مملكة الترفيه السعودية العربية: الفن برعاية تركي آل الشيخ
من الانفتاح على الفنون لاحتكارها
 
 
 
مؤتمر نُظم في القاهرة عن الخطط الفنية لرئيس هيئة الترفيه السعودية - المصدر: الصفحة الرسمية لـ تركي آل الشيخ على فيسبوك
 

«هدفنا المملكة العربية السعودية تصبح من أفضل 4 نقاط في الترفيه في آسيا، وهدفنا من العشر الأوائل على مستوى العالم في المرحلة الأولى».

هكذا عبّر تركي آل الشيخ، رئيس هيئة الترفيه في السعودية، عن خطته لصناعة الترفيه والفن بالمملكة ضمن برنامج «رؤية 2030» الذي يتبناه محمد بن سلمان منذ صار وليًا للعهد، ويبدو أن الاثنين عازمان بالفعل على تحويل السعودية إلى مملكة لصناعة الفن بسيطرة على حركة الإنتاج والمهرجانات في الشرق الأوسط.

وبحسب موقعها الرسمي، فإن الهيئة العامة للترفيه، «هي إحدى المبادرات المنبثقة من رؤية المملكة العربية السعودية 2030، والتي تأسّست بأمرٍ ساميّ في 30 رجب 1437هـ الموافق 7 مايو 2016م، بهدف تطوير وتنظيم قطاع الترفيه ودعم [البنية] التحتية في المملكة، وذلك بالتعاون مع مختلف الجهات الحكومية والقطاع الخاص».

الطريق إلى تحوّل السعودية إلى مركز للصناعات الترفيهية في المنطقة مليء بالصراعات والأحداث التي ستؤثر أولًا على جيرانها العاملين في هذا المجال مثل مصر ولبنان ودبي قبل أن تصل إلى اليابان وسنغافورة ودول آسيا، بحسب الخطة التي يتمنى آل الشيخ تنفيذها منذ توليه مهمة الترفيه -مؤخرًا- قادمًا من رئاسته لـ «هيئة الرياضة» بالسعودية.

خطة السعودية الجديدة والتي بدأ الجميع ينتبه إليها بعد انتشار اسم تركي آل الشيخ مؤخرًا بسبب صراعاته الكروية في مصر، بدأت منذ عامين تقريبًا بإقامة حفلات موسيقية بشعار «شتانا ترفيه» في نوفمبر 2017، استضافت فيها المملكة نجومًا في الغناء، للمرة الأولى، بحفلات تخصص للسيدات فقط أو الرجال فقط. وكانت منها حفلات للشاب خالد، ومغني الراب الأمريكي نيللي، وكاظم الساهر، وهبة طوبجي، وبلقيس، والموسيقار ياني.

ازدياد نشاط السعودية في إقامة الحفلات والمهرجانات في 2018 صاحبَه ركود كبير في سوق الحفلات بمصر ودبي مثلًا، بعد تفضيل نجوم الغناء مثل عمرو دياب ومحمد حماقي وتامر حسني وماجدة الرومي وكاظم الساهر الاتجاه إلى السعودية بأكثر من حفل. خاصة مع إنشاء مهرجان جديد بعنوان «مهرجان طنطورة» والذي تمتد فاعلياته لمدة شهرين، ويروج له الفنانون المصريون أيضًا بوفود جماعية، وحفلات بالجملة كانت آخرها حفل لأم كلثوم بتقنية «الهيلوجرام»، وحفل آخر لعمر خيرت.

بخلاف الفعاليات الموسيقية المنتعشة، وفي الوقت نفسه أُعيد افتتاح مسرح «المفتاحة» بمدينة أبها المغلق منذ 2007، بفعاليات مسرحية وسينمائية تحمل اسم المدينة التي يجري تجهيزها لتصبح «عاصمة الفنون في الوطن العربي»، كما يُطلق عليها، وعُرض على المسرح مسرحية لسمير غانم في 2017، وذلك قبل عرضها في مصر وهي «سيبوني أغني»، وعروض أخرى منها مسرحية «صبّح صبّح» لمحمد سعد، ومسرحية سعودية شاركت فيها مي كساب اسمها «سوبر كيوت».

