خدعة بيير سيوفي أول عام في غيابه

مرّ عام على رحيلك، عام على كتابة هذا النص أيضًا، أفرج عنه اليوم، ليُفرج عني.

جاء الصيف مُتعجلًا هذا العام، يمكن أن يكون الشتاء راحت عليه نومة، وأُلغت كل المواعيد في اللحظات الأخيرة. الصباح ساخن أكثر من المعتاد، يوم أحد نصف صاخب، أول أيام أسبوع العمل، ترتاح وسط البلد، وتبدو شوارعها أروق. ويرتاح هو معها، أو هكذا أتمنى.

جاء الخبر عبر صوت باكٍ مروعٍ لسلمي الطرزي. تحملتَ نقل الخبر وهي تعتذر. لم أفهم محتوى الخبر كاملًا في المكالمة الأولى، هاتفتها من جديد لأتحقق. تركته بالأمس وبيننا اتفاق عالق، قال لي: «هقولك بكرة». لم يقل.

نزلتُ من سيارتي، التي لا أقودها بالطبع، في نصف شارع التحرير، رزعت الباب فتلف حاله ولم يُغلق، ظللت ارزعه، وظل يرد في وجهي ولم يُغلق حتى لمحنا شخص يقف على الرصيف وجاء معاونًا ليغلق الباب بعد أن أربك المشهد المرور، والواقفين على الرصيف.

وصلتُ إلى بداية «طلعت حرب»، وجدتُ باب العمارة مفرودًا كشراع، لا أعلم سببًا لذلك، هل يحتاج مروره لكل هذه المساحة؟ هل يحتاج خروجه من عمارته التي تشبهه ويشبها إلى ممر واسع؟ مَن قال افتحوا الأبواب فهو لن يعود؟

حين كان يخرج من بطن عمارته، بهذا الطول الفارع الممتد والوجه العريض المُشعِّر، يسير على رصيف طلعت حرب ليصل لقهوته الصباحية، كأنه علامة يشاهدها مُرتادي الشارع. الجميع يرتاد ميدان هو بيته، وشوارع هي خريطة طفولته وشبابه. نحن الزائرون وهو صاحب الأرض. حين يفتح لك بيير سيوفي بيته وشارعه وميدانه الذي هو قلبه فأنت آمن هنا؛ في وسط المدينة المتوحشة.

عبرتُ أخيرًا ودخلتُ العمارة، هذه السلالم المؤدية للمصعد كانت عصية عليه في أيامه الأخيرة. اعتذر عن قول «الأخيرة». حين قرأ عنوان فرعي لكتاب صديقه مكاوي سعيد: « الكتاب الأخير» تألم كثيرًا من بشاعة اللفظ. [كتاب «القاهرة وما فيها»].

«ميكي وبيير» وجودهما على مقهى البستان يقول إن الساعة العاشرة صباحًا. العلاقة المدهشة بين فنان استثنائي وكاتب ومؤرخ جسور. يجلسان والصمت كثيف بينهما، كلمات للتعليق كل فترة، الكاتب يبحلقَ في السماء دائمًا، والفنان يراقب المارة ويشخط في  هاني القهوجي ويلعب في تليفونه المحمول ويلتقط الصور. أحيانًا كثيرة يجلسان وحدهما، أحيانًا يجمعان باقي الشلة لإشعال حكاية أو يلعبوا عشرة طاولة. مع حلول الظهيرة، يتحرك ميكي بخفة نحو بيته في جاردن سيتي سيرًا على أقدامه، ويحمل بيير جسده الثقيل ويصعد إلى عمارته. مشي ميكي مبتعدًا بينما صديقه يصارع السرطان في بلاد باردة. لم يودعا بعضهما، ظننا إنهما خالفا المعاد، لكنهم اتفقا على موعد جديد ولحق الثاني بالأول في مهارة وخفة يحسد عليها أيضًا. لقد خدعونا من جديد.

