تلك، أو ربما أباه فعل معه ذلك، هل فعل؟ لا أظن.

قلت لأبي مبتسما: طيب.

فبدأ يحمسني أن أقول أشياء، وأنا أفكر بسرعة فيما ينبغي أن أقوله وما لا ينبغي أن أقوله، فاجأني بالسؤال عن «البنات»، كيف أشعر تجاههن، هل أفكر في بنت بعينها، من هن صديقاتي المقربات. قلت له ما قالته لي أمي: زي إخواتك. إذن: زي إخواتي.

سألني من أختك المقربة بينهم، فقلت له بسرعة اسم البنت التي يتوقعها، أخت زميلي التي شاهدني أمزح معها بمرح زائد عن عادتي في الشارع أمام البقالة أسفل بنايتنا، وقتها كانت تنمو بيننا صداقة وألفة يتخللها بعض التوتر بين ولد وفتاة يخطون خطواتهم نحو الذكورة والأنوثة. كنت أعرف أنه لاحظ ذلك، كان لابد من الاعتراف لكي أنال ثقته باعترافي وأحكم مؤامرتي: أبعد قلقه عن هالة، الرفيقة الأولى لطفولتي، وأيضا لكي أخفي قصة «الفتاة الكبيرة».

كانت تلك الفتاة الكبيرة، الجامعية وقتها، قريبة الجيران. تأتي كثيرا لتلعب معي وتأخذني إلى سطح البيت المجاور حيث غرفة وحيدة مفتوحة النوافذ على الأفق من كل الاتجاهات، لم تكن هناك بنايات أعلى من بنايتنا، كانت تقول لأمي إنها لا تريد أن تذاكر وحيدة وستأتنس بي وتراقبني وأنا أعمل الواجب المدرسي، كنت أحب صحبتها أنا الآخر، ولم أكن أفهم تمامًا ما كانت تفعله عندما ترتدي قميص النوم القصير الأحمر وتبدأ في اللعب الجسدي معي، لا أذكر كثيرا من التفاصيل، ولكن بدا الأمر ممتعًا ومثيرا أكثر في نهايته عندما أمسكتني من كتفيّ أول مرة حدث ذلك وقالت لي وهي تعض على شفتها السفلى بدلال وتغمز بعينها: «إوعى تقول لحد، دا سر بيننا».

كان ما يحدث بيننا يشبه رموز اللغة التي لم أكن أفهمها بعد، ولكنه كان لطيف التأثير عليّ، كنت أعود إلى البيت ومعي بعض الأسرار مع فتاة جميلة تكبرني بنحو عشرة أعوام. ولم أخبر أحدا.

كان واضحًا أن أبي كان يقصد أن أخبره عن مثل «تلك الأمور». ولكني وعيت إن تلك الأمور تحديدًا يخبئها الكبار ولا يتحدثون عنها، هذه طبيعة تلك الأمور.

1995

بالملابس والأحذية الرياضية، كنا في بيت الشيخ نتلقى أولى دروس العقيدة السلفية، لم نعد من عوام المتدنيين الذين يحضرون الدروس والمحاضرات المفتوحة، رأى المشايخ فينا شيئًا واعدًا والتحقنا للدراسة على يدهم في فروع مختلفة من علوم الشريعة في جلسات مغلقة في البيوت.

كان مشايخنا من ذوي الماضي مع تنظيم «الجماعة الإسلامية» الذي سحقه الأمن وأخضع ما تبقى من دوائره لرقابة صارمة، ولم يكن مسموحًا لهم عقد حلقات التدريس في المساجد ولا الخطابة على المنبر يوم الجمعة إلا وفق تفاهمات صارمة مع ضباط الأمن.

قال لنا الشيخ في أول جلسة إن الأمر ينطوي على بعض الخطورة، فهو قد يؤدي إلى أن تكون لنا ملفات في جهاز أمن الدولة، ملفات أكثر جدية من الشباب الذين يصلون في مساجد تجمعات السلفيين أو يحضرون المحاضرات العلنية المسموح بها، قد يؤدي الأمر لاعتقالنا واستجوابنا أحيانًا، التعذيب وارد. قال المشايخ إننا سنتبع بعض الاحترازات، لن يكون للدرس موعد أسبوعي ثابت، سنغير اليوم خلال الأسبوع، وسنغير الموعد خلال اليوم، مرة بعد المغرب، مرة بعد العشاء، ليبدو الأمر أنها زيارات متفرقة وليست جلسات دراسية، ولكن كل ذلك لا يمنع تماماً احتمالات وصول الأمر لتحريات الأمن.

طلب منا الشيخ الحصول على إذن صريح من الوالدين، وقال لنا إنه لا يجوز الكذب عليهم حتى من أجل طلب علوم الدين، وأننا نحتاج إلى دعمهم في حالة حدوث أي مكروه. ثم نقل بصره بين أجسامنا وأرجلنا وسألنا لماذا نرتدي الملابس الرياضية.

