هل تعلن الحكومة وفاة «صاحبة الجلالة» لتبيع أصولها؟

أثار اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، برئيس الهيئة الوطنية للصحافة، كرم جبر، يوم الثلاثاء 5 مارس، القلق في أروقة وصالات المؤسسات الصحفية القومية؛ فما أن انتهى اللقاء حتى تسربت أخبار عن خطة حكومية لتصفية مؤسسات صحفية ودمجها مع أخرى والتصرف في أصولها، فضلًا عن إلغاء إصدارات بعضها خرج للنور قبل قرن من الزمان.

الاجتماع الذي عقده رئيس الحكومة حضره وزراء: التضامن الاجتماعي، والتخطيط، والمالية، وقطاع الأعمال، بالإضافة إلى رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، وهي الجهة المنوط بها الإشراف على المؤسسات الصحفية التي تملكها الدولة، بحسب القانون المنظم لعملها.

بحث الاجتماع، بحسب البيان الرسمي، موقف المتأخرات المستحقة للضرائب والتأمينات على المؤسسات الصحفية القومية، لكن صالات تحرير الصحف وصلتها أخبار مؤكدة عن خطة حكومية أعدت لبيع أصول بعض المؤسسات؛ لسداد ديون الحكومة المستحقة ووقف الخسائر المالية الكبيرة التي تتعرض لها تلك الصحف خلال العقد الأخير.

المتحدث باسم مجلس الوزراء، المستشار نادر سعد، عَقَّب على الاجتماع المشار إليه قائلًا: يجب على كافة المؤسسات القومية دمج إصداراتها التي تحقق خسائر مالية، وسرعة القيام ببعض الإصلاحات والتوجه بالاستثمار في الصحافة الإلكترونية والأصول التي تمتلكها كل مؤسسة لسداد ديونها.

وأوضح سعد في مداخلة تليفزيونية، أن مديونيات المؤسسات القومية لمؤسسات الدولة وصلت إلى مليارات الجنيهات، لافتًا إلى أنه يجب على هذه المؤسسات سرعة الاتجاه للإصلاح، لأنه لا يمكن لدولة دعم هذه المؤسسات على طول الدهر.

صدر عن المتحدث الرسمي بيان لاحق يخفف من حدة تصريحاته التليفزيونية التي أثارت اللغط داخل المؤسسات القومية، فيما نفى رئيس الهيئة الوطنية للصحافة ما تردد عن تصفية المؤسسات الصحفية، لكنه أشار في تصريحات إلى أن الحكومة خفضت دعمها المالي للصحف القومية بنسبة الثلث عن العام الماضي.

بحسب مصادر مطلعة فإن مديونيات الصحف القومية للحكومة اقتربت من 20 مليار جنيه، هذا إلى جانب الدعم السنوي للمؤسسات، والذي وصل إلى نحو مليار جنيه في العام الماضي فقط.

وأشارت المصادر إلى أن هناك خطة لوقف نزيف خسائر المؤسسات وتصفية مديونياتها، تقضي المرحلة الأولى من تلك الخطة بدمج مؤسسة «دار المعارف» في «الأهرام» أو «أخبار اليوم»، والتصرف في أصولها، للمساهمة في سداد ديون المؤسسات الصحفية التي أنهكت موازنة الدولة بالدعم الذي تحصل عليه، دون أن تستطيع تسويق النظام وسياساته عند الجمهور، بحسب تعبير المصادر.

وكشفت المصادر عن زيارة وفد حكومي إلى مؤسسة «دار المعارف» قبل أيام، للوقوف على أعداد الصحفيين والموظفين والعمال العاملين بالمؤسسة، «تفقد الوفد مقر المؤسسة الرئيسي على كورنيش النيل بمنطقة مثلث ماسبيرو، والمباني الملحقة به المخصصة للمطابع وجراج السيارات، والتقى بمسئولي الدار».

