في تفسير تعديل «مدد الرئاسة»: 12 عامًا بدون انتخابات.. وفترات لا نهائية بفواصل
 
 

على عكس ما يبدو للوهلة الأولى من وضوح التعديلات المراد إدخالها على المواد المتعلقة بمنصب رئيس الجمهورية في الدستور، لتمكين الرئيس عبد الفتاح السيسي من البقاء في السلطة حتى 2034، يقول مختصون في الشأن الدستوري إن النصوص الدستورية الجديدة المقترحة في هذا الشأن تحمل صياغاتها الملتبسة أبعد من ذلك.

تضّمن مقترح التعديلات الدستورية المطروح على مجلس النواب في الوقت الحالي، ثلاث مواد متعلقة بمنصب الرئيس؛ الأولى تزيد مدة بقاء رئيس الجمهورية في منصبه إلى ست سنوات بدلًا من أربع. والثانية، وهي مادة انتقالية، تعطي للرئيس السيسي وحده حق الترشح مدتين إضافيتين، كل منهما ست سنوات، بعد انتهاء مدته الرئاسية الثانية والأخيرة بحسب الدستور الحالي. أما المادة الثالثة فتعيد منصب نائب رئيس الجمهورية، على غرار الدساتير الثلاثة (1958، 1964، 1971) التالية لإعلان الجمهورية في 1953.

اعتبر مختصون في صياغة الدساتير أن هدف المواد الثلاث ضمان بقاء الرئيس السيسي في السلطة طالما بقى على قيد الحياة، بمساعدة نائب يحل محله بعد 2034 لمدة 6 سنوات، يعود بعدها السيسي من جديد رئيسًا. وأن صياغة هذه المواد جاءت ملتبسة عن عمد بهدف المناورة وجس النبض، حيث يمكن تعديلها خلال النقاشات حال ووجهت بمعارضة قوية.

وينص مقترح التعديلات المقدم من ائتلاف «دعم مصر»، صاحب الأغلبية البرلمانية، على تعديل المادة 140 من الدستور الحالي، المتعلقة بمدة الرئاسة، لتصبح: «ينتخب رئيس الجمهورية لمدة ست سنوات، تبدأ من اليوم التالي لانتهاء مدة سلفه، ولا يجوز أن يتولى الرئاسة لأكثر من مدتين رئاسيتين متتاليتين» [التشديد من عندنا].

أحد نواب رئيس مجلس الدولة، وصف الصياغة المقترحة بـ«الخبث الشديد أو الجهل العظيم»، وقال لـ«مدى مصر»، مفضلًا عدم ذكر اسمه، إن التعديل تضمن إلغاء مسألة إعادة الانتخاب، باستخدام عبارة «لا يجوز أن يتولى الرئاسة لأكثر من مدتين متتاليتين»، بدلًا من «لا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة»، وهو ما يعني أمرين: الأول أن انتخاب رئيس الجمهورية لن يتم إلا كل 12 عامًا، فضلًا عن إمكانية ترشح رئيس الجمهورية للرئاسة مرات لا نهائية، بشرط أن يفصل رئيس آخر كل 12 عامًا بمدة رئاسية.

وأشار نائب رئيس مجلس الدولة إلى أن مُعد التعديلات كان عليه أن يكتفي باستبدال الست سنوات بالأربع سنوات، ويبقي على الصياغة الحالية للمادة 140 من الدستور، إذا أراد إطالة مدة الرئاسة فقط وعدم المساس بمرات الانتخاب، مشددًا على أن صياغة التعديل خطيرة جدًا، خاصة وأنها تتعارض صراحة مع المادة 226، التي تحظر تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، لأنها تلغي إعادة انتخاب رئيس الجمهورية بعد انتهاء فترته الرئاسية الأولى، أي أن رئيس الجمهورية ينتخب لكي يستمر في الحكم 12 عامًا إلا لو وافته المنية، أو اكتفى بست سنوات فقط في المنصب، فضلًا عن أنها تحذف الحظر الوارد حاليًا في المادة 140 على تولي رئيس الجمهورية المنصب أكثر من مدتين.

وتنص المادة 140 من الدستور الحالي على أن «ينتخب رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات ميلادية، تبدأ من اليوم التالي لانتهاء مدة سلفه، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة».