عندما ذهبت إلى أبي وطلبت منه الإذن بحضور جلسات خاصة في العلم الشرعي. اعتدل في جلسته ونظر في الأرض طويلًا، كان يكبح غضبًا ما، يستعيد وقائع التوترات ما بيننا منذ بدأت أقترب من السلفيين في المنطقة وأرتاد مسجدهم، يستعيد وقائع توتره الشخصي، بين رعبه وخوفه علي من الاعتقال والتعذيب وبين بعض الاحترام والإكبار أن ابنه قرر أن يكون «شيخًا» – كما يطلق العامة على السلفيين- أو أن يكون «ملتزمًا» – كما يطلق السلفيين على أنفسهم – والآن «طالب علم» يدرس علوم الشريعة بشكل شبه نظامي. كان يحاول أن يستعيد بعض ما ألزم به نفسه من أن يعطي لأولاده الحرية ويحترم خياراتهم، يستعيد تلك القوة بداخله التي لا تحتاج لسند أو تبرير في عزمها على توجيههم وتشكيلهم وفق ما يراه الصواب والأصلح والأكثر أمنًا.

كبح في نفسه صرخات أطلقها سابقًا: «لماذا السلفيين تحديدًا؟ متشددون. لماذا ليس الصوفية؟ يمكنني أن آخذك إلى مشايخ في الأزهر، معتدلون ويعيشون في أمان. لم لا؟». استعاد في نفسه قدرا من الاحترام للسلفيين، الذي يكنه الكثيرون من المختلفين معهم، باعتبارهم متدينين أكثر أصالة يواجهون رخاوة وطراوة المجتمع بشجاعة ويتحملون الأذى والمطاردة، رفع رأسه وقال لي إنه أعطاني الحرية، ويعرف أني مسؤول وذكي، وأن الله يحرسني، ولكن يكفي أني أرتاد المسجد والدروس والمحاضرات العامة، ولا حاجة للمزيد، أيضا لكي لا تشغلني أكثر عن دراستي، خاصة أنه بعد إجازة ذلك الصيف تبدأ السنتين النهائيتين في «الثانوية العامة».

لم أناقشه، احترمت كل ما رأيته يعاني في كبحه، كانت تلك واحدة من اللحظات التي كانت مؤهلة لكي تكون إحدى المواجهات المتوترة ولكنه قطع طريقًا طويلًا نحوي، شعرت نحوه بحب بالغ، وبتعاطف كبير مع مأزق الأبوة، تعاطف أخرجني من مخبأي لكي أضع نفسي مكانه وأتخيل خوفي على ابني وماذا كنت سأقرر لو كنت مكانه، غالبًا كنت سأفعل مثله تمامًا. ولكن وقتها لم يكن لدي أدنى شك أو تردد في أني لن أمتثل لقراره وسأبدأ الدروس.

بالملابس والأحذية الرياضية نزلنا من بيت الشيخ، صلينا العشاء في مسجد قريب وذهبنا إلى الشارع الخالي الذي نلعب فيه الكرة أحيانًا، لعبنا لدقائق وعدنا إلى بيوتنا نتظاهر بالتعب.

– « كنت فين يا عمرو؟»

– «كنت بالعب كورة».

هل تحتسب عند الله كذبة؟

1996

هذه المرة أنهينا الدرس مبكرًا ولعبنا مباراة حقيقية وطويلة. انتهينا من المباراة وكنا في غاية التعب، توجهنا إلى حيث البقالة القريبة واشترينا بعض المثلجات وجلسنا على الرصيف في الشارع الهاديء. قال أحدنا: «حاسس لما أرجع البيت إني هاكون باكذب برضه لما أقول لهم إني كنت بالعب كورة».

ضحكنا، وبدأنا نقاشا دينيا حول الكذب، وحول «المعاريض» المباحة شرعًا. تعني «المعاريض» ألا تقول الحقيقة، أن تخبيء الحقيقة المطلوبة، الحقيقة موضع التوتر، أن تبدي حقيقة أخرى أو تبدي جانبًا منها يظهرها كأنها شيء آخر، بشرط ألا يسبب ذلك ضررًا أو أذى بأحد.

بدأ نقاشنا الشرعي يتجاوز الأفكار التراثية ويتجه إلى بعض المزاح والتلاعب، بدأنا نتحدث عن شبه الكذب على الآباء بالكذب على الزوجات عند الغزل، هناك علاقة حب وتعلق يشوبها الخوف، لا بد من بعض الاختباء في اللغة، إرضاء الزوجة وتسكين قلقها بخصوص ما يعتقده الرجل بخصوص جمالها، سعادته معها، حبه لها، والعكس. هل يمكن أن نسحب ذلك على الآباء، ذلك الحب الذي يشوبه الخوف والغيرة من العلاقة مع «الآباء الآخرين«، هل يمكننا أن نعد الكذب على الآباء من ذلك القبيل.

