ما هي أول صورة تقفز لذهنك عند رؤيتك الكلمة التالية: «ثورة 1919»؟
 
 

في التاسع من مارس هذا العام يكون قد مر مائة عام بالتمام على اليوم الأول في ثورة 1919 المصرية، الحدث السياسي المعقّد جدًا، كُتبت فيه الكثير والكثير من الآراء ووجهات النظر، ورغم ذلك تظل المراجع التي تحكي بالتحديد ماذا حدث بالضبط ككتاب «الأيام الحمراء» [وهي مذكرات الشيخ عبدالوهاب النجار] أو «مذكرات عبدالرحمن فهمي» أو كتاب «ثورة 1919» لعبدالرحمن الرافعي أو «حوليات مصر السياسية» لأحمد شفيق باشا، أو دوريات الجرائد والمجلات التي كانت تصدر في تلك الفترة والموجود نسخ منها بقسم الدوريات بدار الكتب -ذلك المبنى الملحق بدار الوثائق القومية بكورنيش بولاق بالقاهرة- أو حتى ما يتوافر من وثائق وصور ومحاضر بأرشيف وزارة الخارجية البريطانية بلندن وهو أرشيف مفتوح للجميع للاطلاع والتصوير؛ غير مطروقة بشكل كبير عند محاولة مقاربة الثورة في أعمال فنية وأدبية، خاصة وأنها تحتاج لمجهود كبير في البحث والتدقيق لاستخلاص المعلومات المطلوبة.

في هذا المقال أحاول تأمُّل العملية التي جرى من خلالها تشكيل تصوراتنا البصرية، كمصريين، يفصلهم عن الحدث مائة عام كاملة، ومقارنة تلك التصورات البصرية ببعض المعلومات والوقائع التي توصلت إليها، من خلال قراءة عدد من المصادر السابق ذكرها، وبعض الوثائق التي تخص ذلك الحدث ومقدماته ووقائعه.

أحاول مساءلة المقاربة التي تتعامل مع ثورة 1919 بسردية واحدة تختزل الحدث كله فيما جرى في الثامن والتاسع والعاشر من مارس 1919 وبعض مما جرى في محاولات الوفد المصري تدويل القضية وحتى دستور 1923، وما تبع ذلك الاختزال من توقف الصور الذهنية والتصورات البصرية لهذا الحدث عند حدود الترجمة البصرية لتلك السردية، وهو بالفعل ما صورته على الأغلب 90% من الأعمال التلفزيونية والسينمائية التي تضمنت أحداثها ثورة 1919، ما أدخلنا في دائرة مفرغة حيث هذه الأعمال أكدت بدورها على هذه السردية، وشكلت بالضرورة لاحقًا، الذاكرة البصرية لهذا الحدث.

نتيجة هذا، اقتصرت تمثّلات ثورة 1919 ،الثورة التي استمرت أحداثها العنيفة لأكثر من شهرين وتبعاتها لأكثر من خمسة أعوام على مجرد مجموعة مشاهد للأيام الأولى للثورة في القاهرة فقط والتي نقلتها السينما، وهي التي تقفز لذهنك فور رؤيتك للكلمة التالية: ثورة 1919.

في السطور التالية أنقل مقتطفات من شهادة الشيخ عبدالوهاب النجار عن الأيام الأولى للثورة في محيط معاشه بمنطقة مصر القديمة وضواحيها، تلك الشهادة التي نُشرت فيما بعد تحت عنوان «الأيام الحمراء»، وصدرت عن دار الكتب والوثائق القومية في العام 2010 بإشراف ودراسة الأستاذ الدكتور أحمد زكريا الشلق. أنقل تلك الشهادة نصًا، لأنها على الأرجح المرجع الأول لمعظم الأعمال الفنية التي تناولت الحدث.

مشهد موت فهمي عبد الجواد من فيلم بين القصرين لحسن الإمام

«8 مارس 1919 – «وقد كان بمحطة القاهرة قبل تحرك القطار بالزعماء الأربعة صاحب السعادة محمد صدقي باشا المستشار بمحكمة الاستئناف العليا الأهلية ومعه رجل لا أذكر اسمه الآن، فلما رآهما سعد زغلول باشا خاطبهما بالفرنسية قائلاً: (Courage) يعني تشجعوا وكررها ثلاثة.»

– «9 مارس 1919 – « في ذلك الوقت علم طلبة مدرسة الحقوق بما فعل الإنجليز من إبعاد سعد باشا وزملائه مالطا فهاج هائجه وانتخبوا من بينهم طالبًا مسلمًا وآخر مسيحيًا فأنهيا إلى ناظر المدرسة – مستر والتون والذي شغل منصب ناظر مدرسة الحقوق من سبتمبر 1915 وحتى يناير 1923 –  على لسان جميعهم أنهم يريدون إبطال الدروس لعمل مظاهرة سلمية يعربون بها عن ذات نفوسهم بإزاء الحالة السيئة التي يعامل بها الانجليز بلادهم ومن شأنها القضاء على استقلال البلاد وبقائها رازحة تحت عبء العبودية والاستعباد.

أما الناظر فقال لهم انتظروا حتى يأتي المستر إيمس مستشار الحقانية لأنه لا يقدر هو أن يبدي رأيه لهم. وقد استدعى الناظر في الحال مستشار الحقانية فجأة في سيارة وأخذ ينصح لهم. وكان مما قاله أن هذه الحركة ضارة بكم، فقال الطلبة أننا قوم مسالمون فهل عندك مانع من أن نظهر شعورنا؟ فقال المستر ايمس: لا. فقالوا إذاً مر الفراش ان يفتح لنا باب المدرسة.