ركبت المصعد مع آخرين، أصدقاء له كنت أراهم بجوار سريره في الفترة الأخيرة. عرفنا بعضنا بجواره، لم ننظر في وجوه بعضنا أثناء المصافحة الدافئة، ننظر إلى الأرض، نتابع أرقام الطوابق، أمامنا ثوان ونصل إليه.

في هذا المصعد أسمع أنفاسه المتراكمة، يركن جسده علي أحد جدرانه، ويتحدث بفم مفتوح، حتي نصل إلي الدور التاسع حيث يعيش من سنوات. يبحث في جيب بنطاله الواسع عن المفاتيح التي غالبًا يفقدها ويغضب. يفتح باب المغارة ويدخل. يرمي جسده على الكرسي ويبحث عن زجاجة الماء بيده. تهدأ أنفاسه، فيبدأ سيجارة جديدة.

بهذا النهم إلى كل شيء عاش حياته، النهم الواسع لجمع الأشياء اللافتة، النهم للطعام المطبوخ بعناية، النهم الحيّ للمشي في الشوارع. كان مشاء ًجيدًا، ربما أفضل مَن مشيت بجوارهم في الحارات الضيقة والشوارع الواسعة. علمني كيف أنظر إلى التفاصيل، تمرينات بصرية ستعيش معي وتبقى. كل ميعاد بينا يبدأ: «هـ نمشي فين انهارده؟». حتى في التمشية الأخيرة -اعذرني- حين بدأنا المشي في شارع منصور للبحث عن مطعم جديد في شارع صفية زغلول، وكنا نعلم حقيقة المرض حينها، رفضت أن نأخذ العربية. فرحتُ إنك تقاوم، وتمنيتُ أن تدخل معركتك الجديدة بنفس الحماس. تمنيتُ أن تلهمنا من جديد وتخرج منتصرًا من معركة السرطان المخيف. قلتُ هذا الكائن الاستثنائي ربما على موعد مع تجربة. لكن صدرك خذلك. أنفاسك العالقة في مصعد بيتك، أسمعها.

بيير سيوفي في واحدة من جولات المشي- تصوير: رشا عزب

خرجنا من المصعد. كنّا ثلاث سيدات. لقطة مُكبَّرة لكل ورقة من أوراق التعليمات المنثورة بجوار باب الشقة والتي تعود كلها إلى أيام الثورة الأولى، لم يمزق ورقة خلال 7 سنوات، ابقى كل شيء في مكانه.. بقيت كل الأشياء لوداعه.

فُتح الباب بسرعة غير معتادة. علي هذا الباب، كنتُ انتظر كثيرًا لوجوده في غرفة النوم البعيدة وعندما كنتُ ألّح في الجرس، أسمع صوته ينهرني من بعيد، انهره علي الباب، يفتح لي يوبخني علي الزن، أطلق اللعنات عليه وعلى كسله، ثم تبدأ جلستنا الهادئة بعد انقشاع عاصفة الزعيق المتبادل.

يفتح لنا الباب أحد أصدقائه المقربين، تنفجر الأصوات المحشرجة في عناق مأزوم. اخرج من العناق أخف قليلًا. وقفتُ في مكتبه أدقّق مكان كل شيء. هنا من أيام قليلة، هرب من غرفة النوم وحضر إلى مكتبه الممنوع من دخوله لكثرة التراب، وجلس كما يحب فوق كرسيه وجلستُ في مكاني المعتاد وبدأتُ في تنفيذ ما يريده. يطمئن على حال أطفاله، وأشيائه، وكراكيبه التي لا تنتهي. ينظر إليهم فقط. ممنوع أن يتعامل نهائيًا مع التراب.. امسك بالأشياء نيابة عنه ليراها، أنه لن يستطيع اللعب كما يريد. لمَن يعرفه فهو ممنوع عن الحياة، لن يفرد أفيش سينما. يعنف الجميع لعدم معرفتهم التعامل مع الأفيش القديم، هذا الحنان الذي يمنحه لورقة متربة بالية قبل تمزقها الأخير. لن يمسك الألوان الشمعية والخشبية بروائحها النفاذة ويلعب. الرسم لعبته السحرية، يقدر أنها موهبة عائلية عن الجد وأبو الجد. الرسم هو مفتاح أعشاشه المهجورة. الأقرب إليه وقت أن يختلي بنفسه خارج القاهرة أو خارج مصر. يأتي بحماس من كل أسفاره وأول شيء يطلعنا عليه بعد العودة هو حصاد ألعابه الكثيرة، لوحاته الجديدة. أحببتُ شخوصه المبعثرة وأفعال أبطاله الخرقاء والألوان الزاهية الراقصة بين درجات الأزرق والأحمر. لن يقوى على مجابهة دخان سيجارة. أنه يحب الدخان حبًا حقيقيًا ولا ينازعه فيه بديلًا.  لقد توقف عن ممارسة الحياة والشغف والنهم، هذه لحظة الإدراك المخيفة.