انغمسنا أكثر وتحدثنا عن أن الكذب عليهم يمكن أن يكون من باب الكذب على الأعداء وقت الحرب، تلك الرغبة في السيطرة أحيانًا يبدو أنها تتجاوز الحب، تبدو كرغبة محمومة في التحكم في تلك المخلوقات التابعة، بالشكل الذي يرغبه الآباء ويحقق لهم السعادة، أين هي إرادتنا إذن، إنها الحرب. البعض اقترح أن ذلك ينسحب على الشيخ أيضا لأنه أب آخر أو لأنه من جيل الآباء.

المنسوب للنبي محمد أن الكذب لا يجوز إلا في ثلاث حالات: الحرب، والأحاديث الحميمة بين الرجل وزوجته، والإصلاح بين الناس.

حتى الحالة الأخيرة تحدثنا أنها تنطبق على الآباء، لأن الكذب عليهم من قبيل إصلاح العلاقة بين الأجيال التي سيملؤها الصدق صراعات وتوترات.
طبعًا كمتدينين مخلصين أضفنا أننا سنلتزم بالضابط الشرعي أنه لا يجوز ذلك إن كان فيه أذى أو ضرر لهم. ضحكنا لأننا اكتشفنا أننا فيما يخص «الدروس السرية» نكذب لما فيه غالبا أذى وضرر محتمل لنا نحن، ولكننا طبعا كنا نمتلك شجاعة من يفكرون في إصلاح العالم.

2015

يعترض كانط على الفكرة القائلة أن بعض الأكاذيب ليست منافية للأخلاق السليمة إن كان لا يترتب عليها ضرر، يقول إن هناك نوعان من الضرر: ضرر مادي وضرر صوري. الضرر المادي عند كانط هو الضرر المباشر الواقع على شخص أو جماعة من جراء إخفاء الحقيقة عنه أو عنها، أو الإيهام بحقيقة أخرى، أما الضرر الصوري فهو انتهاك التوافق الإنساني المفترض على الصدق عند استخدام اللغة، وهو عند كانط ضرر يصيب الإنسانية كلها عند اقتراف كذبة لا ضرر منها، هو ضرر يهدد الكرامة الإنسانية القائمة على الحرية في استعمال العقل وفي اتباع الأخلاق بناءً على معرفة الحقيقة، فالكذب يهدد الكاذب بفقدان الحرية والكرامة لأنه يتهرب من حقيقة ما، كما أنه يهدد المتعرض للكذب، حتى إن لم يقع عليه ضرر مباشر، أنه لن يستطيع استعمال عقله والحكم الأخلاقي على الأمور بشكل جيد لأنه تم تضليله عن طريق الكذب.

ذلك المنظور الكلي والعالمي والإنسانوي جميل، يضع نصب عينيه تلك الرغبة في أن يكون العالم كله مكان متناغم وأخلاقي وعقلاني، خاليًا من الصراعات الحادة المأزومة.

حتى في أوقات الصراعات المحتدمة يمكن أن أتفق مع رؤية كانط، وغالبا ما أفعل ذلك لأني إنسان أخلاقي في العادة وفي المجمل، ولكني أريد أن أجري تعديلًا أكثر واقعية على تصور كانط عن الضرر الصوري الواقع على العالم من جراء الكذب: سنقسم العالم إلى نوعين من الدوائر:

النوع من الأول من دوائر العالم، هي دوائر تضمنا مع أنداد، لدينا طموح وتوقع راجح أنها يمكن أن تكون مكانًا متناغمًا بقدر ما وأخلاقيا بقدر ما، لن نكذب في هذه الدوائر أبدا، هذه الدوائر يحكمها اتفاق ضمني على الصدق نلتزم به مهما كانت الصراعات التي يمكنها أن تثور، لأنها في النهاية ستهدأ لنعود إلى اتفاقنا الضمني بقدر من الثقة والأمل أن هذا الاتفاق الضمني ممكن وعادل، وأن الكذب، حتى إن كان غير ضار أو كان مبررًا بشدة، فإنه سيهدد أمل عودة هذا الاتفاق الضمني في وقت ما، لنسميها «دوائر الوفاق والصراعات الآملة».