ففتحه لهم فخرجوا وذهبوا جميعًا إلى مدرسة المهندسخانة والزراعة فخرج معهم طلبة المدرستين ثم ذهبوا جميعًا إلى مدرسة الطب يريدون إخراج طلبتهما أيضًا، فقام في وجههم الدكتور كيتنج ناظر مدرسة الطب فدفعه بعضهم لإلقائه على الأرض، ولكن مالبث الدكتور كيتنج ان نهض وجعل يذكر تلاميذ مدرسته بخدمته لبلادهم و ناشدهم ألا يخرجوا. فصاح الطلبة من الخارج سقوط مدرسة الطب، فأوقد ذلك الحماسة في قلوب الطلبة الطبيين فخرجوا من المدرسة وتركوها غير مبالين ينصح ناظرهم.

ثم سار الطلبة جميعًا بهدوء وسكينة ونظام يريدون إخراج طلبة مدرسة التجارة العليا لينتظموا في سلكهم – وقبل بلوغها لقيهم عساكر بوليس قسم السيدة زينب فأخذوهم إلى القسم وكان عددهم 450 طالبًا- وفي ذلك الوقت، أي بعد الظهر بقليل كانت قوة بوليس الخفر في المحافظة قد تحركت، مشاة وركبانًا ومعهم ضباطهم ثم الضابط ارشر وكيل الحكمدار، فأرادوا صرف الطلبة إلى بيوتهم فأبوا، فقالوا نقودكم إلى المحافظة، فرضوا وساروا تحرسهم جنود البوليس من قسم  السيدة زينب إلى المحافظة، وفي طريقهم اختلط بهم طلبة مدرسة التجارة المتوسطة، وبعض طلبة الإلهامية الثانوية وغيرهما من المدارس.

وبينما الطلبة سائرون وقدر رأيتهم في ذلك الوقت بنفسي، حتى إذا بلغوا قنطرة الذي كفر داس حصان على رجل طالب فنبه العسكري راكبه إلى أنه لا بد أن يحذر من دوس الطلبة. فلم يكن من هذا الجندي إلى أنه ضرب الطالب. فلما رأى الطلبة ذلك غضبوا لأخيهم وساعدهم العامة وانهالوا على العسكري يضربونه بالحجارة ففر وتبع غيره من العسكر، وبذلك ذهب كثير من الطلبة إلى بيوتهم، أما الباقون حجزوا بالمحافظة حتى نقلوا ليلًا إلى القلعة، وكان عددهم يربو على مائتي طالب، منهم كثير من أبناء ذوات البلد وأعيانها وكبار رجال الحكومة فيها، وهم يزالون في القلعة إلى اليوم .

أما الحكمدار رسل بك والضابط حيدر فلم يكتفيا بالذي وقع، وسحلا جند بلوك الخفر بالعصى وخرجا بهم إلى ميدان باب الخلق وهو غاص بصغار التلاميذ والمارة وعابري السبيل والمتفرجين والسائرين والباحثين من شتى الخلائق فأخذ العساكر المشاة بأفواه جميع الطرق فاحكموا إيصادها وانحاز الفرسان إلى ناحية جعلوها موقفًا لهم. وكان الحكمدار يشير إلى ناحية فينبه حيدر أفندي الجنود بالصفير في صفارة معه ويهجم هو في مقدمتهم ويهجمون خلفه على الناس حتى إذا ما قضى العساكر ما أمروا به عادوا إلى مواقفهم، ثم يؤمرون بالتوجه إلى جهة أخرى ليحملوا على من فيها من الخلق، والناس لا منجي لهم ولا ملجا من هذا الموقف الحرج والموقف الذي لا مهرب منه وقد ظل الأمر على ذلك عدة ساعات شاهدها مخبري على أفندي الحلفاوي وخاله حلمي أفندي وسمعت هذا الوصف من غيرهما ممن لم يكونوا محصورين.

– «10 مارس 1919– «ولما مر المتظاهرون من شارع الدواوين حضرت الجنود الأنجليز لخفارة الدواوين وقد أطلقوا على المتظاهرين طلقات نارية أصابت بعضهم فكان في هذا اليوم أولى القتلى.»

في هذه المشاهد التي سردها الشيخ عبد الوهاب النجار، نجد وصفًا تفصيليًا أمينًا، كشاهد عيان على وقائع الأيام الأولى لثورة 1919 في القاهرة، على وجه التحديد. لكن هذا الوصف الأمين لا يخلو أيضًا من وجهة النظر وعرض الرأي، ففي النهاية هي مذكرات شخصية لمواطن اختار أن يكتب ما يشاهده مصحوبًا برأيه الشخصي فيه، ورأيه ذلك لم يكن سوى تعليق على حدث حكاه بمنتهى الدقة والتفصيلية.

ولعل تلك التفصيلية ألهمت الكثير من الكُتّاب والروائيين والمخرجين السينمائيين في تصويرهم لثورة 1919، فلن تجد فرقًا كبيرًا بين ما سرده النجار وبين ماشاهدناه جميعًا في معظم الأعمال الدرامية والسينمائية التي تضمنت أحداثها الثورة، وعلى رأسها بالطبع فيلم «بين القصرين» (1964) لحسن الإمام، والمأخوذ عن الرواية الأولى (1957) من ثلاثية نجيب محفوظ؛ «بين القصرين-قصر الشوق-السكرية». وهو يعتبر بشكل ما  المرجع الأبرز لتصورات المصريين البصرية عن ثورة 1919.