حضرتُ إلى غرفة مكتبه لأول مرة في الضجيج، والميدان يشخط فينا جميعًا، نسمع صداه ونناقش القضايا بصوت عصبي. لكن لا صوت يعلو فوق صوته في هذا المكان. فهمتُ خوف البعض وتعاملهم معه بحذر أو عدم ارتياحهم لغلاظته. لكنها القشرة، أنه يحمي قلبه فقط. حضرتُ وكان بيننا صديقنا المشترك، حضرتُ وكنا اثنان في فراغ وصمت لا نهائي.

في وداع كل جلسة مسائية كنتُ أتركه وحيدًا في نزيف الصمت. لكنه أحب هذه الحالة في بعض الأحيان، وربما ألفها أيضًا علي ما أعتقد.

كيف يمكن لهذا الحضور أن يختفي فجأة؟

رفض حتي الخروج التدريجي المعروف عن هذا المرض اللعين، الذي يمضغ أجسام البشر وأرواحهم بالتدريج حتى تحين اللحظة الفاصلة. قبل الموت، يكون كل شيء قد انتهى بالفعل. لكنه علي طريقته قرر الرحيل الخاطف وسط طوفان من خطط الأصدقاء للتعامل مع الفترة المقبلة من حياته، بعد اكتشاف السرطان. كلما ارتحنا لخطة كان بيير يدمرها دائمًا. هكذا يفعل بنا، يضرب الأرض بقدميه ويمشي وحيدًا.

استجمعتُ شجاعتي وبدأتُ رحلة الممر، من المكتب إلي غرفة النوم حيث يرقد جثمانك. كنتُ أريد التأكد أن روحك طافت تبحث عن مستقر جديد لا نعرفه جميعًا.

في الأيام العادية كنتُ أهاب هذا الممر. لا جدران عارية في هذا البيت.

يرسلني أحضر زجاجات المياه من الداخل لأنه غرق  في كومة كسل فوق كرسيه الضخم. الممر مظلم، في نهايته أنوار نيون صادرة من لوحة الاعلانات التاريخية التي تعتلي ميدان التحرير. كانت اللوحة مواجهه لغرفة نومه فترمي ضوئها الكبير علي الممر. طفولتي تعرف لوحة الاعلانات هذه بدقة، زجاجة «الكوكاكولا» المضيئة، علامتي لوصولنا التحرير بعد رحلة طويلة من المعادي في سيارة أبي.  قال لي ذات يوم إنه عاش سنوات مع «لوحة الكوكاكولا» المضيئة. أشعر بأنه قادم من هذا العالم؛ أحلام طفولتي البعيدة.

أنا الآن أقرب إلي لوحة الإعلانات التي لوحت رقبتي كثيرًا حين ارمي برأسي خارج شباك السيارة، ويأتي صوت أبي: «دخلي راسك جوه». لا أريد أن أُدخل رأسي يا أبي.

حين تعرفتُ على بيير، تبادلنا الحديث عن اللقاءات التي لم نكن فيها أصدقاء ونكتفي بمشاهدة بعضنا من بعيد لبعيد. أهديتني صورتي في ميدان التحرير عام 2006؛ وقت لم تكن تعرفني وأعرفك. وقت أن فاتني زمانك الأول، والآن لن استطيع  اللحاق بزمنك القادم.

