بعفوية يُبدع سياسيًا

منذ نشأت السياسة، عرفنا مبدعين وفنانين التزموا بالعمل السياسي. بعضهم لوّنت السياسة حياتهم وربما مماتهم أيضًا. غير أن مبدعين آخرين مسّتهم السياسة مسًّا آخر. لم يشتغلوا بها، ولا انتموا لكيانات أو أحزاب، بل استغرقوا في أعمالهم الفنية، لكن في لحظة ما، لم يملكوا أنفسهم فاختاروا التورط في مواجهة صريحة مع السلطة؛ مواجهة تضمن لهم أذى مما يحتمله مَن كرَّسوا أنفسهم للنضال. سحرٌ ما يسوقهم نحو مصائر مؤلمة لم يقتربوا منها من قبل.

في لحظة كهذه، قريبًا من ذكرى ثورة يناير سنة 2016، قفزت فكرة صغيرة إلى ذهن شادي أبو زيد. إنها فكرة «الكوندوم» الشهيرة. بادر إلى تنفيذها كما هو معروف؛ نفخ عددًا من الكوندوم وربطها كالبالونات ووزعها على بعض أفراد الشرطة في محيط ميدان التحرير، مهنئًا بعيد الشرطة. تمّ توثيق ذلك «المقلب» الطريف في مقطع فيديو أذاعه شادي، وبدا فيه متحمسًا للغاية. كان واضحًا أن الفكرة سَحَرَتْه بطزاجتها فلم يحسب عواقبها.

مع اشتداد الهجوم عليه، رفض الاعتذار، خلافًا لصديقه أحمد مالك، الذي اختار التراجع إلى سياق الفن وحده، دون المساس بالسياسة مرة أخرى، وهو اختيار مفهوم ومُبرر. كان يمكن لشادي النجاة به لولا أنه لم يقدر على خيانة تلك اللحظة الساحرة بكل شؤمها؛ لحظة اكتشاف فكرة مدهشة، تخلق عملًا طازجًا مفعمًا بسخرية أصيلة نادرة.

تلك النشوة الخاصة تدمر أحيانًا، لكنها فيما يبدو، تستحق ثمنها، لأن آخرين شاركوا شادي النشوة ذاتها، راضين بأقدارهم. [حُبِس شادي احتياطيًا ثم توفي والده وهو في السجن، وسُمِح له بوداعه قبل دفنه، في مشهد أثار تعاطفًا جارفًا على السوشيال ميديا]. في حدود المنشور عن شادي، لم يحترف العمل السياسي، كما لم يحرص على تقديم رسائل سياسية صريحة في عمله مراسلًا في برنامج لأبلة فاهيتا، أو في الفيديوهات التي نشرها عبر قناته «المحتوى الغني»  على موقع «يوتيوب».

فور تأمّل حكاية شادي، قفزت إلى ذهني حكاية الفنان الراحل سعيد صالح.

من الذائع أن صالح سُجِن بسبب عبارة  شهيرة ارتجلها في إحدى مسرحياته هي: «أمي اتجوزت تلات مرات…الأول وكّلنا المش، والتاني علمنا الغش، والتالت لا بيهش ولا بينش». فهم الجميع أن المقصود هم رؤساء مصر: عبد الناصر، فالسادات، ثم مبارك، مما ألقى بصالح  في السجن، انتقامًا. غير أن بلال فضل في برنامجه «الموهوبون في الأرض» يتقصّى الأمر [استنادًا إلى أوراق القضية التي ضمّها كتاب «نجوم وراء القضبان» لرشاد كامل، ولم أعثر على نسخة منه]، مثبتًا أن سجنه كان لسبب اشتُهر به دائمًا: الخروج على النص.

كان صالح معروفًا بسرعة البديهة وخفة الدم التي سمحت له دائمًا بالارتجال الطريف في مسرحياته، وكان يفتخر بذلك في معظم لقاءاته التلفزيونية المُتاحة على «يوتيوب»، ويبرره بأن المسرحيات التي يقدمها مترجمة عن لغات أوروبية، وما يُضحك الأوروبيين لا يُضحك المصريين؛ لذلك كان يعايش الشخصية ويلوّنها على المسرح حتى يألفها المصريون ويضحكوا منها.

في ديسمبر 1981، قدم صالح مسرحيته «لعبة اسمها الفلوس»، فكتب مفتش الرقابة في تقريره أنه خرج، وكذلك زميله سعيد طرابيك، عن نص المسرحية في مواضع لا تكاد تمثل تجاوزًا، مثل وصف نفسه بـ «ابن العبيطة»، وقوله لبطلة المسرحية «مدّي بوزك على بوزي..»، واختتم المفتش تلفيقاته باتهام صالح بخلع بنطلونه استجابة لإغراء البطلة، وهو ما لم يحدث. وبناءً على محضر الرقابة أُحيل صالح وطرابيك ومدير المسرح إلى المحاكمة في فبراير 1982، وحُكم على صالح بالسجن ستة أشهر مع تغريم كل منهم 50 جنيهًا. بعدها قُبِل نقض القضية، وأُعيدت محاكمتهم فانتهت ببراءتهم.