مشهد من فيلم بين القصرين

أجريتُ استطلاع رأي عشوائي لمجموعة من الأصدقاء، تضمن سؤالًا واحدًا، وهو ماهي أول صورة تقفز لذهنك عند رؤيتك الكلمة التالية: ثورة 1919؟ في الجدول التالي سأضع مجموعة الردود التي حصلتُ عليها كإجابات، وهي بمثابة مفاتيح كلمات للصور التي قفزت لذهن كل مَن توجهت له بالسؤال:

من الجدول السابق يتضح أن الذاكرة البصرية لتلك المجموعة هي ذاكرة تلفزيونية وسينمائية، تأسست على صور وبصريات الأفلام السينمائية وبالأخص فيلم «بين القصرين»، حيث اشترك الجميع في وصف صور تضمنها الفيلم وبالأخص مشاهد تظاهرات القاهرة، والتي في حقيقة الأمر تشترك مع رواية شاهد العيان -عبدالوهاب النجار- كثيرًا في وصفه لما حدث، فالفيلم صوّر رواية شاهد العيان، لكن الأزمة هي أن ثورة 1919 -كاملة- في ذهن الذين تمّ سؤالهم هي تلك الصور وفقط، صور ناقصة للحدث.

انتهى فيلم «بين القصرين» -المحاولة الأهم في تسجيل ثورة 1919 بالصورة وتقديم إعادة تمثيل لها- بموت فهمي ابن السيد أحمد عبدالجواد برصاص الاحتلال الإنجليزي في تظاهرات العاشر من مارس، و بموت فهمي ونهاية الفيلم، يتوقف إعادة تمثيل الثورة بصريًا عند تلك اللحظة، وتقدم أغلب الأعمال الفنية السينمائية والتلفزيونية اللاحقة التي تناولت الثورة هذا التصور لها، حيث تقتصر على مجموعة من المشاهد لمظاهرات القاهرة في يومي 9 و 10 مارس وفقط. بموت فهمي في «بين القصرين»، وبانتهاء الفيلم بعد تلك اللحظة فإن الحدث في ذاته في مخيلة الجميع يبدأ وينتهي في القاهرة.

وعليه فمن الممكن التعامل مع فكرة أن صُنّاع فيلم «بين القصرين» هم طرف أصيل في الأزمة، لكن ذلك التفسير ليس دقيقًا بما يكفي، فالنية الخاصة بصورة ثورة 1919 وكيفية تمثيلها بصريًا كانت قد سبقت تاريخ إنتاج «بين القصرين» بقليل. ومن هذه المحاولات نستطيع من خلالها استنتاج ما قد يكون كان مرغوبًا طوال الوقت في تصوير الثورة من قِبل الحكومة أو صناعة السينما أو الحركة الوطنية المصرية.

الناتج المرجو لصورة ثورة 1919 هي أيام القاهرة الثلاثة الأولى الأبرز، فرغم وجود لحظات مميزة من أخرى، إلا أن الحركة الوطنية المصرية -على الأرجح- رغبت في الحفاظ على صورة الثورة، كتظاهرات عفوية انطلقت اعتراضًا على نفي زعماء الوفد المطالبين بـ «الاستقلال والتحرر»، واتسمت هذه المظاهرات بالطابع السلمي إلا أن العنف كان من طرف بعض الغوغاء الذين أحدثوا الشغب والسرقة والنهب، أو فيما بعد من طرف الاحتلال الذي فتح الرصاص ضد المتظاهرين. كانت هناك رغبة في الحفاظ على صورة معينة للثورة تراعي  أن التكتيكات التي اعتمدتها لا تحتوي بالضرورة على تكتيك مثل الإضراب عن العمل كدخول عمال السكك الحديدية في إضراب يوم الخامس عشر من مارس 1919، أو دخول موظفي شركة الكهرباء في إضراب بعدها بيوم واحد، ولا حتى على تكتيك استخدام العنف ضد عنف الاحتلال كما حدث في الريف وعلى نطاق واسع.

من أوائل الأعمال التي احتوت تمثيلًا بصريًا للثورة هو فيلم «برسوم يبحث عن وظيفة» وهو من تأليف وإخراج محمد بيومي والذي أُنتج في العام 1923 أي بعد أربعة سنوات فقط من قيام الثورة، وهو الفيلم المصري الصامت الأول، وهو من بطولة: بشارة واكيم، عادل حميد، فيكتوريا كوهين، فردوس حسن، عبد الحميد زكي، محمد يوسف، سيد مصطفى، تدور أحداثه  فى إطار كوميدى، بين الترابط بين المسلمين والمسيحيين، فالبطل «برسوم»، مسيحي تربطه علاقة صداقة قوية مع الشيخ متولي. والاثنان عاطلان عن العمل، و يعانيان من الفقر والجوع، ثم يتنافسان للحصول على وظيفة في أحد البنوك، الذي أخطأ مديره عندما دعاهما إلى مأدبة غداء بمنزله؛ ظنًا منه أنهما رجلا أعمال، إلا أنه يكتشف الحقيقة ويطردهما، لتتوالى الأحداث بينهما، في ظل استمرارهما في البحث عن وظيفة.

