‎ عزل الجتّة من زورها: إعادة قراءة لحادثة «شفيقة ومتولي»
«شفيقة ومتولي» بين الموال والفيلم.. ثنائية الجاني والضحية
 
 
 

قتل أخته بعدة طعنات نافذة، ثم فصل الرأس عن الجثة وجلس مضرجًا بدماءها ينتظر قوة الشرطة التي ألقت القبض عليه دون أدنى مقاومة منه، بل كان رد فعله أن أطلق عدة ضحكات هيستيرية، هكذا كانت الدقائق الأخيرة التي قضاها متولي قبل أن تلقي قوة من شرطة أسيوط القبض عليه، بعدما تربص بأخته المقيمة بمفردها، ذهب إليها وأغلق باب منزلها من الداخل، وسدد إليها عدة طعنات أردتها في الحال قبل أن يشوه وجهها بسلاحه الأبيض ثم يفصل رأسها عن جسدها.

السطور السابقة هي خبر تخيلي لجريمة قديمة، أطلب المعذرة إذ ينقصه قليل من التفاصيل أو يغلب عليه الإطناب والوصف، فلم أعمل محررًا للحوادث من قبل، لكن بخبرة سنوات في السوشيال ميديا أقول إنه لو نُشر خبر كهذا عبر الشبكات الاجتماعية حاليًا ربما تتعاطف معه بعض الأصوات التي تعتبر أن شرف البنت مسؤولية أبيها وأخيها وزوجها، لكن حتمًا ستتصاعد الأصوات والتعليقات عن مدى ما وصل إليه العنف في مصر، ربما ستطالب هذه الأصوات بمحاكمة علنية ورادعة لمثل هذا العنف إلا أن هذا لم يحدث عندما وقعت هذه الحادثة في النصف الأول من القرن الماضي، بل تم الاحتفاء بالجاني، وأصبحت سيرته على كل لسان ليس باعتباره مجرمًا ولكن باعتباره بطلًا وحوكم بحكم مخفف – ستة أشهر- قضاها في معسكره التجنيدي حيث كان رقيبًا بالجيش.

صناعة الملحمة.. الجاني هو الضحية

لا نعرف على وجه التحديد متى وقعت تلك الحادثة؛ لكن أغلب الظن أنها وقعت قبل إلغاء رخصة الجنس التجاري في مصر عام 1932، وبعد افتتاح قاعدة منقباد العسكرية في 1930، وأنه ما بين عامي 1958-1960 أنشد المطرب الصعيدي القادم من بني مر بأسيوط، حفني أحمد حسن، موالًا ارتجاليًا يحكي الحدوتة التي سمع بها في الصعيد؛ في قالب الموال، على لحن يعتمد جملة موسيقية واحدة مكررة، تعزفها الربابة ويساندها الطبول، وجملة واحدة مكتوبة ترددها البطانة، تلك الحدوتة حملت من الدراما التقليدية في الصعيد ما ضمن لها الانتشار في المدينة؛ وأضفى عليها صوت حفني وارتجاله الموزون فرصًا كبرى للانتشار باعتبارها سيرة شعبية لبطل.

الحكاية هي «شفيقة ومتولي»، والتي أصبحت سيرتهما على كل لسان، والفضل يرجع لحفني أحمد حسن.

اللغة والدراما التي صاغها حفني جعلت منها ملحمة شعبية جرت بالعهد الماضي كما يقدمها في البداية. ينتمي الموال إلى«فن الواو» هذا الفن القولي المعتمد بالأساس على محصوله اللغوي الشعبي، فهو نمط تعبيري قولي يعتمد اللغة الشعبية كأداة للتشكيل الفني على خلفية من الإيقاع الموسيقي المحدد والمكرر، بلغة تتجاوز حدود القواعد النحوية (الإعرابية) والصرفية. تتكون مقاطعها عادة من 3 أبيات مختلفة رابعها ثابت في كل مقطع، وتتفق الأبيات الثلاثة في نهايات الجمل بجناس بين الكلمات في الشكل واختلاف المعنى.