خارج هذه الدوائر سنضع باقي العالم، حيث يوجد النوع الثاني من الدوائر، والتي تضمنا مع أطراف نعرف أننا في مواجهتها معرضون لصراعات جذرية، نرى أنفسنا فيها مهددين، هناك ميزان للقوة مختل بشدة، بشكل يهدد وجودنا نفسه، سأسميها «دوائر الصراعات الجذرية اليائسة».
في هذه المساحة كذبنا ليس إلا تحركات ضمن صراع في مساحة لا أمل فيها لاتفاق ضمني يتضمن الكرامة والحرية والندية إلا بعد صراع قاس يأخذ موازين القوى إلى وضع يخفف من وطأة التهديد الكبير، كذبنا هو جزء من المناورة التي لا يمكنها أن تطمح للتناغم والندية والحرية المتبادلة هنا والآن، المناورة التي ليس لديها ترف الطموح الكانطي لعالم واحد متناغم.

هذه الدوائر اليائسة لم تكن وليدة تأمل فلسفي مع كانط، ولكنها كانت محاولة لاختراع مكان أضع فيه تجربة يأس وفشل مؤسف في دفع الفتاة الكذّابة أن تكون معي في دائرة كانطية آملة.

واضح من وصفي طبعًا أنها تكذب باستمرار، ولكن ما كان استثنائيًا أنها بدت لي وكأنها تفعل ذلك انسياقًا خلف رؤية مذعورة من العالم باعتباره عالم خال تمامًا من دائرة صدق أو وفاق أو دائرة صراعات محدودة آملة، بدا لي وكأن كل العالم لديها بشكل ما دائرة صراعات جذرية مفتوحة ويائسة، كانت خائفة من العالم ومن الناس بعمق رغم شجاعتها الظاهرة في الاشتباك معهم، ما كان يطمئنها هو ارتكانها دائمًا إلى الكذب وشعورها بأنها مختفية لا يمكن رؤيتها والحكم عليها، لا يمكنني أن أتجاوز كثيرا المبالغات الناتجة عن مرارة ضياع الحب ولأن التنظير الفلسفي يجنح للحدة أحيانًا.

كنت أكتشف كذبها فأواجهها، فنصطدم ثم نتصارح ثم نتصالح ويبدو وكأننا بدأنا نؤسس بقدرما لدائرة وفاق وصراعات محدودة بالأمل، الحب في النهاية ليس خاليا من الصراع، فأكتشف كذبها ثانية، فأواجهها ثانية، وهكذا، وبالتكرار بدأت أكتشف تدريجيا توترها العصبي عند اضطرارها لقول الصدق، أو محاولتها ذلك، تشنجات جسدها ووجهها ويدها وشفتيها، لقد كان لديها موانع لا أستوعبها على وجه التحديد تمنعها أن تصدق أن تلك الدائرة من الوفاق أو الصراعات الآملة ممكنة، ويمكنها أن تسترخي وتثق وتتوقف عن الكذب، أعرف أن وعود الحب هي شيء يصعب تصديقه بشكل كبير، ولذلك توقفت عن لومها، لأنها لا تستطيع بشكل ما أن تنضم إليّ في دائرة الحب كدائرة لوعد بالولاء والصدق أو حتى الصراعات الآملة، وعندما انكشفت أكثر وتوترت أكثر بدأت تتحدث أن بعض كذبها لا يمسني ولا يضرني ولكنها ببساطة غير قادرة على أن تكون صادقة بشكل عام، ببساطة لا تستطيع.

توقفت تماما عن التواصل معها كأني لم أعرفها أبدا، حدث ذلك في يوم عادي تماما حدث فيه سوء تفاهم عادي جدا كان يمكن أن يمر، ولكن تخيلت أن نقاشًا بخصوص سوء التفاهم لن يمكنه أن يحل أي شيء لأننا هنا والآن في دائرة صراعات جذرية مفتوحة لا يمكن أن نطمئن فيها إلى صدق أي تواصل بشأن أي شيء مهما بدا تافهًا، وهذه اللحظة تحديدا بدت لي التجسيد العملي لمخاوف كانط النظرية من أن الكذب حتى البسيط منه وغير الضار يمكن أن يدفع العالم كله أو يجعل دائرة ما من علاقاته تبدو دائرة غير محتملة من الصراعات المفتوحة اليائسة بشكل كبير، أو لنقل متشككة بشكل كبير في احتمالات الصدق والصداقة والحب، كما بدا لي.

تلك الحكاية الاعتراضية هدفها أن أبدي كثيرا من التفهم لها ولكانط، ولكن فيما يخص أبي، هل يمكنني أن أقول إن كذبي عليه كان لأني أرى علاقتي به تقع في دائرة صراعات مفتوحة يائسة وغير آملة في أي وفاق؟ ليس بالظبط.

في جانب من الأمر يمكنني أن أقول أن علاقتي بأبي- كأب – كانت عبارة عن جزع من ميزان القوة المختل بينه وبيني، كأب أحضرني إلى العالم وأعيش في كنفه وأحبه وأراه قويًا وجميلًا، وغضبه وعدم رضاه ينزعان عني سلامي واسترخائي وثقتي.