حين شاهدتُ فيلم «المنسي» لأول مرة انتابني خوف عميق من الرجل الصامت الذي تندلع بسببه كل أحداث الفيلم. ذات يوم حكيت له هذه القصة، فَرِح بكيد، وقال: «أنا هـ قول للناس إنك كُنتِي بـ تخافِي مني». وفي مرحلتي الجامعية ذهبتُ لأشاهد مسرحية  لا أذكر اسمها في مسرح الهناجر، وجدتُه فوق المسرح بجسمه الممتد، يؤدي دور زوج يجلس فوق كرسي متحرك، ولم ينطق بكلمة واحدة أيضًا. صمت الكائنات الكبيرة مغرٍ على ما يبدو!

الممر لا يريد أن ينتهي.

الممر مزدحم دائمًا. يأتي صوتك من غرفة المكتب: «اللي مش بيعمل حاجة أو مورهوش شغل يتفضل ينزل الميدان».

نزل الجميع و لم يجدوا الميدان.

في كل مرة ادخل الممر، كأن يده الكبيرة رمت بي. أصوات صاعدة من الميدان، دوشة العمل في غرفة الطعام التي سلمتها لتصبح غرفة عمليات لفريق تعاونية «مُصِرِّين» وقت اندلاع الأحداث. الغرفة المُطِلّة علي الميدان وشرفتها التي لا تنتهي وغرفتك الشخصية.

وصلتُ إلى غرفتك الشخصية.

قبل أن تعود من اليونان، أبلغتنا بوجودك في مصر لمدة شهر واحد، ثم تعود مع رفيقتك إلى أثينا مرة أخرى. عدلتُ عن الخطة بعدما أبلغتنا ذات صباح: «لن أعود إلى اليونان». لم نسأل ولم تعلن أسباب ذلك. فهمنا جميعًا الآن.

لم تعد إلى اليونان بالفعل، عشتَ معنا شهرًا إلا يومين. لنا في محبتك يومان.

المصدر: رشا عزب

وقفتُ على الباب، لمحتُ ناس متحجرين على كراسيهم في أماكن الزوار المعتادة مقابل سريرك. رأيتُ قبل أن تغلق عيني سلمي الطرزي. اندفعنا سويًا للعناق الطويل، تخاف عيني أن تفتح علي مكانك.

قررتُ أخيرًا أن أفتح عيني لأراك نائمًا علي ظهرك للمرة الأولى. لم تكن نومتك المفضلة لأن صدرك على اتساعه لم يكن يدخله الهواء في هذه الوضعية. نام معتدلًا، وإن خالفت حياته كل معان الانضباط.

لم يكن أسطوريًا بقدر كونه بشريًا للنهاية، يحب بوضوح، أحب أُناس لا يخطرون على بالٍ للمحبة. يغضب بعنف،  ثم يعتذر بنبرة صوت منخفضة لا تليق بحجم الجعير الذي انطلق منذ ثوانٍ. يناضل لفكرته ولو كان وحيدًا وسط الجموع.

عاش حياته خارج السياق بمتعة غير مسبوقة، فنان تشكيلي لا ينتمي لكوكب الفنانين الذين يُقدر فنهم بسعر اللوحة، ممثل نوعي لا ينتمي للوسط الفني المُتزِلّف، ثوري لا ينتمي للسياسة.

علي يقين إنها خدعة، تختبئ بجسدك الكبير في مكان ما، بينما روحك تراقب ما يدور عن كثب. سوف تخرج من كل التفاصيل، لم يعد يكفيك الحضور التقليدي، حضورك الجديد يليق بك. سنفهم الخدعة الجديدة يا بيير.

هذه الكلمات ليست للنعي، لا أقوى على فعل ذلك معك. النعي لنا يا صديقي.

إنها محاولة لفرش الكلام والاطمئنان لرصيد الصحبة و إعلامك بما فاتك، كما نفعل بعد عودتك من السفر.

اعلان