له عائلة كريمة يقدموا علبتهم/

وربت لهم علّة بتّهم/ 

روّح وخبّط على بيتهم

ويقول دانا جسمى استوى واتبرا/ 

كمان تهمونى وغيري اتبرا/ 

أبوه قال ع الباب مين أتى برا

يمكن تلخيص حادثة قتل متولي لأخته شفيقة وترجمة لغة سردها، في شاب اسمه متولي يغيب لمدة سنتين عن منزل أهله ملتحقًا بالجيش لتأدية خدمته العسكرية، وهناك يلتقي بمجند آخر، تنشب بينهما مشادة، يعيّره إثرها الشاب بسلوك أخته، يهبّ متولي لرد كرامته التي أهانها المجند بالبحث عن أخته ليقتلها، ويسلم نفسه دون مقاومة ليحكم عليه القاضي المتعاطف مع قصته بالسجن لمدة ستة أشهر يقضيها ويخرج لاستكمال حياته التجنيدية كبطل، فكيف تحولت جريمة قتل بشعة إلى ملحمة شعبية يتسلى الناس بسيرتها في ليالي السمر؟

عادة ما تتوه حقيقة الحدث قليلًا إذا تعددت الزوايا التي يُنظر إليها من خلالها، وتغلب دومًا السردية التي تجذب قدرًا أكبر من تعاطف والتفاف الجمهور، هذه حقيقة أزلية وأبدية أظهرت الحاجة لوظيفة المحقق المكلف بإثبات الحقيقة؛ وهنا قدم الريس حفني روايته من زاوية الجاني/ البطل، ساردًا دوافعه وأسبابه بلغة تلعب على تعاطف الجمهور الصعيدي بمنظومته القيمية التي تقدس الشرف الرفيع وتحفظه من الأذى بإراقة الدم، ليبرر المشهد الدموي العنيف في نهايته، بل يعتبره مشهد انتصار ينتظره الجمهور في ملحمة بطلها جندي صعيدي منضبط.

متولي كان وجيه والصورة حلوة

يقدم حفني متولي باعتباره ضحية بدءًا بصوت الكورس مناديًا «يا جرجاوي يا متولي» في بداية الأغنية واستمرارها كخلفية للقصة وكفواصل يستخدمها حفني بين مقاطعه الشعرية، يجري تأسيس العلاقة بين الجمهور ومتولي الجرجاوي، بكلام يشبه سلاح ماضي يبدأ حفني في سرد مسار حياة متولي منذ التحاقه بالجيش، ليقضي 6 أشهر في تعلم ضرب النار ليحصل أول «شريطة» ترقية له، ثم الشريطة الثانية ليترقى من مجند لباش شاويش، هنا متولي ليس ضحية وإنما شاب مجتهد بمستقبل واعد. لكن هذا الشاب الواعد فقير أيضًا عند مقارنته بشاب بدفعة جديدة يشرف متولي عليها، لا يلتزم بالانضباط العسكري للجيش، ويمشي «بكيفه» فهو من الأعيان وأهله من المال بـ«يكفّوه»، فيصفعه متولي بكفه، ليردها له الشاب المنفلت لطمة قصد أن تصيبه في كرامته، وتتمثل في إخراج صورة شفيقة أخت متولي، ويعايره بأن هذه الأخت تسلك مسلكًا معيبًا، وأن على متولي أن يبحث لنفسه عن جبانة يواري نفسه فيها، هنا يظهر متولي بصورة الضحية الكاملة، مجتهد يسعى للترقي بينما أخته تجره إلى الأسفل بسلوكها.

«قال له إزاي بتضربني يا جبان/

روح ادفن نفسك جوّه جبّانة/

آدي صورة أختك جوه جيبي أنا

… متولي لما شاف الصورة بقى ذليل ونفسه مكسوره»

يجتهد حفني في وصف حال متولي الذي كان وجيهًا في الجيش ولم يتعطل في طلب إجازته لحسن سمعته وصورته، وكيف انقلب به الحال في بحثه عن شفيقة، إذ يشرح لصاحب مقهى في أسيوط أشفق لحاله وتعاطف معه كما ينبغي لبطل ثانوي أن يتعاطف مع بطل ملحمي، قائلًا بصوت حفني الباكي «يا ريت راح مالي، أنا الموت بقى ستري ورحمة لي، وجمّال عكسني ورا أحمالي» هكذا يتمنى الشاب الوجيه، بصورة البطل الملحمي، الجندي المنضبط، الموت هربًا من سوء السمعة التي يؤكد عليها بصورة الراكب عكسيًا على ظهر جمل فلا يرى الطريق المقبل عليه؛ وتستخدم هذه الوضعية عقابًا شعبيًا للسارقين والمذنبين كنوع من التجريس في بعض قرى الصعيد.