ميزان القوة المختل هذا لم يكن معبرا عن قسوة مفرطة أو قهر، لقد كنت طوال الوقت ابنا مدللًا، ولكن ذلك الاختلال يبدو لي نابعًا من كوني ابنا مدللًا لا يريد أن يتمرد على الأب لكي يتوقف عن كونه أبا بهذا الشكل المفرط والقوي والجميل أحيانا والقاسي أحيانًا.

لم يكن ما حدث ويحدث وقائع استسلام ولا تمرد، ولكنه كان اختباء ابن مدلل رأى تهديدا وجوديًا في امتثاله للأب، فقرر أن يجعل الأب أحيانًا في دائرة علاقات وفاق تتضمن الامتثال والصدق، وأحيانًا أخرى في دائرة صراع وجودي جذري ومفتوح ويائس من أي وفاق بين تطلعات الابن المدلل للتحرك بعيدا وبين رغبته في الامتثال وعدم خوض صراع عنيف وجذري مع الأب.

ربما يبدو قولي هنا «أن علاقتي بأبي كانت أحيانًا في دائرة وأحيانًا في دائرة أخرى»، تبريرًا واهيًا وضعيفًا فلسفيًا وأخلاقيًا. يمكن أن يكون هذا التنقل بين الدوائر تبريرا لأي كذب وإفسادًا للنظرية كلها، ولكن في الحقيقة أن علاقتي «الواقعية» معه كانت في دائرة الصدق والامتثال وانتهت بنا أبًا وابنًا بينهما علاقة هادئة ومستقرة، أما حياتي المختبئة، التي أعيش فيها أفكاري وخياراتي، كانت طوال الوقت لا تتضمن «علاقة واقعية» معه، كانت علاقة غير موجودة فعليا، علاقة هروب مستمر بين طرف يختبئ من طرف، والطرف الأخر بدوره يغض بصره أحيانا عما قد يسبب الصدامات الجذرية، لكي تستمر «العلاقة الواقعية» في دائرة الوفاق والصراعات الودية الآملة.

1995 – 1997

بكيت أمام أبي مرات قليلة، كان استياءه من ذلك أكبر من أي موضوع آخر للمواجهات المتوترة بيننا.

كانت إحدها في بداية السنة الثانية من المرحلة الثانوية عندما اجتذبتني معارك الكلمات والأفكار بين العلوم الدينية والفلسفة والأدب وبدأت في خطط طموحة للقراءة الثقيلة بثقة زائدة في تفوقي الدراسي المعتاد، أغرقتتي الكلمات تمامًا حتى أفسدت خطتي أن أكون رسامًا، أربك التديّن خطتي أن أكون فنانًا أتخرج من كلية الفنون الجميلة – مثل أبي- وضاعت الخطوط والصور والألوان من ذهني. هل تكاثر عليّ الآباء؟

احتلت ذهني حالة من التشتت العميق أخذتني إلى ما يشبه الاكتئاب وفقدان الشهية وبدأ أبي وأمي يلاحظان حالتي.

وضعني أبي أمامه يريد أن يفهم، فوضعت أمامه بعض ما أشعر به. دخّن كثيرًا وعاتبني على أشياء كثيرة يفصل بينها دائما عتاب متكرر: «شتتت نفسك في مرحلة مصيرية»، وكان ذلك يبدو دقيقًا وضاغطًا عليّ أكثر، ملامحه المستاءة والغاضبة كانت تبتلع أي ثقة لديّ في نفسي، ويبدو أن مقاومتي للاكتئاب انهارت لحظتها، فبكيت.

كنت قد توقفت عن البكاء منذ زمن طويل وصنعت فاصلا واضحًا بين مرحلة الطفولة وما بعدها بنجاحي الباهر في التوقف نهائيًا عن البكاء لأي سبب رغم الرغبة الملحة الضاغطة في أوقات كثيرة، كنت أواجهها. أعتقد أن أبي فوجيء بي وبإخوتي نبكي كثيرًا، ربما بالمقارنة بطفولته مثلًا، فبدأ يثور ويغضب عند بكاءنا وكانت تلك واحدة من تدخلاته الحاسمة: «مافيش رجالة بتعيّط».

فوجيء بي أبي يبكي، ترك أمر الدراسة جانبًا وبدأ يحدثني عن أنه لا يريدني أن يراني أبكي أبدًا لأي سبب، تحدث قليلًا عن ندمه أنه دللنا كثيرا في صغرنا، وعن صدمته الآن أن يجدني أبكي، قال إنه يفضل أن أكون «رجلًا» متماسكًا حتى إن رسبت في الثانوية العامة عن أن أكون متفوقا بعد أن أبكي هكذا أمامه. قال ذلك بتأثر كبير كنت أتوقع أن يكون تأثيره ضاغطًا أيضا عليّ.