وقالت المصادر، إن الدار، التي تضم 140 صحفيًا و750 عاملًا وإداريًا، «تمتلك نحو 2000 متر بمنطقة ماسبيرو على كورنيش النيل، تم تقدير سعر المتر في تلك المنطقة قبل 12 عامًا بـ 200 ألف جنيه، فضلًا عن امتلاكها قطعة أرض أخرى بمنطقة الزاوية الحمراء وثالثة في مدينة 6 أكتوبر»، مشيرة إلى أن حصيلة بيع تلك الأصول قد تتعدى 5 مليارات جنيه، وأضافت أن «المخطط التفصيلي لتطوير منطقة مثلث ماسبيرو خلى من مبنى دار المعارف على كورنيش النيل».

أما «دار الهلال» التي تأسست عام 1892، على يد الصحفي اللبناني جورجي زيدان، ويصدر عنها مجلات: «الهلال والمصور والكواكب»، وتمتلك مبنى كبيرًا بوسط القاهرة، فستشملها المرحلة الثانية من الخطة، حيث «تدرس الحكومة استغلال مبنى الدار في شارع المبتديان».

وبالتوازي وحسب نفس المصادر، تشمل الخطة تحويل بعض الإصدارات الصحفية القومية إلى نسخ إلكترونية، بهدف توفير مصروفات الورق والطباعة، وستتوقف التعيينات في المؤسسات، وجاري تقديم تصور لاستغلال الأصول غير المستغلة التي تمتلكها بعض الصحف.

وكانت الدكتورة هالة السعيد، وزيرة التخطيط، قد أصدرت في منتصف عام 2017 قرارًا بتشكيل لجنة لوضع واقتراح حلول لمشكلات المؤسسات الصحفية القومية، وتتولى اللجنة وضع تصور عام لتسوية مديونيات المؤسسات لدى الجهات الحكومية، واقتراح أفضل السبل لاستثمار الأصول غير المستغلة والمملوكة لهذه المؤسسات، ووضع خطط ترشيد الإنفاق العام لدى هذه المؤسسات.

الحديث عن تصفية ودمج مؤسسات صحفية مملوكة للدولة ليس بجديد، ففي عام 2009 صدر قرار من مجلس الشورى، الجهة المالكة للمؤسسات الصحفية القومية حينها، بدمج إصدارات داري «التعاون» و«الشعب» في مؤسسات «الأهرام» و«الأخبار» و«الجمهورية»، ودمج أصولهما في الشركة القومية للتوزيع، ومع ذلك تضاعفت خسائر المؤسسات وتراكمت ديونها.

الأزمة التي لا تدركها السلطة ليست في تعدد المؤسسات الصحفية التي تراكمت عليها الخسائر والديون؛ فالأصل في العمل الصحفي هو التعدد والتنوع، الأزمة الحقيقية المسكوت عنها في المحتوى الذي تقدمه الصحف سواء في نسخها المطبوعة أو الإلكترونية.

فالحكومة والهيئة الوطنية للصحافة، كلتاهما تعرف أن أعداد توزيع الصحف المصرية هبطت إلى رقم غير مسبوق، حيث وصل إلى 250 ألف نسخة يومية توزعها كل الصحف المطبوعة  عام 2019، بعد أن كانت الصحف توزع نحو 3.5 مليون نسخة عام 2000، وتراجع العدد حتى وصل إلى مليون نسخة قبل ثورة يناير 2011، ثم عاود الارتفاع ليقترب من 2 مليون حتى عام 2012، ليهبط بالتدريج منذ عام 2014 ويصل عام 2016 إلى 400 ألف نسخة.

لم تناقش الحكومة والهيئات المعنية بصناعة الصحافة السبب الرئيسي لتدهور أعداد توزيع الصحف وهجر الجمهور لها خلال السنوات الثلاث الماضية، فالمحتوى الذي تقدمه الإصدارات الورقية والإلكترونية للصحف القومية، ومعها الخاصة، بات أقرب إلى النشرات الحكومية، وهو ما دفع الجمهور لاتخاذ قرار بعقابها والبحث عن منصات أخرى تشبع شغفه بمعرفة خبر جديد أو تحليل مختلف، حتى لو كانت منصات يعلم المتلقي أنها غير موثوقة.