«قال له يا ريت راح مالي/

أنا الموت بقى ستري ورحمة لي/

وجمّال عكسني ورا أحمالي/

عشان واحدة اسمها شفيقة»

كبطل ملحمي نبيه، يستخدم متولي الحيلة بدلًا من أن يُساق بفعل الغضب، فيرسل ثلاثة من أصدقائه يمهدون له الطريق ويغيّبون أخته عن الوعي، ليناديه أحدهم بعد ذلك فيدخل على أخته السكرانة التي تستفيق بمجرد رؤية أخيها وتطلب الصفح، لا يصفح عنها متولي وقام سريعًا بإتلاف منظرها بعد أن غلّق أصدقاؤه الباب، لتتصاعد ملحمته قبل نهايتها بالحادثة البشعة التي ينفذها ولا يهرب وإنما يخرج إلى الشرفة يهتف بالناس أن جرحًا في قلبه قد سكن، تأتيه الشرطة وتطلب نزوله فيشترط أن يحضروا له الطبول ويزفونه أثناء نزوله من البيت.

«قال لها يا شفيقة بعد إيه تتوبي/

وتتمحكي وتقولي مكتوبي/ 

دي رقعة ما تطلعش من توبي..

أتى بالغضب وبإيده السكين،

وقال دي لو عليلة مين يزورها/ 

وقام سريع تلف منظرها/

وعزل الجتة من زورها…

وطلع البلكونة بسكينته/ 

وقال جرحي ف قلبي سكنته /

يا ناس وسعوا لي سكة إنتو

يُساق إلى المحكمة وهناك يدافع عن نفسه مبررًا فعلته التي اعترف بها مجازيًا أمام القاضي الرجل صاحب الفضل والإحسان، كما وصفه حفني، اتفق القاضي حسن مع متولي في حتمية قطع شفيقة «الفرع المائل من العائلة»، معتبرًا أن متولي رجل شريف وما عمله إلا شيء يعلي شأنه وعاقبه فقط بـ6 شهور حبس، قضاها بالسجن ليعود بعد ذلك إلى الجيش وكأن شيئًا لم يكن».

«قال إنتو حكومة البر طاب ليكم،

وأنا من فوق ما أطب ليكم،

الله أن ما جالي طبليكم،

هاودوه وجابوا له الطبل ونزل،

بعد ما تلف المنزل،

شال العار وكلام العذّال

الريس حفني .. ليس من السلطة لكنه يحبهم

رغم أن حفني أحمد حسن لم ينضم رسميًا كصوت من أصوات المشروع الناصري ولا لمشروع توثيق الفولكلور الشعبي الذي تولاه الكاتب الصحفي والمسرحي زكريا الحجاوي في أواخر الخمسينيات، والذي ضم إليه عددًا من مطربي المواويل والموالد الشعبية في أرجاء مصر، منهم خضرا محمد خضر، محمد طه، وفاطمة سرحان، إلا أنه فيما يبدو كان من محبي جمال عبد الناصر، ربما بفعل الهوى الشعبي العام حينها، إذ أنشد أغنيتين في حب عبد الناصر، الأولى «بطل العروبة يا جمال» والثانية «أهو فات البلد» في رثاء عبد الناصر. لم تقتصر محبة حفني على عبد الناصر لكن إجلاله للدولة وعناصر سلطتها كان باديًا في ملحمة «شفيقة ومتولي» بوضوح، بدءًا من حياة الجندية الملتزمة وحتى الاعتراف بسلطة الحكومة التي طاب لها البر في نهاية الملحمة.