ولكني أيضا فوجئت ببكائي، كانت تلك المرة الأخيرة بالفعل التي يراني فيها أبكي، استجمعت نفسي بالفعل، أمامه وفي ذلك الوقت عموماً، تجاوزت كون ما يقوله مبالغة إنشائية الغرض منها التعبير عن كراهيته للبكاء أكثر منها قبوله بالفعل لاحتمالات تراجع مستواي الدراسي، ربما تشبثت بحرفية ما قال واطمأن قلبي بشكل ما، أو ربما لأني قد صنعت مشهدا استباقيًا وواجهت أشد مخاوفي: مواجهته بفشلي.

عدت للمذاكرة ببرود المقبل على كارثة، واسترخيت كثيرًا. لم أتجاوز التشتت ولكني نحيت تأثيره جانبًا. دخلت الامتحانات بقدر من الارتياح، النتائج السيئة متوقعة بالفعل بعد هذه المواجهة، ويبدو أن هذا كان فعالًا، جاءت نسبة مجموع درجاتي 97% وأكملت السنة الثالثة بنفس الروح وبارتياح أكبر مع تشتتي الذهني والنفسي فحصلت على نفس النسبة، وعندما أضيف لهم درجات المواد الاختيارية للمستوى الرفيع أصبحت نسبة مجموع درجاتي 101%، وكنت في المركز التاسع على الإدارة التعليمية، لم أصل لاحتلال مركز على المحافظة أو الجمهورية لكن كنت في النادي المرموق لأقلية من أصحاب ما فوق 100%. كان انتصارا مؤقتًا ومدهشًا لثقتي بنفسي وسط التشتت الكبير.

كانت الفرحة عارمة في البيت بعد تفوقي في الثانوية العامة، وكنت سعيدا بالطبع، أتمتع بالتقدير والإعجاب من الأقارب والجيران والزملاء، وكان واضحًا أن الأمور تدفعني لدخول كلية الهندسة وسط تشوش كبير فيما أود فعلا أن أفعله، سأتخذ خيارًا ربما يحدد مهنتي وما سأفعله طيلة عمري، وكنت أجد ذهني خاليًا من أي رغبة واضحة أو اتجاه محدد، وكان ذلك يدفعني ناحية اكتئاب. الكل يتحدث عن أن ذلك إنجاز كبير يخص «المستقبل»، ولكني رأيت ذلك كذبة أخرى لم أصدقها.

وفي وسط الاحتفالات والنشوة التي كانت تسري في البيت الذي يستقبل الاتصالات والتهاني، دخلت غرفتي وخلوت بتشوشي وتشككي. قرأت بعض القرآن وتنازع ذهني بعض المشاعر الدينية الممتنة وبعض القلق الوجودي المتشكك فيما أحسه وأقرأه، بعض فرحة الانتصار أو ذهول النجاة من مأزق كبير، ودمعت عيناي قليلًا وأنا أتخيل أن ذلك ربما يبدد فرحة أبي الفائضة وهو يتحدث مع المهنئين في التليفون وصوته القوي يعبر الباب المغلق لغرفتي.

1997 – 2016

ما يقوم به النفوذ والسطوة من تشكيل للعالم رأته حنة أرندت شكلًا من أشكال الكذب.

تعتقد أرندت أن السلطة، أثناء ممارساتها للسياسة، لا تبالي بالحقائق الواقعة في مقابل ما تريده أن يكون حقيقة، تمارس السلطة الكذب على الخاضعين لها وتقوم بتغيير حقائق ماضيهم وحاضرهم وتعيد تشكيلها وإقناعهم بها لكي تصنع مستقبلًا تريده. فالسياسي لا يخضع للحقائق لكنه يصنعها، كلامه لا يطابق الواقع لكنه يدفع الواقع أن ينحشر وفق رؤيته له في التاريخ وفي المستقبل.

هل يمكن أن نرى النفوذ الأبوي في عملية التربية هو أيضا شكل من أشكال الكذب؟

هل يكون التصور الأبوي عن «عمرو الحقيقي» هو أساس عملية تشكيل للماضي والحاضر الخاصين بي من أجل تشكيل مستقبلي؟

ألم تكن كذبة «ختم الجنة» تفسيرا لاختلافي وماضيه وحاضره وإيهامًا بخصوص مستقبلي الدنيوي والأخروي؟

قد يكون ما شدّني إلى السلفيّة، في الوقت نفسه الذي كنت نهمًا فيما يخص الموسيقى والأدب والفن والرياضة، هي تلك الكذبة الراديكالية المتماسكة التي تريد تشكيل العالم بصرامة: في لحظة ما من التاريخ تجسّد ما يمكن أن يكون نموذجا للإنسانية، لا يمكن الاتكاء على النص الديني وحده بينما نرى اللغة تتفلت من بين أيدينا وتراوغنا، واهمون من يعتقدون أن السلفيّة تقدس النص، كما أنه لا يمكن الاتكاء على سلسلة طويلة لا تنتهي من البشر الذين نعتقد بصلاحهم ونثق في أفعالهم، مثل الصوفية، بل ما سيحدث أننا سنعتمد على لحظة مجمدة هناك بعيدا، حيث أجيال ثلاثة من السلف الصالح يقرأون النص الديني ويفسرونه ويتصرفون وفقه ولا يجوز لنا أن نحيد عن ذلك النموذج.