النائب محمد أبو حامد، عضو ائتلاف «دعم مصر»، وأحد الموقعين على مقترح التعديلات الدستورية، لم ينف مخالفة التعديل الخاص بمدد الرئاسة للمادة 226 من الدستور، وإنما على العكس أكد لـ«مدى مصر» أن عبارة «لا يجوز أن يتولى الرئاسة لأكثر من مدتين متتاليتين» تفتح المجال لترشح الرئيس بعد انتهاء المدتين الرئاسيتين المتتاليتين، بشرط أن يفصل رئيس آخر بمدة رئاسية، غير أنه لفت إلى أن العبرة بموافقة اللجنة التشريعية على تمرير صياغة ائتلاف الأغلبية من عدمه، مشددًا على أنه «في حال تمرير الصياغة الحالية للتعديلات بالتأكيد ستسمح للرئيس بعد انتهاء المدتين المتتاليتين بإعادة الترشح بعد ما يقضي رئيس مختلف مدة رئاسية فاصلة».

وفيما اتفق أبو حامد مع تفسير نائب رئيس مجلس الدولة في استهداف تعديل «دعم مصر» للدستور فتح مدد الرئاسة وتمكين الرئيس السيسي، ومن سيأتي بعده، من الترشح للرئاسة مرات لا نهائية بشرط أن يفصل رئيس آخر كل 12 عامًا، اعترض أبو حامد على تفسير نائب رئيس مجلس الدولة الخاص بإجراء الانتخابات الرئاسية مرة كل 12 عامًا في حال تمرير التعديلات، موضحًا أن التعديلات تضمنت تعديل المادة 140 لتستهدف بالأساس زيادة المدة في الفترة الرئاسية الواحدة إلى ست سنوات بدلًا من أربعة، مع تمييز الرئيس السيسي بمادة انتقالية تخاطبه وحده وتسمح له بالاستفادة من التعديلات والترشح لمدتين رئاسيتين مدتهما 12 سنة، ولكن في جميع الأحوال، التعديلات لن تلغي إجراء الانتخابات كل ست سنوات، ولن تلغي أيضًا إرادة الناخبين في انتخاب نفس الرئيس لمدة ثانية أو ثالثة أو أكثر أو عدم انتخابه، بحسب أبو حامد.

أما أستاذ التاريخ بجامعة حلوان، شريف يونس، فذهب في قراءته للتعديلات الدستورية، إلى نفس التفسير الذي تبناه كلٌ من نائب رئيس مجلس الدولة، وعضو ائتلاف «دعم مصر»، من حيث فتح التعديل لمدد الرئاسة.

وحدد يونس الهدف من التعديل المقترح للمادة 140 من الدستور في أمرين: الأول زيادة مدة الرئاسة إلى ست سنوات، والثاني أن يقتصر منع أي رئيس من الترشح على «أكثر من مدتين متتاليتين»، موضحًا أن الفارق بين النص الحالي والنص المقترح هو أن الأخير يسمح بإعادة انتخاب الرئيس نفسه بعد مدتين، بشرط تولي رئيس آخر المسؤولية لمدة على الأقل بعد المدتين، واتفق أستاذ التاريخ كذلك مع مخالفة النص المقترح للمادة 226 من الدستور.

نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا، طلب عدم ذكر اسمه، قال لـ«مدى مصر» إن الصياغة المقترحة لتعديل المادة 140 في التعديلات الدستورية تنطوي على مخالفات كثيرة لمواد الدستور الحالي التي لم تشملها التعديلات، وعلى رأسها المادة 226.

وفي مقابل هذا الرأي، أكد رئيس مجلس النواب، علي عبد العال، عقب تسلمه مقترح التعديلات أن «التعديل الذي فرضته الظروف التاريخية والمرحلة التي نعيشها لا يمس جوهر المادة 226 على الإطلاق، أنا شاركت في كتابة هذه المادة وأعرف ما لها وما عليها».

وتوقع نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا أن يتم تعديل صياغة مقترح المادة 140 بعد المناقشات التي ستتم داخل اللجنة التشريعية بالبرلمان خلال الأيام المقبلة، مبررًا توقعه بأنه إذا كان الهدف المعلن من التعديلات المقترحة هو الإبقاء على الرئيس السيسي في الحكم أطول فترة ممكنة، فيكفيه المدة الانتقالية التي تسمح له بالبقاء في السلطة حتى عام 2034.