هذا أبرز ما نشاهده على السطح، وكله يبدو غير ذي وزن كبير، فالسعودية تستقطب وتستضيف الجميع لإقامة العروض الفنية في بلادها للترويج لانفتاحها؛ المملكة في نسختها الجديدة، سعودية محمد بن سلمان. ولكن هذا الانفتاح بدأ يتحوّل إلى كابوس للآخرين بعد ظهور بوادر سيطرة جديدة للمال السعودي على المجال الفني، بعد عدة مجالات أخرى. وتوحي المؤشرات أن عام 2019 سيصبح عام الإنتاج  الفني السعودي سواء العلني أو الخفي، أو بكلمات أخرى سيخضع شطر كبير من الترفيه في المنطقة لأوامر ورعاية تركي آل الشيخ.

في هذا التقرير نحاول الإجابة على عدة أسئلة لقراءة مشهد دخول السعودية إلى عالم الفن في المنطقة من أكثر من زاوية، ودور تركي آل الشيخ تحديدًا في هذا المشهد.

من أين ظهر تركي آل الشيخ؟

انتبه الجمهور المصري إلى تركي آل الشيخ بسبب خلافاته الكروية الشهيرة مع النادي «الأهلي» وشرائه لنادي «بيراميدز»، ومؤخرًا بسبب قصة زواجه من آمال ماهر وكتابة كلمات بعض أغاني عمرو دياب، ولكن الرجل الذي يُعرِّف نفسه بأنه «مُحِبّ لمصر»، لديه هوس واضح بالحركة الفنية في مصر وأهدافًا وخططًا لم تتضح كل معالمها بعد، ولا يعرف أحد الأهداف البعيدة لتركي آل الشيخ الذي كان في الأساس نقيبًا سابقًا بالداخلية السعودية، وعمل في مكاتب وزارة الدفاع والداخلية ومتزوج من ابنة نائب وزير الداخلية بالسعودية والمستشار بالديوان الملكي ناصر بن عبد العزيز الداوود.

كانت نقطة التحوّل في حياة تركي آل شيخ عمله في مكتب ولي العهد وصداقته مع محمد بن سلمان وتعيينه مستشارًا للديوان الملكي، والذي دفعه لتحقيق رغباته الفنية وأهدافه الخاصة، وكانت البداية الفعلية، كما تكشف بعض المصادر، من خلال الموسيقار صلاح الشرنوبي الذي أقنعه بكتابة الأغاني في 2014 في أغنية «يا أجمل العالم» لكاظم الساهر، وانطلق بعدها بكتابة أغنية «لو كان بخاطري» لآمال ماهر وراشد الماجد وإنتاجها تحت اسم مستعار «واحد» بعد زواجهما سرًا.

ومنذ 2018، أصبحت معظم إنتاجات شركة «روتانا» تحمل توقيعًا لتركي آل الشيخ، ويتحمل هو تكلفة إنتاج الأغاني التي يكتبها إذا كانت خارج شركة «روتانا»، وبحسب المصادر، فهو المنتج الخفي مثلًا لألبومات عمرو دياب «معدي الناس» (2017)، و«كل حياتي» (2018)، والمنتج الخفي لألبوم آمال ماهر الأخير «أصل الإحساس» (2019)  تحت مسمى شركة «فيولين» التي لا يوجد لها إنتاجات سابقة، وأنتج باسمه أيضًا أغاني لأصالة («أغنية الحقيقة»)، وأنغام.

يمتلئ الوسط الفني في مصر بأحاديث النميمة عما يفعله تركي آل الشيخ وتحكماته وسيطرته وهداياه الباهظة، وتردد أنه يدفع مبالغ مالية كبيرة لمَن يغنّي من كلماته، وهو الأمر الذي تحدث عنه الإعلامي محمد الغيطي من قبل في برنامجه «صح النوم»، عام 2017، حين قال إنه دفع لعمرو دياب مليون دولار مقابل أغنية «برج الحوت».

