نجاحات وإخفاقات.. دليلك لفهم تطورات الدين الخارجي
 
 

بعبارات مفعمة بالفخر من قبيل «عودة مصر لسوق السندات الدولية» و«ثقة المستثمرين الدوليين (الدائنين) والمؤسسات المالية في قدرة وإمكانيات الاقتصاد المصري»، وصفت وزارة المالية اقتراضها أربعة مليارات دولار عبر سندات دولية قبل أسبوعين، لكن هذا الطرح في حد ذاته يعني ببساطة «زيادة أخرى للدين الخارجي مما يضع موازنة الدولة تحت رحمة الاتجاهات النقدية العالمية، ومخاطر تقلبات أسعار العملات الأجنبية» بحسب مذكرة بحثية صادرة عن شركة شعاع للأوراق المالية.

وبصورة عامة يزداد الاعتماد على إصدار السندات الدولية كآلية من آليات الاقتراض الخارجي خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يتضح من ارتفاع نسبة السندات الدولية إلى إجمالي الدين الخارجي، من 10.3% في يونيو 2015، إلى 15.4% في يونيو 2018، وفقًا لتقرير الوضع الخارجي للاقتصاد المصري، الصادر عن البنك المركزي.

وكانت مصر قد استأنفت الاقتراض الخارجي من أسواق السندات الدولية في يونيو 2015، الذي شهد أول إصدار للسندات الدولية منذ أبريل 2010، ثم تسارع معدل الاقتراض بهذه الآلية ليصل إلى ستة إصدارات إضافية من نوفمبر 2016 إلى نوفمبر 2018.

وبناءً على ذلك ارتفع الرصيد القائم من السندات الخارجية بنسبة تزيد على 200% ما بين نهاية يونيو 2015 ويونيو 2018، تبعًا لتقرير الوضع الخارجي للاقتصاد المصري.

وتبعًا لنائب وزير المالية للسياسات المالية، أحمد كوجك، فإن «هذه السندات الدولارية بمثابة آلية من آليات التمويل، وميزتها أنها تساعد الحكومة في تنويع مصادر التمويل بدلًا من الاقتصار على السوق المحلية فقط، وبما يساعد على خفض التكلفة (تكلفة الفائدة في الأسواق الدولية مقارنة بالمحلية)»، كما جاء في بيان وزارة المالية.

وبالرغم من أن تكلفة الفائدة على تلك السندات تقل بوضوح بالفعل عن تكلفة إصدارات الدين الداخلي (أذون وسندات الخزانة المحلية)، إلا أن الإصدار الجديد للسندات الدولية شمل في المقابل تكلفة للفائدة أعلى مما أصدر من نفس الأداة في العام الماضي.

ويوضح الشكل التالي مستوى سعر الفائدة -والذي يمثل العائد بالنسبة للمستثمر- على الإصدار الأخير من السندات الدولية، مقارنة بثلاثة إصدارات سابقة. ويتضح من الصورة ارتفاع مستوى الفائدة على السندات الجديدة مقابل تلك الصادرة في فبراير من العام الماضي، وذلك بالنسبة لمختلف آجال السندات. فقد سجلت السندات الجديدة لأجل 30 سنة فائدة قدرها 8.70%، مقابل فائدة تقل عن 8% سجلتها سندات فبراير الماضي، فيما سجلت السندات الجديدة لأجل 10 سنوات فائدة قدرها 7.6% مقابل فائدة تقل عن هذا المستوى بواحد بالمئة تقريبًا في سندات العام الماضي. كما سجلت السندات الجديدة المستحقة خلال 5 سنوات فائدة قدرها 6.2% مقابل 5.5% تقريبًا العام الماضي.

المصدر: شعاع للأوراق المالية ووزارة المالية

التزامات أطول.. تكلفة أعلى

عمر الشنيطي، المدير التنفيذي لمجموعة مالتيبلز للاستثمار، يقول إن هذا الارتفاع الواضح في الفائدة يرجع في المقام الأول إلى «المتغيرات في الأسواق النقدية خلال السنة الماضية»، في إشارة إلى أزمة أسعار الفائدة العالمية.

وشهد عام 2018 ارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات المتقدمة، الأمر الذي أدى إلى تراجع الاستثمارات في الديون في الأسواق الناشئة ومن ضمنها مصر، ما أدى بدوره إلى تسابق الأخيرة على رفع أسعار الفائدة لديها في محاولة لاستعادة والإبقاء على الاستثمارات في أسواق الدين فيها، إلا أن ذلك لم يمنع في النهاية انخفاض استثمارات الأجانب في أذون الخزانة المصرية، لتحقق نحو 6.5 مليار دولار في عام 2017/2018 مقابل عشرة مليارات دولار في العام السابق، وصولًا إلى المزيد من التراجع في الربع الأول، لتصل إلى صافي خروج لاستثمارات الأجانب في أذون الخزانة قدره 3240.3 مليار دولار، تبعًا لبيانات البنك المركزي.

لكن ما سبق يمثل تأثير أزمة الفائدة على الدين الداخلي المصري، في حين أن الشنيطي يلفت النظر إلى تأثير تلك الأزمة أيضًا على الدين الخارجي.

وبصورة عامة، تشهد تكلفة خدمة الدين الخارجي -أقساطه وفوائده- كنسبة إلى الصادرات من السلع والخدمات، ارتفاعًا واضحًا منذ عدة سنوات. فعلى سبيل المثال، ارتفعت تكلفة خدمة الدين الخارجي كنسبة إلى الصادرات من السلع والخدمات من 12.7% في يونيو 2015، إلى 14.6% في يونيو 2016، ثم إلى 19.7% في يونيو 2017، وصولًا إلى 28% في يونيو الماضي.