لن أتناول سير أحداث الفيلم ولا رغبات محمد بيومي في عرض أفكاره سواء بسير الأحداث الدرامية أو بطبيعة ودينامية العلاقات بين شخصيات الفيلم، لكن ونحن بصدد الحديث عن التصورات البصرية للثورة ونوايا تقديم صور معينة تقدمها، فسأركز على ثلاثة صور أساسية فيه نستطيع من خلالها أن نفهم ما كان مرغوبًا في تقديمه حينئذ لماهية الثورة وأسبابها وممثليها.

جدير بالذكر أن في هذا الفيلم هناك بعدًا اجتماعيًا، حيث يصور الفيلم الأزمات الاجتماعية لتلك اللحظة كالفقر والجوع والبطالة ومحاولة الفقراء في التطلع لحياة أفضل، وسرقة الفقير للفقير، وسوء الأحوال المعيشية، تلك الأزمات الاجتماعية التي تزامنت مع عهد الثورة، وهو الشيء الذي ظل يختفي شيئًا فشيئًا من كافة السرديات والأعمال الفنية حتى أصبحت الأسباب الرسمية لقيام الثورة هي أسباب سياسية وتحررية، وليست اجتماعية وذلك استكمالًا للصورة المرجوة للثورة السابق ذكرها.

الصورة الأولى:

في الدقائق الأولى من الفيلم تظهر مجموعات لوحات توضيحية كالتي تظهر في الأفلام الصامتة للتعليق على الأحداث الدرامية للفيلم، اللوحة الأولى مكتوب عليها الآتي:

يتبعها مشهد الشيخ متولي أحد بطلي الفيلم يطالع جريدة «البلاغ»، ثم مشهد لامرأة تقوم بإلقاء الكثير من الجرائد من شباك منزله. يجري الشيخ متولي على تلك الجرائد ويأخذها جميعها بنهم ثم يتبع ذلك المشهد لوحة «الجوع كافر».

الصورة الثانية:

في الظهور الأول لبطل الفيلم الآخر «برسوم» المواطن المسيحي، يستيقظ من نومه وواضح أن برسوم يعاني من فقر مدقع، وينام وسط القش والزبالة، لكنه تمسك بأن يعلق على حائط مسكنه لوحة كُتب عليها «فليحيا الارتباط» وصورة المسيح و يعلوهما الهلال والثلاثة نجوم.

الصورة الثالثة:

منزل الشيخ متولي وقد وُضُع على حائطه صورة لـ سعد زغلول، وتحته مباشرة علم المملكة المصرية ذي الهلال والثلاث نجوم.

هذه الصور الثلاثة، ومن خلال هذه التكوينات ماذا كان محمد بيومي يحاول أن يثبته؟ هل كان يتعامل بجدية مع الأمر ويحاول أن يجد مساحة جادة بداخل القالب الكوميدي لسير الأحداث أم أن وجود تلك الصور الثلاثة هي محاولة استنكارية منه لما آل إليه الوضع، فكما يظهر -ورغم فقر بطلي الفيلم المدقع- إلا أنهما حرصا على الالتزام بوطنيتهم حتى في أحلك الظروف وباختلاف خلفياتهم، وكأن الفقر لابد وأن يأخذ مسافة من التزامك الوطني، والذي من الضروري أن تعبّر عنه بالحرص على الاحتفاظ بلافتة كُتب عليها: «فليحيا الارتباط» أو بصورة سعد زغلول في منزلك.

رغبات بيومي غير واضحة تمامًا؛ إلا أن الواضح تمامًا أنه اختار أن يتضمن فيلمه بعض اللقطات التي تعبر عن سياق اللحظة السياسي والاجتماعي، والأهم أن محاولة تصدير لحظة مصر السياسية تلك تمّ عبر صورتين: سعد زغلول و ارتباط عنصري الأمة؛ المسيحي والمسلم.

بناءً على ذلك، يبدو أنه ومنذ البداية، كانت هناك نيّة خالصة في اختزال تصوير ثورة 1919 في النقطتين السابق ذكرهما، بالإضافة بالطبع لدور المرأة في الثورة، الذي اختزل بدوره في تظاهرة السادس عشر من مارس 1919 حيث خروج سيدات الطبقة الراقية للتظاهر، وليس بالطبع السيدات الفلاحات المغتصبات في قرى الجيزة من قِبل الاحتلال الانجليزي عقابًا لمقاومة قراهم الصلبة للاحتلال.

ما لفت نظري أيضًا في الفيلم هو تأكيده على أن ثورة 1919 ظهر فيها المعدن المصري بتحالف عنصري الأمة لإثبات أن مصر واحدة لا تتفتت، وكان هذا أبلغ رد للاحتلال الإنجليزي الذي حاول الإيقاع بينهما لخلق فتنة طائفية.

صحيح أنه من الممكن أن يكون ذلك صحيحًا، لكن السؤال هنا إذا كان عنصري الأمة في تلك اللحظة على وفاق دائم، وإذا كانت كل الحساسيات بين المسلمين والمسيحيين من فعل الاستعمار، فلماذا التأكيد الدائم منذ 1923 وابتداءًا من فيلم بيومي وحتى «بين القصرين» عام 1964 وفي كل ماله علاقة بصورة ثورة 1919 و سردياتها وخطاب الدولة الرسمي عنها على أن المسلمين والمسيحيين أمة واحدة لا يستطيع أحد التفريق بينهما؟ لماذا الحرص الدائم على تأكيد معنى من المفترض أنه متحقق في الواقع؟

صورة الثورة اليومية في الوثائق

في 2016 قدمت المخرجة المصرية ليلى سليمان عرضها المسرحي «زج زج» الذي يتخذ من تحقيقات واقعة «نزلة الشوبك» نقطة بداية، و هي حادثة اغتصاب فلاحات مصريات على يد جنود إنجليز في قرية مصرية بالجيزة.