في رأيي هذا تصور متماسك بقدر كبير يريد الحفاظ على ترابط جماعة دينية محددة بالمقارنة مع باقي التصورات الدينية التي تعطي الأمان بسذاجة للنص أو للغة.

هل يمكن أن نقول إن السلفية بأجنحتها الثلاثة، المتوائم الموالي للسلطات والمنسحب المعتزل لها والمتمرد المحارب لها، هي أكثر تقليد ديني له أتباع نشطون متمركزون حول مرجعية متماسكة بأقل قدر من التفاوتات؟ أعتقد أنها أطروحة قد تصمد للنقاش والأهم وربما الأخطر أنها فيما يبدو قد تصمد أكثر في مواجهة المستقبل.

إذا كان الدين مسألة دفاع عن ذاكرة جماعية نثق فيها بآباء بعينهم، فالسلفية تضيّق نطاق دفاعنا، ذاكرة بخصوص لحظة زمنية ضيقة وآباء بعينهم هم السلف من أصحاب النبي محمد وتابعيهم وتابعي التابعين.

هناك ثغرة: تتوتر السلفية عند النقاش عن التاريخ المركب لاختلافات هؤلاء الآباء (الصحابة والسلف) وصراعاتهم، ولكن هذا هو أفضل ما لدينا، لنتجاهل التعقيد والتركيب والأسئلة اللانهائية التي تشكك في كل شيء، يمكنك أن تثق في تلك الأبوة التاريخية وتقبلها على علاتها، لنتسامح مع الثغرة الأقل في حوائط ذلك التقليد الديني المنيع والعصي على المواجهة في أي معركة مع أي تقليد ديني آخر، لنتسامح مع الكذبة الأكثر تماسكًا ولنجعلها تشكل حاضرنا ومستقبلنا.

ما تبديه السلفية من صلابة وتماسك في مواجهة التدين التقليدي الذي يحبه المجتمع وتحبه السلطات هو تحديدًا ما كان جذابًا. تلك الصلابة والتماسك المقلقين لأي سلطة، والذين أقلقا أبي وأمي بشدة، ألقت أمي شرائط الكاسيت لمشايخ السلفية هنا وهناك باستياء شعرت تجاهه بالذنب لاحقًا، وصب أبي غضبه على «السواك» أمام فراشة الأسنان، وحاول بالترغيب والترهيب أن يشدني إلى مساحة سهلة التشكيل من تدين منسحق أمام العادات الاجتماعية ومتطلبات التحولات الطبقية أو لضرورات العيش والتكيف مع أيا كان، هي مساحة يحبها الآباء لأنهم يقودون عربة التكيف والتوائم وتشكيل العيش الآني، بينما السلفية عربة على شريط قطار تخترق الخرائط والتضاريس وتذهب بأولادهم بعيدًا.

في الثانوية العامة عندما نجحت بتفوق كبير وطلب مني أبي أن أختار هدية، طلبت أن تكون «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية»، المنظر الأكبر للسلفية.

تردد أبي للحظات يغالب غيرته وقلقه من أحد آبائي الجدد ولكن فرحته كانت أكبر من قلقه فأحضر لي الكتب بالفعل وقال لي: «بس ابقى خلي بالك وانت بتقراها»، سألته مبتسما: «أخلي بالي من إيه؟»، قال لي: «وأنا إيش عرفني!». وأضاف وهو يذهب بعيدًا بالنبرة العاتبة المرحة :«يا ابن الكلب!».

2011

صباح يوم 25 يناير اتصل بي أبي يسألني عن مكاني ويحثني على عدم الاشتراك في المظاهرات: لا توجد ثورة بميعاد وهذه حركات انتحارية وأنا أعلم أنك تجيد تقدير الأمور ولا تحب المواقف الانتحارية.

طمأنته أنني سأقضي يومي في نوبة طويلة في غرفة أخبار الموقع الإلكتروني لـ«المصري اليوم» لمتابعة اليوم.