وكان آخر ما ظهر إلى العلن معاقبة آمال ماهر بعد طلبها الطلاق بمنع إذاعة أغانيها أو نشر أخبارها في الصحف أو استضافتها أو التعاون معها، بل حذف بعض أغانيها من «يوتيوب» وحجب موقع «في الفن» لأيام بسبب نشره خبر خلافاته معها، وسحب بعض أغاني ألبومها الأخير لصالح أنغام وأصالة، حتى أن أغنية أصالة «الحقيقة» كُتبت خطأ باسم آمال ماهر على «يوتيوب» قبل تدارك الخطأ.

تامر مرسي و«إعلام المصريين» وآل الشيخ

في الفترة الماضية خطت «إعلام المصريين» ورئيسها تامر مرسي خطوات بعيدة في احتكار سوق الدراما المصري، نتج عنها واحدة من أعنف الأزمات التي عصفت بالسوق الدراما الفترة الماضية. لكن يبدو أن البال لن يهنأ لتامر مرسي لأن عين تركي آل الشيخ على الشركة.

تحدثنا مع مصدرين يعملان بمجال الإنتاج الدرامي، وأكدا وجود مفاوضات لدخول آل الشيخ كشريك في إعلام المصريين، لكن هناك بعض الاختلاف في ما آل إليه مسار تلك المفاوضات.

يقول المصدر الأول إنه كانت هناك مفاوضات للحصول على نسبة 51% منها والإطاحة بتامر مرسي، الذي على عداء شخصي وعلني معه، إلا أن المفاوضات فشلت بسبب رفضه الحصول على نسبة 45% فقط، لذلك قرر منافسة «إعلام المصريين»، وأكد المصدر أن «آل الشيخ توعّد بالنص تامر مرسي بخطف كل النجوم منه وإجبارهم على عدم التعاون معه».

كان لتعثر المفاوضات العديد من التبعات، حيث أخذ تركي آل الشيخ عددًا من القرارات أراد بها  إعلان قوته على الساحة. كانت أول هذه القرارات خطف عمرو أديب من «إعلام المصريين» لصالح قناة «mbc مصر». وذكر المصدر أن طريقة تصوير فيديو تعاقده مع عمرو أديب والتأكيد على أنه أغلى إعلامي عربي، وجملة «اللي بعده» كان المقصود بها تامر مرسي.

وتبع ذلك القرار الإنتاج لدينا الشربيني من خلال دخول آل الشيخ شريكًا من الباطن مع mbc بدلًا من «سينرجي» التي دخل معها شريكًا من الباطن أيضًا العام الفائت في إنتاج مسلسل «مليكة»، بل ومقاطعة عمرو دياب لصديقه تامر مرسي وإنهاء تعاقداتهما المستقبلية، وكشف المصدر عن منع تامر مرسي لنجوم شركته مثل مصطفى شعبان وياسر جلال وغيرهما من الظهور مع عمرو أديب في برنامجه «الحكاية» بسبب هذه القصة.

وأكد المصدر أن تركي آل الشيخ هو سبب عودة جمال العدل للإنتاج هذا العام بعد أن أكّد بنفسه أنه لن يشارك في سباق الموسم الرمضاني. فعندًا في تامر مرسي دعم آل الشيخ شركة «العدل جروب» واتفق معها على المشاركة في إنتاج مسلسلي يسرا ونيللي كريم الجديدين وعرضهما على قناة «sbc» السعودية في رمضان، بجانب عرض مسرحية شيريهان الجديدة، واتفاقات فنية أخرى.

هذا بينما أكّد المصدر الآخر عمل في مجال الإنتاج الإعلامي أن تركي آل الشيخ أصبح شبه مشارك في شركة «إعلام المصريين»، وأن المفاوضات انتهت باقتناعه بالحصول على نسبة 45% مقابل عدة امتيازات مثل الإطاحة بتامر مرسي فيما بعد، وهو ما يفسر اجتماعه، في يناير الماضي، مع الرئيس السيسي في الفترة الأخيرة وتأكيده على الحصول على ضمانات من الدولة بالاستثمار في مصر. وقال المصدر إن شركة «إعلام المصريين» تعاني من أزمات مالية كبيرة وتحتاج لدعم آل الشيخ لاستكمال خطتها الإنتاجية هذا العام والتي لن تتم إلا بدخوله شريكًا في الإنتاج.