بقدرته على تحوير الكلام امتلك حفني سلطته على الجمهور، جمهوره من رواد المقاهي الشعبية وشوادر الموالد في الصعيد، بمنظومتهم القيمية والأخلاقية الذكورية، التي تربط شرف الذكر وعاره بسلوك «حريمه»، هذه المنظومة الأخلاقية كانت بمثابة سلطة  تقود وعي حفني ووعي جمهوره، تفرض العلاقة بين منتج العمل الفني والجمهور المتلقي، وتفرض موضوعها وسردياتها أيضًا، ربما تعطي هذه العلاقة الخاضعة لسياق ذكوري صعيدي في الخمسينيات تبريرًا لهذه السردية التي قدمها حفني، ونظرته للحادثة باعتبارها ملحمة وللجاني باعتباره بطلًا يجب الاحتفاء به، ولم يكن هناك مجالًا آخر غير أن احتفى به الجمهور أيضًا.

رواية أخرى للملحمة.. كلنا شفيقة

 

هذه القصة التي استغرقتك دقيقتين لقراءتها استغرقت نحو 25 دقيقة من غناء وموسيقى الريس حفني، ونحو 110 دقيقة لتظهر على شاشة السينما في فيلم عُرض بعد نحو ثلاثين عامًا من سردية حفني تحديدًا عام 1979، من إخراج علي بدرخان وبطولة سعاد حسني وأحمد زكي، ومعالجة سينمائية لصلاح جاهين.

السينما وسيط موجه لأبناء المدينة، ويملك أدوات حكي أكثر مما يملكها شاعر ربابة، ويخاطب جمهورًا قادم من سياق اجتماعي شديد الاختلاف عن جمهور المقاهي والموالد في الصعيد، جمهور قد يثير مشهد دموي على شاشة سنيمائية ضخمة حفيظته واشمئزازه، قد يتعاطف مع فتاة الدعارة ضحية فقرها، ويتساءل عن دوافع وفوائد قتلها بدلًا عن الصفح عنها، مثله مثل الفنان الذي سيثير هذه التساؤلات، هذا السياق المديني والزماني في نهاية السبعينات فرض تناولًا ومغايرًا للملحمة، بعد نحو 25 عامًا على الثورة وانزواء أهدافها وروحها.

اجتهد جاهين لإضافة تفاصيل أخرى من خياله الخصيب لإضفاء أبعاد ملحمية أخرى على القصة التقليدية وتوجيه عدد من الرسائل وتغيير الخطاب القديم الذي قدمه حفني؛ إذ حاول تخطي خطاب الشرف الذكوري واللعب العاطفي على وتر الكرامة والعار في سردية الريس حفني من أجل تسويق أهداف الثورة المتمثلة بالتحرر السياسي والعدل الاجتماعي عبر هذه القصة الدموية.

من أجل تحقيق هذا الهدف بنشر أهداف الثورة ومشروعيتها دون الاتكاء على مفهوم العار والكرامة، كان على معالجة جاهين إيجاد مبرر منطقي لِوِزر النهاية التراجيدية والدموية التي اشتهرت في أغنية حفني أحمد حسن، هذا المبرر وُجِد عبر تصوير كل من شفيقة ومتولي كضحيتين لفترة الاستعمار والإقطاع في العهد القديم، فالقاتل والمقتول ضحيتان لهذا الواقع الذي كانت الثورة سببًا في تغييره. وعلى عكس ما كان عند حفني أحمد حسن المحب لعبد الناصر، نرى في هذه المعالجة السينمائية الجيش ذراعًا لسلطة الاستعمار، إذ تم التخلي عن صورة الجيش التي قدمها حفني أحمد حسن! فجيش فيلم علي بدرخان هو جيشٌ جاثم تحت الطبقية والسخرة والاستعمار.

في أغنية حفني ثمة ملحمة وبطل لها، وحضور طفيف لثنائية الجاني والضحية، الضحية بالطبع هو متولي الذي ذهب للجيش وكان ماهرًا وجيهًا حلو الصورة يبشر بمستقبل باهر، إلا أن مستقبله يتهدد بأخته «الجاني» وسلوكها المعيب. كان هدف جاهين كاتب السيناريو في تغليب هذه الصورة الواقعية هو التغلب على النظرة البطولية التي قدمها حفني أحمد للقتل على خلفية شرف العائلة، ذلك أنه لم يعد ملزماً على تصوير الجيش عبر شخص متولي بالبطولة، وبهذا يتيح لمتولي أن يكون ضحيةً أخرى من ضحايا الوضع السياسي الاجتماعي لفترة ما قبل الثورة، ومن جهة أخرى أراد كل من بدرخان وجاهين على ما يبدو إعطاء مصداقية للمؤسسة العسكرية التي لم يعد بالإمكان النظر إليها بشكل طوباوي. وإعطاء المصداقية هذا لا يتم إلا عبر تحليل تاريخي صادق لما كان عليه الجيش في زمن الاستعمار، وتحليل أخلاقي اجتماعي «كاذب» لجريمة القتل، إذ أنه سوّق للمشاهد العربي ما نستطيع تسميته بـ«الجريمة الحتمية الفاقدة للجاني»، لأنّ الحل الذي طرحاه يهدف إلى المساواة من الناحية الأخلاقية بين القاتل والمقتول! إذ أنّه يصوّر كليهما كضحيتين.