كان لذلك المشروع جانبًا بحثيًا بُني العرض على أساسه، وكان أحد مخرجات ذلك البحث هو أحد أقسام الموقع الإلكتروني للعرض، وفيه ستجد خطًا زمنيًا تسلسليًا لأحداث الثورة، ما يعتبر إنجازًا هامًا، من وجهة نظري، في التعامل مع حدث كـ ثورة 1919، يعاني من قلة، وفي أحيان كثيرة، انعدام أية معلومات أو وثائق. لم تجد ليلى أية مصادر مصرية توثق هذا الحادث، لكن عُثر على وثائق في أرشيف وزارة الخارجية البريطانية، تتكلم عن هذا الحادث وأحداث أخرى أثناء ثورة 1919.

انطلاقًا من فكرة الخط الزمني لتسلسل أحداث الثورة وأيامها، يظل التساؤل الخاص بلماذا كان التصوير الدائم للثورة في أيامها الأولى فقط، وفي القاهرة أيضًا فقط، مطروحًا بقوة.

فعند تتبع خط سير الثورة ستجد أن خضم الأحداث والحوادث الجلل لها لم تحدث في القاهرة من الأساس، ولا حتى في الإسكندرية [التي شهدت بدورها بعض التظاهرات المعادية للأجانب في تلك اللحظة لكن سرعان ماتم التكتيم على هذا الأمر] بل حدثث في ريف مصر ،سواء الدلتا أو الصعيد الذي شهد قصف الطيران البريطاني لقرية «دير مواس» بأسيوط بعد أن عجز الاحتلال البريطاني عن مواجهة المقاومة العنيفة والباسلة لأهالي أسيوط ضد الاحتلال.

في الحقيقة فـ التعامل مع ثورة 1919، كثورة فلاحين هو، من وجهة نظري، التصور الأقرب للوقائع، فالمقدمات والأسباب الأولية والتي سبقت اندلاع الثورة بأعوام، كانت بدأت في ريف مصر، الذي دفع النصيب الأكبر من أتعاب الاستعمار، وهذه الأسباب توازت في الحقيقة مع رغبة باشاوات الحركة الوطنية المصرية في طلب الاستقلال ونقل سلطة الحكم في مصر لقادة الحركة الوطنية وحصول مصر على الاستقلال ويصبح من يحكمها ابنائها [من الباشاوات بالطبع].

قصدت بثورة فلاحين هنا أن القطاع الذي تصدى بعنف وبصمود على مدار أشهر ولاقي كل أنواع القمع والانتهاك، بل والحرق والاغتصاب والقتل والدفن أحياء كانوا سكان قرى الدلتا والصعيد، بل كان القطاع الأكثر إبداعًا في أساليب مواجهة قوة الاحتلال الإنجليزي العسكرية، بداية بقطع خطوط السكة الحديدية حتى يتمّ إيقاف الإمدادات التي تصل للجيش الإنجليزي، وصولًا إلى خطف القطارات التي كانت تقل جنودًا إنجليز وقتل كل من فيها وإرسالها القتلى من الجنود في تلك القطارات إلى القاهرة كرسالة إرهاب للقيادة العسكرية الإنجليزية.

بل إن محاولات مواجهة الاحتلال بإيجاد سلطات قاعدية بديلة في القرى والمراكز كانت قد بدأت تنتقل من قرية لأخرى ومن مركز لآخر، فالأمر لم يتوقف عند جمهورية زفتى التي أعلنت استقلالها واختارت من يمثلها، بل وبدأوا في تأسيس هياكل تنظيمية تدير شئون القرية آنذاك.

هي .. هي .. هي .. ست الكل هي

يظل التعامل على مستوى الإنتاج الفني مع الوقائع التي تخص الثورة في الريف أمرًا يكاد يكون منعدمًا، فمع البحث ومحاولة الوصول لأعمال فنية تضمنت ثورة 1919 من هذا الجانب، لن نجد سوى المسلسل التلفزيوني «جمهورية زفتى» وهو مسلسل مصري من إنتاج 1998، ومن  تأليف يسري الجندي وإخراج إسماعيل عبد الحافظ، وإنتاج شركة صوت القاهرة للصوتيات والمرئيات، بطولة ممدوح عبدالعليم وكمال أبورية وصابرين ومحمد منير وحسن حسني.

«جمهورية زفتي» من الأعمال النادرة، إن لم يكن الوحيد، الذي يقدم رواية مختلفة عن ثورة 1919 مقارنة بباقي الأعمال التي تناولتها.