في يناير 2019، نشرت مواقع إخبارية صورة لقاء جمع بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس هيئة الترفيه السعودية.

من ناحيته أكّد المصدر على خطوات آل الشيخ في عناده مع «إعلام المصريين»، وذكر مثالًا عن دعمه لغادة عبد الرازق وإنتاج مسلسل لها هذا العام، بعد أن تأكد استبعادها من خطة الشركة وهجومها على تامر مرسي في وقت سابق. وأكد أن تركي آل الشيخ تدخل لإنهاء تعاقد عادل إمام مع تامر مرسي كشريك في التسويق والإنتاج مع شركة «ماجنوم» لابنه رامي إمام هذا العام، ودخل شريكًا في الإنتاج وتعاقد على عرض المسلسل في السعودية أيضًا.

وقال المصدر إن هجوم الإعلامي أسامة كمال -غير المباشر- في برنامج «مساءdmc» كان جزءًا من مناورات الصفقة والمفاوضات، وبإيعاز من المخابرات المسيطرة على القناة، وذلك بسبب عدم رضا بعضهم عن تصرفات آل الشيخ في مجال الرياضة ومعاداته للنادي الأهلي ودعمه لمرتضى منصور، رئيس نادي الزمالك، والذي طلب منه بعض المسؤولين عدم دعمه وزيارته في النادي مرة أخرى، وهو ما يفسر تراجع تركي  الشيخ مؤخرًا عن معاندة اتحاد الكرة والأهلى وكتابته تدوينة يعلن بها احترامه لقرارات الإتحاد والتعاون لحل الأزمة بينهما.

وأنهى المصدر حديثه قائلًا إن الفترة المُقبلة ستشهد إعلان دمج بعض الشركات ومنها «إعلام المصريين» بعد إتمام الصفقة نهائيًا، وهي سر التدوينة التي كتبها تركي آل الشيخ حول تنفيذه لفكرة دمج بعض الشركات من شخصيتين سعودتين وشخصية مصرية، وأوضح المصدر أن الشخصية المصرية التي يقصدها هو حمادة إسماعيل، صديق تركي المقرب وممثله في مصر والذي يعمل كمستشار فني لبعض النجوم أيضًا. وأكد أنه سيكون له دور كبير في الإنتاج في الفترة المقبلة وربما بدلًا من تامر مرسي.

من ناحيته، وفيما يبدو ردًا من تامر مرسي، فإن مسلسلات شركة «العدل» التي يدعمها آل الشيخ، تتعطّل أثناء تصويرها، بحجج مثل عدم الحصول على التراخيص اللازمة، وهو ما يبدو أمرًا غير مفهوم، بالنسبة لنجوم مثل نيللي كريم وغادة عبد الرازق، بما قد يؤخرهم للحاق بالموسم الرمضاني.

تغريدة نشرها تركي آل الشيخ، حول تغيرات متوقعة في سوق الإنتاج المصري.

«mbc» و«art» وروتانا: الجميع في خدمة هيئة الترفيه ورئيسها

قديمًا كانت تدخلات الخليج في الفن عبارة عن محاولات فردية لرجال أعمال مثل مالك قنوات «art» صالح كامل، أو «mbc» للوليد الإبراهيم، و«روتانا» للوليد بن طلال منذ التسعينيات إلى الآن، وسيطرت هذه الكيانات في السنوات الأخيرة على معظم الإنتاجات والحركة الفنية عربيًا. ولكن بطريقة هادفة للربح والتنافسية، لذلك لم يقتصر نشاطها على منطقة الخليج أو تحويل كافة الأنشطة الفنية إلى السعودية، وإنتاج أعمال ترفيهية لبنانية والاستثمار في الاستديوهات ببيروت لـ«mbc»، وشراء التراث السينمائي المصري والإنتاج الموسيقي من «روتانا».

