السودان في إضراب
 
 
من مشاهد احتجاجات السودانيين ضد حكم عمر البشير
 

بمجرد وصوله إلى المصلحة الحكومية التي يعمل بها وسط العاصمة السودانية الخرطوم، يبلغ المهندس المدني محمد علي -35 عامًا- مُديره المباشر بأنه واحد من الذين قرروا تلبية دعوة الإضراب عن العمل ليوم واحد. وهي الدعوة التي أطلقتها قُوى المعارضة وعلى رأسها تجمع «المهنيين السودانيين» فيما عُرف بـ «إضراب المهن»، ولبّى سودانيون هذه الدعوة الثلاثاء الماضي.

بينما «علي» في طريقه للعمل من ضاحية اللاماب جنوب العاصمة، يلاحظ أن حركة المواصلات العامة مُنسابة بهدوء على غير العادة في هذا الوقت من صباح يوم عمل وسط الأسبوع في الخرطوم، حسبما يقول لـ «مدى مصر».  كما أن بعض المحال التجارية المُطلة على الشوارع الرئيسية أغلقت أبوابها تمامًا، يوضح علي، ثم يضيف: «لم أرَ من قبل محطة مواصلات الاستاد -وسط العاصمة- فارغة في يوم عمل عادي، ومنتصف الأسبوع كذلك. أقدر أن السودانيين استجابوا بنسبة 60% لدعوات الإضراب المعلنة».

وهذه هي المرة الأولى التي تدعو فيها قُوى المعارضة السودانية للإضراب بعد ما يزيد على شهرين من الاحتجاجات المُطالبة بتنحي الرئيس عمر البشير والتي شملت معظم مدن السودان.

يرجع «علي» الاستجابة لدعوة الإضراب إلى رغبة عدد من السودانيين في المشاركة بالاحتجاجات التي انتظمت في البلاد منذ أكثر من شهرين بهدف إسقاط النظام. لكن شريحة كبيرة منهم لديها مخاوف من التظاهر بالنظر للقمع الذي تمارسه الأجهزة الأمنية. «الاضراب مختلف وإعلان موقف بوسيلة لا تعرّض الفاعل للخطر، لذا كانت الاستجابة كبيرة»، بحسب ما يوضح المهندس الذي أضرب عن العمل قبل يومين.

فيما تقول المتحدثة باسم «تجمع المهنيين» -الذي يقود الاحتجاجات- سارة عبد الجليل إن «الإضراب المُعلن شارك فيه الآلاف من مختلف القطاعات المهنية» مؤكدة مشاركة أكثر من «30 قطاعًا حيويًا كالأطباء، والصيادلة، والمحامين وغيرهم».

أُسس تجمع «المهنيين السودانيين»، في 2013، وذلك عقب احتجاجات عمّت السودان، ويتشكّل من قوى سودانية معارضة وهي تحالف المحامين الديمقراطيين، وشبكة الصحفيين السودانيين، ولجنة الأطباء المركزية، ولجنة المعلمين السودانيين.

وتعتبر سارة عبد الجليل أن نجاح الإضراب خطوة إيجابية في طريق المقاومة السلمية نحو تنظيم إضراب شامل ثم العصيان المدني وصولًا لتحقيق «إعلان الحرية والتغيير» الذي بدأت القوى المعارضة في تبنيه بعد أواخر ديسمبر 2018، وينصّ على تنحي النظام الحاكم دون شروط. وتضيف المتحدثة باسم التجمع لـ «مدى مصر»: «تجمع المهنيين وحلفائه دعا للإضراب الذي شمل إضرابات جزئية في قطاعات الأطباء والصيادلة، وإضرابات شاملة في بعض الأسواق التجارية».

في وسط العاصمة الخرطوم، أغلقت العديد من المحلات التجارية أبوابها أمام الزبائن، وكذا الحال بحسب ما نقل شهود عيان لـ «مدى مصر» من أسواق مدينتَي بحري، وأم درمان. فيما انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي العشرات من الصور تعكس إضراب قطاعات مهنية مختلفة.