يدور المسلسل في إحدى مراكز محافظة الغربية التي كانت تعاني من الاحتلال الإنجليزي ومن سطوة الإقطاعيين، وبالتحديد حشمت باشا، والذي يلعب دوره حسن حسني، الذي يستولي على محاصيلهم بأبخس الأثمان، ويستخدم القوة الباطشة بمعاونة الشرطة ضدهم. هذا الظلم يدفع إلى تمرد أحد فلاحيها وهو «إبراهيم» والذي يلعب دوره ممدوح عبدالعليم، ويصبح بطلًا شعبيًا، وخارجًا عن القانون. يقوم إبراهيم بحملة لاسترداد حقوقهم المنهوبة، ولكن خيانة أحد رجاله تتسبب في مقتله، مما يولد الغضب لدى الأهالي. حينئذٍ يقوم أحد مثقفيها وهو يوسف الجندي والذي يلعب دوره كمال أبورية، بتحريض الناس على الثورة وعدم السكوت. ثم تقوم ثورة 1919 وتنفجر مشاعر الثورة لدى أهالي زفتى الذين يتحالفون مع قائد الشرطة وأعيان ومثقفي المدينة ويقومون بإعلان استقلال زفتي كجمهورية، ويتمّ إعلان يوسف الجندي رئيسًا للجمهورية، وتتوالى أحداث المسلسل.

في المسلسل يحاول يسري الجندي تقديم سردية مختلفة لما هو معتاد تقديمه عن ثورة 1919، ولعله يحاول أيضًا تقديم تصورات لأسباب تلك الثورة العارمة، التي قام بها ثوار زفتى، حتى وصل الأمر لإعلان الجمهورية. تلك المقدمات التي هي الأخرى أقرب للوقائع التاريخية والتي تخص مقدمات ثورة 1919، أو بالأحرى المقدمات التي جعلت تلك الثورة تتخذ ذلك النمط الراديكالي المنظم في الريف المصري.

في هذا الصدد، سأقوم بسرد مجموعة من الوقائع التاريخية، والتي انطلق منها يسري الجندي مؤلف مسلسل «جمهورية زفتى» دراميًا لمحاولة فهم المسافة بين السياقات المختلفة، بين المدينة والريف، في تلك اللحظة، وتباين التعاطي مع حدث سياسي/ثوري كثورة 1919.

الحرب العالمية الأولى.. الريف.. الثورة

لعل من الضروري في هذه اللحظة، التعامل مع ما يخص الثورة في الريف، ليس فقط من خلال الوقائع التي تخص أيام ثورة 1919، بل أيضًا المقدمات التي سبقتها ببضع سنين، بالتحديد مع بداية الحرب العالمية الأولى، حين كانت بريطانيا تستنزف موارد البلد من أجل حربها مع ألمانيا، ودفع الفلاحون أثمان غالية من أجل حرب لم يكن لهم فيها ناقة ولا جمل، فغير أنه كان يتمّ تجنيد شباب الفلاحين بالإجبار للاشتراك في الحرب، كانت تؤخذ منهم محاصيلهم من أجل تموين الحرب، وهي الأحوال التي دونها الرافعي  بالتفصيل في كتابه «ثورة 1919- تاريخ مصر القومي 1914- 1921».

ووفقًا لتقرير كتشنر السنوي للعام 1910 كما أورده رفعت السعيد في كتابه ثورة 1919 – «القوى الاجتماعية ودورها» (الهيئة العامة المصرية للكتاب-  2009) ،أنه «في الأعوام التي سبقت الحرب العالمية الأولى مباشرة ساء الوضع كثيرًا، ففي يناير 1910 بلغت متأخرات الفلاحين لدى البنك الزراعي وحده 416 ألف و887 جنيه، وفقًا لتقرير هربرت كاتشنر السنوي لعام 1910، وفي ما بين 1907 و 1917 يحصد الطاعون البقري عدد هائل من المواشي حيث يقدر بـ 100 رأس في الأسبوع حيث بلغت الخسائر في عشر سنوات نحو 400 ألف رأس قيمتها مليون و 600 ألف جنيه».

والعديد من الأرقام والإحصائيات التي تثبت مدى الأزمة التي عاشها الفلاحون والتي تحولت فيما بعد لثورة مسلحة عنيفة ضد الاحتلال وكبار الأعيان من أعوان الاحتلال، وعليه فالسياق الخاص بوضع الريف في أعقاب الحرب العالمية الأولى وقبل ذلك وصولًا لثورة 1919 نستطيع أن نفهم منه بوضوح مقدمات العنف الذي صاحب تحركات الفلاحين في ثورة 1919 .

في الحقيقة فإن الحوادث تطول والمشاهد تتعدد والأمر يحتاج لبحث وتحليل طويل لصور ووقائع نستطيع من خلالها أن نرى بوضوح مدى تركيب وتعقيد أمر ثورة 1919، الذي قد يقودنا للتعامل مع الأمر أن هناك فصلًا كاملًا من الثورة لم تتم روايته، مرة أخرى الأمر فيما يخص إعادة تمثيل الثورة في الأعمال الدرامية والسينمائية ليس في أن تلك الأعمال تقدم رواية مزيفة، بل بالعكس أحيانًا تقدم الأعمال روايات أقرب للوقائع التاريخية، لكن الأزمة تكمن بالتحديد في أن تلك الروايات هي روايات ناقصة.