رغم عدم تغيير الصحف القومية لخطها الداعم للسلطة منذ صدور قرار تأميم الصحافة مطلع ستينيات القرن الماضي، إلا أن تلك الصحف ظلت محتفظة بجمهورها الواسع على مدار عقود، فالقارئ كان يقبل على شراء جريدة الأهرام لقراءة مقالات: صلاح الدين حافظ وسلامة أحمد سلامة وفهمي هويدي وعبد الوهاب مطاوع بـ «الأهرام»، وينتظر «الأخبار» لمطالعة «نصف كلمة» ورسومات مصطفى حسين، وفي «دار التحرير» بإصدارتها كان يكتب محمد العزبي ومحمد فودة ومحسن محمد، ومع دخول الصحافة عصر الإنترنت جذبت النسخ الإلكترونية لنفس الإصدارات فئات أخرى من الجمهور، لأنها كانت تتمتع بهامش حرية تم تأميمه خلال السنوات الثلاث الماضية.

اتسع هذا الهامش بعد دخول الصحف الخاصة حلبة المنافسة مطلع الألفية الجديدة، وكسرت مع الصحف الحزبية معظم التابوهات التي فرضها الواقع السياسي خلال العقود الست التي سبقت ثورة يناير، حتى أن جريدة «المصري اليوم» نشرت حوارًا للأستاذ محمد حسنين هيكل عام 2010 اقترح فيه تأسيس ما سماه «مجلس أمناء الدولة والدستور» لإدارة البلاد في مرحلة انتقالية بعد مبارك، وقبلها تبنت صحف «العربي الناصري» و«الدستور» و«الكرامة» موقفًا حادًا من سيناريو «توريث الحكم» إلى جمال مبارك، وفي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي اشتبكت صحف «الشعب» و«الوفد» و«الأهالي» و«الأسبوع» مع قضايا التطبيع والمبيدات المسرطنة وكل ما شغل الرأي العام، فكان توزيعها يصل إلى مئات الآلاف.

الآن، تم تجريد الصحف من مصداقيتها عند الجمهور بفعل فاعل، بعد أن فُرض عليها عدم الاشتباك مع أي قضية تقترب فقط من هموم الناس، ناهيك عن الاشتباك مع نظام الحكم وأركانه وسياساته، فتحولت إلى نشرات حكومية تفيض بالبيانات والرؤى الرسمية، دون النظر إلى ما يهم المواطن، بداية من رفع أسعار الوقود، مرورًا بأزمة جزيرة الوراق، وصولًا إلى التعديلات الدستورية التي يناقشها البرلمان سرًا، حتى أزمات الرياضة وكرة القدم، والتي صار السعودي تركي آل الشيخ طرفًا في معظمها، صارت ممنوعة من النشر أو التحليل.

الأزمة التي تواجه الصحف القومية والخاصة والإعلام بكل منصاته، هي أزمة صناعة محتوى قادر على إقناع وجذب الجمهور مرة أخرى، ومع عودة الجمهور تعود المساحات الإعلانات فتنتعش ميزانيات الصحف ذاتيًا، أما التخطيط لدمج وإلغاء مؤسسات وبيع أصول فلن يحل المشكلة، فمقابل بيع الأصول سينفد لو بقيت الصحف على حالها نشرات تنقل إلى جمهورها المحدود صوت واحد ورأي واحد وموقف واحد، ومن يخرج عن هذا الواحد، يحجب أو يمنع من الطبع.

إنكار أسباب الأزمة لن ينطلي على أحد، فلا صحافة ولا إعلام بدون حرية أو بهامش حرية يسمح بالاشتباك مع القضايا التي تهم الجمهور، ولو أصرت السلطة على نهجها الحالي في حصار وسائل الإعلام وتقييد العمل الصحفي، مرة بتعليمات من جهات مجهولة وأخرى بتشريعات ولوائح تقنن الحصار والتدخل، فهذا يعني أن السلطة تمهد الطريق أمام إصدار «شهادة وفاة صاحبة الجلالة» لكي ترث تركتها وتبيعها.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