فيما أكدت مصادر لـ «مدى مصر» أن نسبة 80% من موظفي شركة «زين» للاتصالات؛ وهي أكبر شركات المحمول في السودان، انتظمت في إضراب عن العمل. وبحسب المصادر أيضًا، فإن كافة موظفي شركة «سيقا»؛ أكبر مطاحن الغلال والدقيق في البلاد، شاركوا في الإضراب، وكذلك عدد من العاملين بشركات العقارات، والتأمينات، والصرافات، والمحلات التجارية. كما أضرب بعض سائقي مركبات المواصلات العامة.

يقول أحمد عثمان، صاحب صيدلية في ضاحية الكلاكلة جنوبي العاصمة: «استجبتُ لدعوة الإضراب، وأغلقت الصيدلية [وهي الأكبر في المنطقة]. وعلمتُ أن كل الصيدليات في المنطقة أغلقت أبوابها في الزمن المحدد للإضراب وهو الثامنة صباحًا وحتى الخامسة عصرًا».

وتقول مُعلمة بمرحلة «التعليم الأساس» إن عددًا كبيرًا من المدارس الخاصة في الخرطوم علقت الدراسة لمدة يوم، بعد أن أعلن أساتذتها الإضراب استجابة لدعوة «المهنيين». وتقول مُعلمة أخرى، وهي تعمل بمدارس التعليم البريطانية، إن فروع مدارس التعليم البريطاني المنتشرة في عدة مناطق بالعاصمة الخرطوم لم تعمل يوم الثلاثاء الماضي بسبب إضراب كافة المعلمين.

وحول اضراب قطاع المحامين، يقول المحامي محمد شمينا لـ «مدى مصر»: «نفذنا إضراب أمام كافة المحاكم المدنية والأعمال القانونية الأخرى عدا الدفاع عن المتظاهرين الذين يواجهون إجراءات بموجب قانون الطوارئ».

كما نفذ أعضاء شبكة «الصحفيين السودانيين»، أحد الكتل النقابية المكونة لـ «تجمع المهنيين»، إضرابًا عن العمل تماشيًا مع الدعوات الواسعة للإضراب. وشمل الإضراب سبعة صحف منها «الجريدة»، و«التيار»، و«الميدان»، و«البعث»، و«أخبار الوطن».

فمنذ صباح الثلاثاء الماضي، تجمع عشرات الصحفيين في مقرات عملهم أو  في الساحات العامة القريبة من مقار الصُحف، وذلك ليلبوا الدعوة للإضراب، وإحتجاجًا على أوضاع الصحافة في البلاد.

ويقول الصحفي حسن بركية، عضو الشبكة، لـ «مدى مصر»: «منذ انطلاق الاحتجاجات الشعبية المُطالبة بتنحي نظام الرئيس عمر البشير في 19 ديسمبر 2018، تعرّضت الصحافة السودانية لانتهاكات واسعة. رصدنا أكثر من 85 انتهاكًا منها اعتقال الصحفيين، ومصادرة صحف بعد الطبع من قِبل جهاز الأمن والمخابرات السوداني. وفي أحيان مُنعت طباعة  صحف لأنها تنقل أخبار الحراك الجماهيري الداعي لتنحى الرئيس البشير». مضيفًا: «أثبت قطاع الصحفيين أنه قطاع حيوي، ويتقدم المعركة المصيرية للشعب السوداني لإسقاط نظام البشير.خطونا خطوات مهمة في هذا الاتجاه وسنتابع هذا التقدم بخطوات أخرى».

وكان البشير قد أعلن في 22 فبراير الماضي حالة الطوارئ في البلاد لمدة عام، فضلًا عن حلّ الحكومة، فضلًا عن اختيار وزير الدفاع ليكون نائبه، وتعيين عسكريين حُكامًا على الولايات، مما أثار غضب معارضيه الذين انطلقوا في تظاهرات مطالبة لرحيله.

اعلان