سرديات بصرية من وقائع الثورة.. مما سقط من السردية السائدة

المشاهد الآتية جمعتها من عدد من المصادر والشهادات التى أطلعت عليها أثناء عملي في الجانب البحثي للمشروع المسرحي «زج زج» للمخرجة ليلى سليمان، وقد تمّ سرد بعض الوقائع على على الخط الزمني لأحداث الثورة والذي سبق وأن ذكرته وهناك وقائع أخرى اطلعت عليها تفصيليًا أثناء فترة البحث، بالاضافة لمصادر أخرى اطلعت عليها لاحقًا هي كالآتي:

  • «الضاحك الباكي» – فكري أباظة – دار الهلال – 1933
  • «ثورة 1919 : تاريخ مصر القومي من 1914 -1921» – عبدالرحمن الرافعي – دار المعارف 1946
  • تحقيقات مديرية الجيزة التحقيقات بخصوص الفظائع التي ارتكبها جنود الجيش الإنجليزي في العزيزية والبدرشين – أرشيف وزارة الخارجية البريطانية.
  • اعتراض المجلس الإقليمي في الجيزة على الانتهاكات التي حدثت في إمبابة والعزيزية والبدرشين ونزلة الشوبك – أرشيف وزارة الخارجية البريطانية.
  • تحقيقات السلطة العسكرية البريطانية في اتهامات ضد جنود الجيش الإنجليزي من قِبل فلاحي نزلة الشوبك – أرشيف وزارة الخارجية البريطانية.
  • «زفتى.. قصة كفاح أشعلت ثورة 1919 » -هانم بدره- «الوفد».
  • حكاية ثوار ديرمواس ضد الإنجليز – على إبراهيم – الأهرام للفنون والآداب والتراث

مشهد 1 – أسيوط – مارس 1919

«صفائح البنزين تكوم بمحاذاة جدار القصر – قصر محمد محمود باشا أحد قادة الوفد المنفيين إلى مالطة- ويوشك الثائرون أن يشعلوها بعيدان الكبريت، فقلت لهم: هذا قصر محمد محمود.. ولأجل حريته وحرية بلاده ثرتم، فرد عليا وحش من الوحوش: أسكت، هل وزع محمد محمود أرغفة العيش على الجائعين. نحن طلاب قوت، وكانت صدمة لي، خلط عجيب بين طلاب الاستقلال وطلاب القوت، وخلط غريب بين الكفاح الوطني والسذاجة الإشتراكية». من «الضاحك الباكي» لفكري أباظة (دار الهلال – 1933)

مشهد 2 –  طنطا – 12 مارس 1919

يدمر الفلاحون في طنطا خطوط القطار لكي يوقفوا حركة الجيش الإنجليزي في البلاد.

مشهد 3 – قليوب 14 مارس 1919

القائد الأعلى للجيش الإنجليزي يصدر تهديدات بأن كل مَن يحاول العبث بخطوط القطارات يعرض نفسه للعقوبة، يتمّ الهجوم على محطة قطار قليوب بالرغم من التهديدات بفرض عقوبات.

مشهد 4 – زفتى –  18 مارس 1919

صباح يوم 18 مارس، كونوا المجلس البلدى الحاكم برئاسة المحامى الشاب يوسف الجندى، وأعلنوا الاستقلال. وكان عوض الجندى المحامى، أخو يوسف الأكبر، هو مَن ذهب للقاهرة وأبلغ الصحف لنشر الخبر. وفي تلك الأثناء كون المجلس البلدى الحاكم عدة لجان منها لجنة التموين والإمداد، وكانت مهمتها حصر المواد التموينية وحُسن توزيعها على أهالي البلدة ولجنة النظافة، ولجنة الإعلام، وكانت تقوم بطبع المنشورات السريعة لتوضيح الوضع العام في البلدة، ولجنة الأمن.

مشهد 5 – ديروط – 18 مارس 1919

قفز السائق الإنجليزي إلى غرفة قيادة القطار وتحرك به في طريق ذهابه للقاهرة، فدهس العشرات وحين وصل القطار دير مواس كانت جموع الغاضبين قد قتلت كل الضباط الإنجليز. وتوقف القطار في دير مواس حيث قام الفلاحون بخلع قضبان السكة الحديد لمنع وصول أي قطارات محملة بعساكر انجليز، وأخذوا ينقلون جثث الضباط من شبابيك القطار ومن بينها جثة بوب الضابط الإنجليزي وألقوها على الأرض.

مشهد 6 – دير مواس – 19 مارس 1919

ثلاثمائة وثلاثة وستون رجلًا قد تمّ ترحيلهم لسجن أسيوط العمومي من دير مواس فقط، وعلى رأسهم الدكتور خليل أبو زيد وعبد الرحمن ابن عمه بتهمة التحريض ضد حكومة الملكة والعصيان المدني والإرهاب وقلب نظام الحكم والقتل العمد للضباط الإنجليز.

مشهد 7 – زفتى – 19 مارس 1919

أرسل الجيش الإنجليزي قوة للاستيلاء على البلدة عن طريق كوبرى ميت غمر تصدى لها الأهالى فرجعت تلك القوات وتمركزت في بلدة ميت غمر. وفي الصباح علموا في البلدة بأن هناك قطار قادم إلى البلدة محمل بمئات الجنود والعتاد العسكري، وقام الأهالي بخلع قضبان السكة الحديد على مسافة من خارج البلدة .

مشهد 8 – القاهرة – 20 مارس 1919

تعلن السلطة البريطانية عن أن القرية التي هي أقرب للخطوط المدمرة سوف يتمّ حرقها.