توقف موقع «المصري اليوم« عن العمل في منتصف اليوم، قيل وقتها أنه بسبب الضغط الشديد على الموقع، فنزلت إلى ميدان التحرير وجلست على الأسفلت قليلا مع بعض الرفاق نتعجب من المشاركة الواسعة ذلك اليوم قبل أن تفض قوات الأمن الميدان. جرينا في الشوارع المحيطة بالميدان وانتظرنا بإصرار أن نتجمع لنعود، فاجأتنا عافيتنا وأعدادنا الكثيرة المستعدة لمواصلة التظاهر. تظاهرنا حتى الفجر كمجموعات صغيرة تطاردها قوات الأمن في الأحياء المحيطة بالميدان. أنهكنا أنفسنا وقوات الأمن ومن رجع منا إلى بيته واصل الصياح على الإنترنت أننا سنعود. عدت إلى البيت ومعي قفل باب المرحاض العمومي في ميدان التحرير، كسرناه استعدادًا لاحتلال الميدان للاعتصام قبل أن يفرقونا. وضعت صورته على المدونة مع تدوينة بعنوان: كيف نشفى من الياسمين؟

كانت وسائل الإعلام قد أطلقت على ما حدث في تونس وإسقاط الرئيس زين العابدين بن علي «ثورة الياسمين». وانطلقت الدعوة للتظاهر يوم 28 يناير.

اتصل بي أبي قبل انقطاع الاتصالات بكل شبكات المحمول والإنترنت ليلة 28 يناير، قال إن هذه المظاهرات كانت رسالة قوية وهذا يكفي وأن المزيد هو انتحار وتضييع لما تم كسبه وأن عليّ أن أتجنب النزول إلى الشارع، فأكدت له ذلك فعلًا، بنبرة كذب مستسلمة تماما ووافقته أنها كانت رسالة قوية وتكفي، ولن نشارك بالتأكيد في مظاهرات 28 يناير.

نزل أخويّ من بيت أبي أثناء استحمامه استعدادًا لصلاة الجمعة، وقابلتهم في مسجد كبير في ميدان الكيت كات بامبابة، مشينا من هناك حتى التقينا أول حشد كبير وانضمننا لهم وسرنا إلى ميدان التحرير في طريق متعرج قطعته اشتباكات ومحاولات من قوات الأمن لتفريقنا، وصلنا إلى ميدان التحرير بعد عشر ساعات تقريبا، قوات الأمن انسحبت تمامًا، قوات الجيش في الميدان وتحمي مقر البرلمان ومقر وزارة الداخلية القريبين من الميدان. ما العمل الآن؟ قلت لأخوي إن يعودا إلى البيت لطمأنة أبي وإخباره أنني سأبيت في الجريدة لمتابعة الأمور.

لم يرو لي أخويّ حتى الآن حالة أبي وأمي أمام التليفزيون وهما يتابعان صور قتلى وجرحى ومبان محترقة وشوارع مظلمة تملأها فوضى مرحة لآلاف من الشباب وسط عربات أمن مخربة ومدرعات جيش مرتبكة. لم يرويا لي ما قاله أبي عني، بعد أن اتهمني أنني حرضتهما على المشاركة في المظاهرات، قالا لي إن ما قاله يومها كان أعنف ما سمعاه منه على الإطلاق ولا أحب أن أعرفه.

ورغم ذلك كان ملتاعًا وحانيًا عندما اتصلت به على التليفون الأرضي أطمئنه أنني في مقر الجريدة، قال لي إن ما حدث يكفي جدًا وخطاب مبارك الذي تراجع فيه أمام بعض مطالبنا يكفي جدًا، وافقته وقلت له إن هذا صحيح ولكني ما زلت مقيمًا في الجريدة بشكل دائم لأننا في حالة طواريء ممتدة. كان يعلم أنني أكذب  ولكنه تظاهر أنه يصدقني.

تحدثنا بعد كل خطاب لمبارك قدم فيه بعض الوعود، التي نراها كاذبة أو غير كافية، ووعدت أبي وعودًا كاذبة وغير كافية أنني لن أشارك في أي مظاهرات قادمة وأنني أبتعد عن أي خطر.

وبالتوازي مع الكذب المطمئن المستمر للأهل لكي لنختبيء من قلقهم ورغبتهم في الاطمئنان، كنت أنا وغيري في دوائر أخرى مع شبكة واسعة من المحرضين المعروفين على الإنترنت، في المدونات وفيسبوك وتويتر، نصيح بأعلى اصواتنا ندعو الناس للمشاركة واستكمال طريق الثورة.

على أطراف الميدان الهادئة وفي الشوارع الجانبية المتفرعة من شارع رئيسي تمر منه مسيراتنا الحاشدة كنت أرى مكالمات الكذب والطمأنة تلك، حشود من المختبئين من آبائهم، ينهون مكالماتهم معهم بأعين قلقة، ثم يعودون تلتمع أعينهم ويواصلون الهتاف وتحريض الناس على المشاركة بكل حماس.

اعلان