وفي المقابل، تسعى وزارة المالية عمومًا إلى رفع آجال الدين وزيادة الاعتماد على الدين طويل الأجل، وخفض نسبة الدين قصير الأجل إلى إجمالي الدين الخارجي، بحسب نائب وزير المالية للسياسات المالية في مقابلة مع بلومبرج.

ويمثل الإصدار الأخير للسندات نموذجًا واضحًا على هذا التوجه، إذ شمل ثلاث شرائح متعددة الآجال: 5 سنوات، و10 سنوات، و30 سنة، بقيمة: 750 مليون دولار أمريكي، 1.75 مليار دولار أمريكي، و1.5 مليار دولار أمريكي على التوالي، وهو ما يمثل تراجعا في الاعتماد على الآجال الأقصر قياسا للإصدار السابق، الذي شمل ثلاث شرائح بنفس الآجال بقيمة: 1.25 مليار دولار، 1.25 مليار دولار، و1.5 مليار دولار على التوالي.

ويظهر الجدول التالي تطور تركيب الدين الخارجي من حيث آجال السداد خلال الفترة الممتدة من 2014/2015 إلى 2017/2018. ويتضح من الشكل أن العام المالي الماضي -2017/2018- شهد للمرة الأولى خلال تلك السنوات الأربع، ارتفاع نسبة الدين الخارجي طويل الأجل إلى إجمالي الدين الخارجي.

2014/20152015/20162016/20172017/2018
الدين طويل الأجل65.6%58.1%61.7%74.5%
الدين متوسط الأجل29%29.3%22.8%12.2%
الدين قصير الأجل5.4%12.6%15.5%13.3%

المصدر: تقرير الوضع الخارجي للاقتصاد المصري الصادر عن البنك المركزي المصري

ويرى الشنيطي أن «هناك علاقة واضحة ما بين ارتفاع أسعار الفائدة، وارتفاع آجال سداد الدين الخارجي عمومًا… فالسياسة الحالية هي طرح إصدارات أطول أجلًا لتمويل التزامات [مديونيات] أقصر، وهو ما ينعكس إجمالًا على آجال الدين الخارجي… لكن في المقابل يتضمن هذا التوجه رفع تكلفة الدين الخارجي إجمالًا، بما يتضمنه من فائدة أعلى قياسًا إلى الفائدة على الآجال الأقصر… ما يعني أن زيادة الاعتماد على الآجال الأطول ستتضمن ارتفاعًا إضافيًا في تكلفة خدمة الدين».

للحقيقة عدة وجوه

بصورة عامة، واصل الدين الخارجي ارتفاعه منذ عدة سنوات، ليصعد من 48.063 مليار جنيه في 2014/2015، إلى 92.644 مليار جنيه في 2017/2018. وتبعًا لبيانات تقرير الوضع الخارجي للاقتصاد تمثل المملكة العربية السعودية أكبر الدول الدائنة لمصر عبر ودائعها لدى البنك المركزي البالغة 7.5 مليار دولار، وتليها ألمانيا، بمديونية قدرها 6.9 مليار دولار، ثم الإمارات عبر وديعة قدرها 5.9 مليار دولار، تليها الكويت بوديعة قدرها أربعة مليارات دولار. فيما تشكل المديونية للمؤسسات الدولية النسبة الأكبر من الدين الخارجي، التي تصل إلى 30.67%. ويتصدر صندوق النقد الدولي قائمة تلك المؤسسات عبر مديونية تتجاوز -في يونيو الماضي- 9.3 مليار دولار، ويليه البنك الأوروبي لإعادة الإعمار عبر مديونية تتجاوز تسعة مليارات دولار.  

لكن ومن ناحية أخرى، يبدو وأن الحكومة قد نجحت بعض الشيء في تخفيض حجم الدين الخارجي كنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي.

ويظهر الشكل التالي تطور حجم الدين الخارجي كنسبة من الناتج المحلي. بما يتضمن انخفاض تلك النسبة إلى 37.2% في يونيو الماضي قياسًا إلى 41.1% في يونيو من عام 2017، التي كانت قد مثلت ارتفاعا قياسيًا لتلك النسبة التي لم تتجاوز 15% عام 2014/2015.

المصدر: وزارة المالية

وكان كوجك قد قال لـ «مدى مصر» في تقرير سابق إن حكومته تستهدف خفض تلك النسبة إلى 30% عام 2022.

لكن الشنيطي يرى في المقابل أن انخفاض حجم الدين الخارجي للناتج المحلي الإجمالي ليس معيارًا دقيقًا على تحسن وضع الدين الخارجي، «لسبب بسيط، هو أن قياس الدين الخارجي للناتج المحلي يعني قياس حجم الدين الخارجي بالجنيه المصري، ثم قياسه إلى الناتج المحلي بالأسعار الجارية -أي متضمنًا معدل التضخم- وهو ما يعني أن ارتفاع معدل التضخم يكفل رفع الناتج المحلي في هذه المعادلة، ما يعني بدوره انخفاض نسبة الدين الخارجي للناتج المحلي، على نحو قد يجعل من هذه النسبة أمرًا مضللًا».

وفي المقابل، يرى الشنيطي أن المعيار الأدق هو قياس خدمة الدين الخارجي بالعملة الأجنبية كنسبة إلى العائدات بالعملة الأجنبية. وبهذا المعيار تكون نسبة الدين الخارجي من المتحصلات الجارية قد شهدت ارتفاعًا من 8.5% في يونيو 2015، إلى 17.7% في يونيو 2018، تبعًا لبيانات وزارة المالية.

اعلان
 
 
بيسان كساب