مشهد 9 – القاهرة 24 مارس 1919

إصدار نداء للأمة المصرية بمشاركة المفتي وشيخ الأزهر وبطريرك الكنيسة القبطية، ينشادون فيه الأمة بإيقاف العنف، وإفساح المجال للمسؤولين بإجراء المفاوضات، الذي جاء فيه «على أن العقاب يعرض بعض القرى للتخريب ويعرض الأنفس البريئة إلى أن تؤخذ بما لم ترتكب من الذنوب وينبغي أن يلاحظ أن مثل هذا الاعتداء يُضيع على المصريين ما ينتظرونه من العطف عليهم بما سبب رواج إشاعات السوء عنهم.

مشهد 10- الجيزة – 25 مارس 1919

الهجوم على قرى البدرشين والعزيزية وإحراقهما تحت ذريعة تنفيذ العقوبة بسبب اشتراك الفلاحين في حرق محطات الحوامدية والبدرشين بالإضافة إلى الهجوم على جنود استراليين في سقارة. يتهم الفلاحون الجنود باغتصاب النساء.

مشهد 11 – زفتى – 29 مارس 1919

عمدت سلطات الاحتلال الإنجليزي إلى إرسال فرقة من الجنود الأستراليين للقضاء على هذه الانتفاضة فما كان من «لجنة الثورة» إلا أن طبعت منشورًا بالإنجليزية ووزعته على الجنود. ومما جاء فيه: «أيها الجنود، أنتم مثلنا، وإننا نثور على الإنجليز لا عليكم أنتم. إننا نثور من أجل الخبز والحرية والاستقلال. والإنكليز الذين يستخدمونكم في استعبادنا يجب أن يكونوا خصومكم أيضًا». وفي الأثر أحجم الجنود عن اقتحام «الجمهورية»، واكتفوا بالانتشار في محيطها. وعند ذلك الحد أرسلت السلطات المحتلة تعليمات لتسوية الأمور بشروط منها أن يسلم أهالي زفتى 20 رجلًا منهم كي يتمّ جلدهم.

مشهد 12 – نزلة الشوبك – 30 مارس 1919

يهجم الجيش الإنجليزي قرية على نزلة الشوبك –شوبك الغافرة. بعدها يزعم الجيش البريطاني أنهم دخلوا لمصادرة الأسلحة بعد هجوم الفلاحين على الجنود الذين كانوا قد أتوا زيارة للقرية، بعد نزولهم من قطار توقف قرب القرية بغرض إصلاح الخطوط المعطلة؛ اتهم أهل القرية الجنود الإنجليز بأنهم قد قاموا بسرقة كل ما وُجد في المنازل، واغتصبوا كافة نساء القرية، وقاموا بقتل الرجال وفي صباح اليوم التالي قاموا بإعدام  خمسة رجال من القرية رميًا بالرصاص دون محاكمة، وفي غياب الضابط الطبيب.

في السرديات السابقة، مجموعة من المشاهد التي اخترتها بشكل غير منظم، إنما حاولتُ أن أتعامل مع مشاهد -ربما أكاد أجزم أنه لم يتمّ التعامل معها نهائيًا وبشكل مطلق في الحديث عن ثورة 1919 سواء في الدراما التلفزيونية أو في السينما. ولا أظن أنه سيتمّ التعامل معها ودراستها ومحاولة البحث ورائها، أو محاولة إنتاج أعمال فنية، رغم أن الدولة بشكل رسمي تعترف بتلك الأحداث حيث أن محافظتي الجيزة والمنيا يتخذان من وقائع كقطار ديروط في المنيا، ووقائع قرى الجيزة كعيدين قوميين لهما. لكن رواية كتلك تفضي لتساؤلات ضرورية حول الرواية الرسمية للثورة سياسيًا وتجعلها في مأزق، وتفضي أيضًا لمساءلة الفنان في علاقته بتقديم سردية بصرية ترتبط بواقعة تاريخية فتصبح هي المُعبّر الوحيد عن ذلك الحدث حتى يصبح الأمر فيما بعد أن الصورة الأولى التي تقفز لذهنك عندما ترى «ثورة 1919» هي صورة موت فهمي في نهاية فيلم «بين القصرين» وفقط.

مشهد موت فهمي عبد الجواد من فيلم بين القصرين

قائمة بالمصادر والمراجع لكتابة هذا المقال:

  1. خط زمني تقريبي لأحداث ثورة 1919.
  2. مصر في الحرب العالمية الأولى.
  3. «ثورة 1919  القوى الاجتماعية ودورها» – رفعت السعيد – الهيئة العامة المصرية للكتاب 2009
  4. «الأيام الحمراء.. مذكرات الشيخ  عبدالوهاب النجار عن ثورة 1919»  دراسة أحمد زكريا الشلق – دار الكتب والوثائق القومية 2010
  5. «ثورة 1919 : تاريخ مصر القومي من 1914 -1921» – عبدالرحمن الرافعي – دار المعارف 1946
  6. «القرية والسلطة فى مصر فى القرن التاسع عشر» – علي بركات – الهيئة العامة المصرية للكتاب 2018
  7. «الجيش المصري في الحرب العالمية الأولى» – خالد فهمي- نُشرت على موقع المؤرخ خالد فهمي بتاريخ  2015
  8. «حكاية ثورة 1919» – عماد أبو غازي – الهيئة العامة لقصور الثقافة 2014  
  9. «تطور الحركة الوطنية في مصر» – عبد العظيم رمضان – دار الكتب العربي للطباعة والنشر – 1966 .
اعلان
 
 
حكيم عبدالنعيم