وتضم التعديلات المقترحة إضافة مادة انتقالية تنص على أن «يجوز لرئيس الجمهورية الحالي عقب انتهاء مدته الحالية، إعادة ترشحه على النحو الوارد بالمادة 140 المعدلة من الدستور».

وأضاف نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا أن السيسي بعد انتهاء المدتين المتتاليتين اللتين تمنحهما له التعديلات، عقب انتهاء المدة الثانية الحالية، سيبلغ الثمانين عامًا، ومن ثم في حال تمرير التعديل المقترح سيكون عليه الانتظار حتى عام 2040 لكي يستطيع الترشح مرة خامسة لرئاسة الجمهورية، ووقتها سيكون عمره 86 عامًا، ومن ثم ففرص استفادته، بحسب نائب رئيس المحكمة الدستورية، من التعديل واستمراره في الحكم 12 عامًا أخرى ضئيلة جدًا، ولكن في المقابل قد يستفيد منها الرئيس الذي يليه بالاستمرار في الحكم لمدد طويلة.

فيما وصف أبو حامد التعديل المرتبط بمدد الرئاسة بالنموذج العملي لتجربة ماليزيا مع مهاتير محمد، موضحًا لـ«مدى مصر» أنه عندما فرضت الظروف السياسية في ماليزيا عودة مهاتير محمد وهو في الثانية والتسعين من عمره لقيادة البلاد لم يلتفت أحد لعمره، مضيفًا أن عدم حظر الترشح للرئاسة بعد انتهاء المدتين الرئاسيتين المتتاليتين متاح للرئيس السيسي ولغيره، بشرط أن يفصل رئيس آخر بمدة أخرى على الأقل.

وبينما شبه أبو حامد التعديل بالنموذج الماليزي، رأي شريف يونس أن التعديل أكثر شبهًا بالنموذج الروسي في التناوب على الجلوس على مقعد الرئاسة بين فلاديمير بوتين ورئيس وزرائه ديمتري ميدفيديف.

ويشبه البغض عملية تبادل الجلوس على مقعد الرئاسة الروسية بين بوتين ورئيس وميدفيديف بـ«قطار رايح جاي»، حيث يتبادلا المنصب منذ 2008 بواقع مدتين لبوتين، ثماني سنوات، تعقبهما مدة واحدة لميدفيديف، أربع سنوات.

وتضمنت التعديلات الدستورية تعديل المادة 160 التي تحدد من يحل محل رئيس الجمهورية بشكل مؤقت، ومن يحل محله في حال خلو المنصب بوفاته أو استقالته أو إصابته بعجز دائم عن العمل أو غيرها. في الحالة الأولى نصت التعديلات على أنه «إذا قام مانع مؤقت يحول دون مباشرة رئيس الجمهورية لسلطاته، حل محله نائب رئيس الجمهورية، أو رئيس الوزراء عند عدم وجود نائب لرئيس الجمهورية أو تعذر حلوله محله». وهو ما وصفه يونس وأبو حامد ونائب رئيس مجلس الدولة، بـ«الضمانة الإضافية»، معتبرين أن منح التعديلات للرئيس الحق في تعيين نائب له، هو  ضمانة متروكة لتقديره لضمان سلاسة أكبر في نقل السلطة، على أساس أن تعيين نائب يعني أن الرئيس يزكيه أمام الجمهور الواسع المؤيد له في الانتخابات الرئاسية التي لن يكون مرشحًا فيها.

نائب رئيس مجلس الدولة اعتبر كذلك أن تأكيد التعديلات على منع ترشح من يحل محل رئيس الجمهورية في حال خلو مقعد الرئاسة، هو إمعان في تضييق نطاق ترشح شخصية أخرى للرئاسة بخلاف من اختاره الرئيس كنائب له من البداية.

وتحدد الفقرة الثانية من المادة 160 من الدستور من يحل محل الرئيس في حال خلو المقعد بالوفاة أو الاستقالة أو غيرها، في رئيس مجلس النواب، أو رئيس المحكمة الدستورية العليا، إن كان البرلمان غير قائم.

ونصت التعديلات على أنه «لا يجوز لمَن حلّ محل رئيس الجمهورية، أو رئيس الجمهورية المؤقت أن يطلب تعديل الدستور، ولا أن يحلّ مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، ولا أن يقيل الحكومة، كما لا يجوز لرئيس الجمهورية المؤقت أن يترشح لهذا المنصب».

اعلان
 
 
رندا مصطفى