ولكن الجديد أن هذه الكيانات باتت مؤخرًا أقل استقلالًا، وباتت لتركي آل الشيخ يدًا متمكنة في قراراتها، وسخّرها لخدمة أهداف هيئة «الترفيه» التي يترأّسها، بحيث يتحوّل مُلاّكها إلى أشباه موظفين يتلقون التعليمات علنًا، كما ظهر في المؤتمر الأخير لتركي آل الشيخ -خاصة بعد حادث فندق «الريتز كارلتون» الشهيرة في 2017- والقبض على الثلاثي؛ صالح كامل، والوليدين بن طلال والإبراهيم وتردد إجبارهم على التنازل عن حصصهم بـ «روتانا» و «mbc» لصالح تركي آل الشيخ، وهي الخطوة التي مهدت للأخير تولّي منصب رئيس هيئة «الترفيه» وأصبح رأس حربة الانفتاح السعودي، على عكس ما اعتقده البعض أن توليه هذا المنصب هو عقاب له، أو تقليل من نفوذه.

لم تؤكد المصادر داخل «روتانا» و «mbc» امتلاك تركي آل الشيخ لأسهم بالفعل في الشبكتين، لكن الأكيد أن الكلمة الأولى أصبحت له منذ حادث «الريتز كارلتون». ويظهر ذلك في عدة دلائل كتدخله المباشر في التعاقد مع مطربين للشركة، أو غلق برامج، أو توجيه أوامر علنًا للوليدين؛ بن طلال والإبراهيم، مثل تدخله مؤخرًا لإعادة عمرو دياب إلى «روتانا» وإنهاء الخلافات القضائية بينهما، وتدخله لوقف برنامج «Et بالعربي» بسبب تقرير عن علاقته بآمال ماهر، أو في كتابة كلمات الأغاني بطريقة شبه إجبارية لنجوم الشركة.

منذ «الريتز كارلتون» وسيطرة تركي آل الشيخ على «روتانا»، أصبحت صناعة الموسيقى في المنطقة تحت سيطرته بالكامل، وظهر ذلك في التوسع المفاجئ والكبير للشركة في التعاقدات مع المطربين، فمنذ 3 سنوات مثلًا كانت الشركة تعاني من انفصال المطربين عنها وزيادة الخلافات القضائية مع عدة أسماء لأسباب مختلفة منهم عمرو دياب وشيرين عبد الوهاب ونجوى كرم ونوال الزغبي وغيرهم.

أيضًا شهد العام الماضي عودة جديدة للشركة بطريقة مختلفة من خلال احتكارها مهمة توزيع وتسويق الألبومات إلكترونيًا أو في الأسواق في منطقة الخليج بالكامل، وفي احتكار خريطة الحفلات في السعودية والإمارات والكويت ومنطقة الخليج. مما دفع معظم المطربين إلى التراجع عن مواقفهم والعودة للشركة لتجنب مقاطعتهم في الخليج.

السعودية في مواجهة «يوتيوب»: صراع التوزيع الإلكتروني القادم

وبالتوازي مع اتجاه «روتانا» للتعاقد مع جميع النجوم سواء للإنتاج أو التوزيع، تسعى الشركة حاليًا للسيطرة على سوق الديجيتال واحتكاره، بسحب البساط من «يوتيوب»، والاستحواذ على كيانات جديدة، تستطيع احتكارها،  مثل استحواذها على تطبيق «ديزر» الشرق الأوسط، وشراكتها مع تطبيق «هاواي ميوزك»، ولأول مرة تطرح ألبومات وأغاني هذا العام على التطبيقين قبل «يوتيوب»، تمهيدًا لتهميشه تمامًا كما حدث مع تطبيق «أنغامي» الذي سحبت منه الشركة معظم أعمالها وأرشيفها لصالح تطبيق «ديزر» الذي صار للوليد بن طلال حصة فيه.

وفوق كل ذلك أبرم تركي آل شيخ تعاقدًا مع أبرز منظم حفلات في مصر وهو وليد منصور، كخطوة لدخول «روتانا» كمنظم حفلات في مصر أيضًا، وفي نفس التوقيت تعاقد مع آخر شركتين إنتاج في مصر «فري ميوزك» لنصر محروس و «عالم الفن» لمحسن جابر، والذي يمتلك حقوق أرشيف أغاني أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وتراث شركة «صوت الحب».

بهذه التعاقدات أصبح الماضي والحاضر والمستقبل في يد شركة «روتانا» و«هيئة الترفيه»، وبجانب أرشيف شركة روتانا السينمائي والموسيقي أضيفت إليه أرشيف شركة «صوت الحب» و«عالم الفن»، وأضيفت إليه سوق الحفلات وإنتاج وتوزيع الألبومات على كل المنصات الرقمية. وبشكل أدق  أصبحت «روتانا» هي الجهة المسئولة عن الموسيقى عربيًا، و «mbc» هي الجهة المسؤولة عن الدراما والسينما عربيًا.

استديوهات mbc

كانت شبكة قنوات «mbc» في الماضي الوجه الترفيهي الأبرز في السعودية والخليج، وتوسعت المجموعة للمنافسة في السوق المصري من خلال «mbc مصر» واستخدمت لبنان لإنتاج البرامج الترفيهية من خلال استديوهاتها هناك، وأبرزها برامج «arabs got talent» و«the voice» و «arab idol» وغيرها من برامج المسابقات، وتغيّر الحال أيضًا بعد دخول تركي آل الشيخ والهيئة التي يترأّسها في سياستها وتردد أنباء عن نية المملكة امتلاك 60% من أسهم القناة.

وكانت أولى القرارات، في المرحلة الجديدة، تحويل هذه البرامج إلى نسخ سعودية فقط، والانسحاب تدريجيًا من لبنان مقابل التصوير في السعودية، وبالطبع استقدام نجوم مصريين لتقديم برامجهم هناك كمحمد هنيدي الذي سيقدم برنامج مسابقات باسم «الحصن» مع فنانين سعوديين.

انسحاب السعودية من لبنان، صاحبه اتجاه جديد بالتوسع في العراق ودبي بإنشاء قناة جديدة موجهة للسوق العراقي « mbc العراق»، وإنشاء استديوهات جديدة للمجموعة في دبي بمشروع «mbc studios» ومهمته إنتاج الأعمال الدرامية والسينمائية العربية الجديدة، والمتوقع أن يصبح بديلًا لمواقع التصوير في الأردن ومصر ولبنان، وموقع تصوير أعمال هيئة «الترفيه» المرتقبة بعد تعاقدها مع شركة «صادق الصباح» اللبنانية للمشاركة في الإنتاج، ومع عدد من الممثلين المصريين للمشاركة في أعمال مع زملائهم في السعودية في الفترة المقبلة.

وكما فعلت «روتانا» تفعل «mbc» التي تمتلك تطبيق «شاهد» لعرض الأعمال الدرامية على المنصات الرقمية في منافسة «يوتيوب» و«نتفلكس» أيضًا، وتسعى للاستحواذ على سوق العرض الإلكتروني من خلال عرض أعمال «mbc studios» الجديدة وشراء حقوق عرض الأعمال من الإنتاجات الأخرى. وتكشف مصادر أن تطبيق «شاهد» قد يستحوذ أيضًا على أرشيف الدراما المصرية على «يوتيوب» في السنوات الأخيرة لعرضه حصريًا، وستلجأ قنوات لحذف أو عدم عرض مسلسلاتها على «يوتيوب» ببيعها لـ«شاهد»، كما حدث مع برنامج «أبلة فاهيتا» بحذف أرشيفه على «يوتيوب» تمهيدًا لبيعه، مع احتمالية أن تتحول خدمة «شاهد» من مجانية إلى مدفوعة.