من الفيلم

هذا الوصف أو السرد الذي يؤدي بنا إلى أن ننسى من هي الضحية الحقيقية، كما ننسى أن ننصفها بواسطة ذمّ الفاعل وتجريمه، ما يسلب الضحية من حقوقها وآدميتها، التي عادةً ما يستردّها لها المجتمع عبر تجريم الفاعل وذمّه.

فدور البطولة في فيلم علي بدرخان يُقَسم  بين ثلاثية الأبطال التراجيدية شفيقة، متولي، والشعب المصري ضحية المجرم الهلامي أو الاعتباري المتمثل بالاستعمار والإقطاع، مع ما يحملانه من قيم اجتماعية تتجلى من خلال المحيط البشري والاجتماعي لأبطال الفيلم.

معالجة جريمة الشرف

ما يبدو هنا، أنه حتى في المعالجة لجريمة قتل شفيقة عند علي بدرخان لم يكن هنالك إنصاف حقيقي للضحية، إنصاف يجرم فيه الفعل والفاعل والمنطلق الفكري لفعلته. بل هي محاولة للالتفاف على وصف الجريمة كجريمة وتناول منطلقاتها وتبعاتها، لكي يُخاطب الجمهور خطابًا عقلانيًا بما يختص بأسباب الثورة وشرعية النظام السياسي الذي تمخض عنها. ذلك النظام الذي سيمنع الاستغلال ويمنع شفيقة ومتولي من الوصول إلى ذلك المفترق الذي أوصلتهما إليه الحالة الاجتماعية والسياسية، لكنه يتفهم بالمقابل شخص متولي، ودوافع فعلته وتبريراته حال وصوله لهذا المفترق الذي «يحتم» عليه قتل أخته. فرغم إقباله على مثل هذه الجريمة إلا أنه لا يحمل من الناحية الأخلاقية أي مسؤولية أو لوم أخلاقي أو قضائي يحاسب فيها على جريمته.

باختلاف معالجات الحادثة واللعب حول دوافعها وسياقها، التي كانت جذابة بقدر كاف لظهور معالجات عديدة لها، بداية من موال الريس حفني، مرورًا بمسلسل إذاعي أنتج في الستينات، وفيلم جاهين وبدرخان وانتهاء بمسلسل تليفزيوني أنتج وعُرض عام 1993، اختلفت كلها في الغالب حول موقف شفيقة ما بين كونها جانية أم ضحية، لكنها اتفقت على أن متولي بطل غسل شرفه بدماء أخته، حتى أنه -متولي الحقيقي- ظهر ضيفًا تليفزيونيًا مع الإعلامية أماني ناشد نهاية السبعينيات.  

رغم المعالجات والتعاطف والسخط، هناك حقائق ثابتة وبسيطة، شفيقة قتلها متولي، في مشهد دموي عنيف ولم يُعدم لأنه رأى أن قتلها هو الحل الأسهل، وقد كان سهلًا فعلًا، كنهاية حتمية يباركها الراوي والقاضي والجمهور، بل ويثني على شرف المجرم الذي لم يتلق عقابا يناسب جريمة قتل عمد، رغم كون شفيقة هي المجني عليها ولكن رآها الجمهور جانيًا لاعتبارات اجتماعية وفنية، فهل يظل الحكم عليها باعتبارها جانيًا بعد نحو 90 عامًا من قتلها؟، ربما تجيب التعليقات على هذا الفيديو عن هذا السؤال أو التعليقات التالية على تسجيل للموال على ساوند كلاود.

اعلان
 
 
عبد الله غنيم 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن