ملحمة «ابننا» البوهيمية

أثار فوز الممثل الأمريكي الجنسية مصري الأصل، رامي مالك، بجائزة أوسكار أفضل ممثل، ردود أفعال مختلفة، تصدرها رد الفعل المصري الأساسي: «ابننا يا جدع». ثم ردود أفعال على ردة الفعل السالف ذكرها: «ولا ابننا ولا نيلة.. بطلوا تماحيك». ثم منشورات شديدة الطول لإثبات أن رامي مالك، ومحمد صلاح -ولا أدري على أي أساس أثير ذكر لاعب الكرة- ليسوا ناتجًا مصريًا، وأن مصر ليس لها أي فضل عليهما، وكأن مصر لها فضل على غيرهما! ده إحنا الشعب الوحيد اللي قاعد ببلده بيبي سيتر.

الخلاصة، لم يهتم الكثيرون بفيلم Bohemian Rhapsody، أو بأحقية الممثل رامي مالك في الجائزة، والذي صرح أثناء استلامه لجائزة الأوسكار  بأن له أصولا مصرية، بل وذهب البعض إلى أنه غير مستحق لها، وأنه نالها بسبب اتجاه هوليود المعادي لترامب، مما دفع القائمين على الأوسكار إلى منح الممثل مصري الأصل  الجائزة نكاية في ترامب!

Bohemian Rhapsody أو الملحمة الشعرية البوهيمية، اسم لأغنية شهيرة، تغنت بها فرقة كوين الإنجليزية، وكتبها مغني الفرقة الرئيسي ونجمها، فريدي ميركوري، أو فاروق بولسارا.

ربما يظن البعض أنهم لا يعرفون المطرب الأسطورة فريدي ميركوري ومن خلفه فرقة كوين، إلا أن عليهم مراجعة أنفسهم، لا أظن أن شخصًا على ظهر الكوكب لم يسمع صرخات فريدي الشهيرة: أيوووه، أو أغنيته الشهيرة We will rock you.

حسنًا، ربما كانت مبالغة مني حين ظننت أن كل مواطني الكوكب وصلهم صوت فريدي ميركوري، إلا أنني متمسكة بهذه المبالغة حتى يظهر العكس.

إذن، فنحن نتحدث هنا عن أسطورة حقيقية، مرت في عالمنا كالشهاب، وحفرت مجدها في سنوات قليلة، تراوحت ما بين عامي 1969 و1991؛ عام وفاته بمرض نقص المناعة -الإيدز، تاركًا بصمة كونية لا تنسى ولا تندثر. حتى هذه اللحظة، يزداد معجبي فريدي ميركوري، حتى أولئك الذين ولدوا بعد وفاته، حتى هذه اللحظة، ينفذ صوته إلى آذان الجميع، بما فيهم الذين لا يرغبون في سماع موسيقاه: في الطرقات، في الإعلانات، في رنات الهواتف المحمولة.

الأمر ليس سهلًا، هناك الكثير من المغامرة والمجازفة حين تتعرض لحياة شخص كهذا، له ملايين المعجبين، بل والمجانين بحبه، قد لا يتقبلون محاولة إعادة إنتاج معشوقهم، لديهم صورة تخيلية عن نجمهم المفضل، لا يرغبون في هدمها، ربما يقدسونه، ولا يرضون بالنزول بشخصه إلى مصاف البشر. معلش، ما الواد يتحب يا رمضان.

الصعوبة الأخرى التي واجهت صناع الفيلم، هي أن حياة فريدي ميركوري، وبالرغم من قصرها -توفي في سن الخامسة والأربعين- إلا أنها مفعمة بالأحداث الجسام والمعقدة، والتي يسير الكثير منها بالتوازي، وقد لا تجد نقاط التقاء بين كل هذه الخطوط.

الرجل تربى في زنزبار، في عائلة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة العليا، وتعلم في مدارس بريطانية في بومباي بالهند، ثم هاجر، في سن الثامنة عشرة، مع والديه إلى بريطانيا العظمى، هربًا من حرب أهلية نشبت بين المسلمين والهندوس. هذا خط هام في تكوين فريدي، الذي تنصل من اسم فاروق، لكنه أقحم عبارة «بسم الله» في أغنية الملحمة البوهيمية.

خط آخر له صلة بعلاقته بوالديه، اللذين دللاه وأنفقا الكثير على تعليمه، وتأهيله، بل ولهما الفضل في حبه للموسيقى، إلا أنهما رسما خطة لحياته يبدو أنها لم ترق له. خط آخر وهو محاولاته المستميتة لدخول عالم الغناء والموسيقى من سن الثانية عشرة، وإحباطاته المتتالية، وابتلاعه الفشل تلو الفشل وإصراره على الاستمرار. هناك أيضا ميله الجنسي المثلي، ومحاولاته إنكار هذا الميل، بسبب خلفيته الثقافية والأسرية، والانخراط في علاقة حب مع حبيبته التي تزوجها لاحقًا؛ ماري، ثم اكتشاف حقيقته المثلية والتعامل مع نفسه بوصفه «واقعًا في الخطيئة»، ثم تصالحه مع الفكرة. إضافة إلى أحداث وخطوط أخرى لا يتسع لها المجال.

اختار صناع الفيلم أن يكون الصراع الرئيسي للشخصية التي شكّلوها، هي رحلته في اكتشاف هويته الجنسية. إذا كنت شاهدت الفيلم في إحدى السينمات المصرية، فأنت لم تشاهد الفيلم، ذلك لإن كل المحطات الرئيسية في تحولات الشخصية قد تم قطعها نظرا لإنها قلة أدب وكده. لذلك، وقبل الحكم على الفيلم، رجاء اللجوء للشبكة العنكبوتية لمتابعة الخط الدرامي للفيلم، إذ لا عجب من أن الكثير ممن شاهدوا الفيلم في السينمات المصرية شعروا بقفزات واجتزاء للصراع الداخلي للشخصية.

بالرغم من أن صناع الفيلم اختاروا خطًا شديد الحساسية، وبالرغم من أن الفيلم مسل جدا، ولا يبعث على لحظة ملل، وبالرغم من أنه مفعم بالمشاعر والأحاسيس الداخلية، والتي عكسها الممثل رامي مالك بقوة وصدق واستقتال في أداء الدور، إلا أنهم أغفلوا جوانب كثيرة هامة كانت قد تثري الصراع، وتعمق بناء الشخصية، وتعطي المزيد من المعرفة بشخص فريدي ميركوري الأسطورة.

مما لا شك فيه أن فن «الإلغاء» هو فن قائم بذاته، ولا أظن أن صناع الفيلم قد نجحوا فيه نجاحًا باهرًا، وربما كان يجدر بهم الاستعانة بكاتب تكون مهمته الرئيسية اقتراح الخطوط الأساسية، وإلغاء الخطوط الباهتة. لا بأس من التعامل مع قضية اكتشاف الهوية الجنسية كخط أساسي لصراع الفيلم، إلا أنني تساءلت أثناء المشاهدة: أين الخطوط الفرعية التي تغذي الخط الرئيسي؟ أين عمق علاقته بأسرته، وبوالده، الذي كان يود التخلص منه، لدرجة ادعاء موته، ومع ذلك ذهب إليه في نهاية المطاف ليرى الفخر في عينيه؟، ما الذي جذبه لماري تحديدًا وهو يعرف بداخله أنه مثلي الجنس؟، ولماذا تعلق بها لمدة سنوات، حتى بعد اكتشافه لميوله وتصالحه معها؟. هو من أسرة زرادشتية، فرت من اضطهاد المسلمين لهم، إلا أن اسمه فاروق، كما أنه وضع عبارة «بسم الله» في إحدى أغانيه، فكيف حدث تشابك الثقافات بهذا الشكل؟، أين صراعه كمهاجر يريد الانتماء لبيئته الجديدة لكنه لا يستطيع الفكاك من ذكرياته في بلاده الأم؟، لماذا شعرت بأن الشخصيات من حوله باهتة؟ ما هي خصوصية رفقائه في الفرقة التي جعلته يشعر بأنهم أسرته البديلة؟ لم أجد للمحيطين به أي خصوصية، سوى تعامل رفقائه معه باحتقار حين أعلن عن ميوله الجنسية، وانخرط في علاقات مثلية بوهيمية، ولم أجد أي خصوصية لصديقته التي ظل متعلقًا بها سوى أنها تنظر إليه بانبهار طوال الفيلم!

هذا بخلاف أن تتبع مساره الفني كان منقوصًا بشكل مخل، من غير المعقول، أو الحقيقي، أن فريدي قد تربع على عرش النجاح منذ أن أمسك بالميكروفون، كما أن ربط ميله الجنسي وانخراطه في علاقة مع رجل استغله وسيطر عليه، بحل الفرقة، لا يبدو منطقيًا، ناهيك عن أنه غير حقيقي. ولمعجبي فريدي الحق أن يشعروا بالضيق في هذه النقطة تحديدًا، فقد بدا فريدي وغدًا وأنانيًا، وهذا لم يحدث في الواقع، لم يحل فريدي الفرقة، وإنما كان طموح الغناء المستقل يطارد كل أعضاء الفرقة الذين أضفى عليهم السيناريو سمتًا قديسيًا.

بالطبع لصانع الفيلم كامل الحرية أن يغير في بعض الأحداث التاريخية لإتقان الصراع، ليست هذه هي المشكلة، المشكلة أنه غير الحدث التاريخي ومع ذلك لم يتقن الصراع. في مشهد يبدو فريدي رافضًا لحل الفرقة حتى أنه طرد مدير أعمالهم دون الرجوع لزملائه، بعدها بمشهدين يعلن فريدي رغبته في الاستقلال عن الفرقة، ولا يبدو أن ذلك له أي مبرر سوى تأثير صديقه الذي يستغله. ربما يريد صناع الفيلم إبراز تأثير الرجل الذي فجر ميل فريدي الجنسي، وواجهه بحقيقته، لكن لم يتم خدمة هذه النقطة كما ينبغي.

إذن، فليس بمستغرب ألا ينال المخرج، برايان سينجر  -مخرج سلسلة إكس مين، والمخرج غير المذكور الذي استكمل الفيلم عقب طرد سينجر، ديكستر فليتشر، وكاتب السيناريو، أنتوني ماك كارتن، أي جوائز، سواء الأوسكار أو غيرها.

في ذات الوقت، حصد رامي مالك جوائز عدة كأفضل ممثل، بخلاف الأوسكار، مثل جوائز: أكاديمي أوورد، جولدن جلوب، بي إيه إف تي إيه أوورد، سكرين أكتورز جيلد أوورد، إيه إيه سي تي إيه إنترناشونال أوورد، ساتيلايت أوورد.

حديث البعض عن حصد مالك للجوائز لإنه من أسرة مهاجرة نكاية في ترامب محض «هري» يا جماعة. لقد اجتهد ممثل التلفزيون السابق ونجم الأوسكار الحالي، كأقصى ما يستطيع ممثل أن يجتهد، بل بدا لي، ومن خلال أدائه للشخصية وسبره لأغوارها، أنه درس الشخصية وجمع عنها معلومات، ربما أكثر مما قام به كاتب السيناريو والمخرج ذاتهما، وأضفى أبعادًا وظلالًا في أدائه لشخصية ميركوري، لم تكن موجودة في السيناريو، وأعطاها عمقًا، ربما بسبب تجربته الشخصية كمهاجر، ربما بسبب دراسته الوافية عن شخصية ميركوري، وربما لإنه «قتيل الفرصة دي». الأمر الذي يعود بنا لمستهل المقال: لا، هو مصري… «أنا قتيل الفرصة دي» لا تخرج إلا من مصري. حتى وإن ولد في مكان آخر، ولم ينل فرصته إلا خارج مصر. جينات معلش.

اعلان