لم تتضح خطة السعودية في الإنتاج الدرامي والسينمائي حتى الآن، ولكن الأهداف المعلنة رسميًا تقضي بإنتاج أعمال فنية سعودية بمشاركة ممثلين عرب، وتعرض أولًا في المملكة، من خلال جهات إنتاج كـ«mbc»  وشركاتها و«صادق الصباح» التي تنتج هذا العام مسلسلات لأحمد السقا وعلي ربيع وحمادة هلال لصالح القناة، وشركات أخرى مثل«o3»، التابعة لـ «mbc»، بجانب التعاقد مع شركة «العدل جروب» مؤخرًا، مع توقعات بانضمام «إعلام المصريين» لهذه المجموعة، وفي المقابل جهات عرض جديدة كقناة sbc السعودية التي دخلت المنافسة العام الماضي بعرضها مسلسلات مصرية لأول مرة مثل «أرض النفاق» لمحمد هنيدي وغيره.

2019 عام  المسرح السعودي

تسبب اهتمام السعودية بالمسرح في انتعاشة غير متوقعة للمسرح في مصر، لم تفهم دوافعها وأسبابها في البداية قبل أن تتضح بإعلان الجهات الممولة لهذه الأعمال المسرحية الباهظة وعلى رأسها مشروع «كايرو شو» بتمويل سعودي وإشراف تركي آل الشيخ، وتنتج الشركة عروضًا مسرحية طوال العام في مصر والسعودية بدأتها بمسرحية محمد هنيدي «3 أيام في الساحل»، وأعمال أخرى ليحيى الفخراني وأشرف عبد الباقي ومحمد سعد وعادل إمام وشيريهان وغيرهم.

وتشير التوقعات والمصادر إلى أن السعودية في طريقها لتدشين مهرجان سينمائي جديد في الرياض، ربما يكون بديلًا لمهرجان «دبي السينمائي»، الذي أعلن في ظروف غامضة توقفه جزئيًا. وهناك مهرجان بالفعل بعنوان «مهرجان أفلام السعودية»، وتُقام دورته الخامسة هذا العام، وهو الأقرب ليصبح المهرجان الرسمي للمملكة، مع وجود مهرجانات فنية أخرى كـ«مهرجان الكوميديا الدولي».

واتضحت خريطة المهرجانات الموسيقية في السعودية بما يُقارب 4 مهرجانات ضخمة: «مهرجان أبها الغنائي»، «مهرجان شتاء طنطورة»، «مهرجان شتانا ترفيه» وأخيرًا المهرجان الجديد؛ «مهرجان الشعبيات- ليالي المحروسة» الخاص بالأغاني الشعبية المصرية، وتعاقَد تركي آل الشيخ بالفعل مع نجوم هذا المجال بداية من أوكا وأورتيجا إلى عبد الباسط حمودة وحكيم وسعد الصغير وغيرهم. وإلى أن تفتتح دار الأوبرا السعودية والتي بالطبع سيكون لها دور كبير آخر في سوق الحفلات عربيًا.

كل التطورات والخطوات التي تأخذها السعودية نحو الانفتاح والترفيه تشير إلى احتكار محتمل لجميع عناصر السوق الفني في مصر والبلاد العربية من كل اتجاهاته، خاصة مع الظروف الصعبة التي يعيشها السوق في مصر باحتكار شركة «إعلام المصريين» لسوق الدراما بإنتاجات قليلة وتنحصر على مجموعة قليلة من الفنانين، لذلك فهي لا تمثّل تهديدًا، أو منافسة لعملاق الترفيه القادم، خاصة مع وجود شخص مثل تركي آل الشيخ أثبتت التجارب أنه لا يتوقّف عن إخضاع الجميع تحت رايته، وإخراجهم بالصورة التي يُريدها كما حدث -مؤخرًا- باصطفاف النجوم المصريين أمامه للتوقيع واحدًا تلو الآخر على مذكرات التفاهم أو التعاقد، ومن قبلها تاريخ كبير في محاولات رجل الترفيه في تنفيذ سياسات المملكة بجانب أهوائه الشخصية.

اعلان