لكن العبث يستمر؛ فمع انتقال المسرحية إلى الإسكندرية، تتكرر اتهامات الرقابة على المصنفات الفنية، وتصل إلى تحريك محضر ضد صالح، فيتحوّل إلى قضية، يقف خلالها مدير الرقابة متهمًا صالح أمام المحكمة بالخروج على النص والتعرض للقيم الدينية.. هكذا قرر المستشار محمد بدر حبس صالح 7 أيام على ذمة القضية. سيتحدث ذلك المستشار عن تلك القضية في تصريحاته لجريدة «الوفد» في مارس 2011، معتبرًا نفسه حارسًا للقيم والأخلاق الحميدة، معترفًا بأنه استدعى صالح للتحقيق فلم يحضر، فأمر بضبطه وحبسه.

قامت ضجة كبيرة، اضطر القاضي تحت وطأتها للتنحي عن نظر القضية. أُخلِي سبيل صالح بعدها بكفالة 50 جنيهًا، منهيًا أكثر من 17 يومًا في الحبس. وبعد عام ونصف من تداول القضية حكمت المحكمة عليه بالحبس أسبوعين.

ثم في نوفمبر 1991 قُبض عليه بتهمة تعاطي المخدرات، لكنه حُبِس أيامًا وأُخلِيَ سبيله، ثم قُبض عليه ثانية في يوليو 1995 بالإسكندرية مع عدد من أصدقائه وحكِم عليه بالحبس سنة وغرامة 10,000 جنيه، بالتهمة ذاتها. تردد الصحف ومواقع «السوشيال ميديا» أن هذه الحبسات كلها تنكيل به بسبب انقياده التام لغواية الإبداع وابتكار «إفيهات» تسخر من وضع البلد سخرية مريرة، فكما صرّح صالح، لو كانت الحكومة تسجن متعاطي الحشيش لدخل الفنانون جميعًا السجن.

شروق عبد العزيز ممثلة شابة، شاركت في فيلمي «شكة دبوس» و«فص ملح وداب»، لكنها اشتهرت بسبب تقديمها مقاطع فيديو تناقش قضايا اجتماعية، قد تبدو للبعض ضئيلة القيمة. في أحد مقاطعها انفعلت بسبب قتل سائق توكتوك على يد أمين شرطة في الدرب الأحمر، في فبراير 2016، وكان عيد ميلادها قد اقترب، فأعلنت أنها لن تحتفل حدادًا على القتيل، وأهانت جهاز الشرطة إهانة لاذعة.

في أكتوبر التالي تواصل معها شخص على «واتساب» مدعيًا أن اسمه نايف المطيري، طالبًا منها لقاء في كازينو على أن يدفع لها مبلغ 300 دولار. بحسب روايتها كانت مجرد جلسة ودية تخلو من أية ممارسة جنسية. فور وصولها ألقت الشرطة القبض عليها، بتهمة ممارسة الدعارة، لأن نايف كان ضابطًا متنكرًا.

أغرب ما في قصة شروق تواريخها: قُبِض عليها يوم الخميس 20 أكتوبر 2016، بحسب محضر النيابة الذي نشره موقع جريدة «النبأ»، وفيه نفت ما ورد في محضر الضبط من أقوال منسوبة إليها تقرّ فيها بالعمل في الدعارة. وصدر حكم محكمة الجنح بحبسها سنة في السبت 22 أكتوبر، بتهمتَيْ ممارسة الدعارة والتحريض على الفجور، أي في أقل من يوم عمل واحد. لا أذكر أنه مرّت بي «عدالة» بهذه السرعة في مصر. على الوتيرة نفسها، وفي 5 نوفمبر، خففت محكمة الاستئناف حكمها إلى الحبس ستة أشهر.

في يوليو 2018، أعلنت شروق عبر مقطع فيديو بثته على قناتها الرسمية على «يوتيوب» أن محكمة النقض برّأتها. لم تقدم أي مستند يثبت ذلك، وبالبحث لم أجد خبرًا واحدًا عن ذلك في الصحف والمواقع الإلكترونية.

شادي وصالح وشروق لم يشتغلوا بالسياسة، لكنهم اختاروا -فجأة- تلك المصائر القاسية.

في تاريخ الشعر العربي ثمة شعراء تورطوا في النشوة المفاجئة ذاتها، والانجذاب السحري الجارف ذاته، دافعين الأثمان الفادحة ذاتها أيضًا.

ثمة حكاية عن لقاء الفرزدق بالخليفة الأموي هشام بن عبد الملك في المسجد الحرام، حيث أزعج الزحام الخليفة، ثم وصل علي زين العابدين، فانشق له الناس مفسحين الطريق، فغضب هشام وحين سأل أحد الحاضرين عن زين العابدين ادعى هشام أنه لا يعرفه، هنا انبرى الفرزدق، مع أنه من مداحي بني أمية، مدافعًا عن مكانة زين العابدين بقصيدة طويلة، أحرج بها الخليفة فسجنه مدة.

ثمة أيضًا حكايات لبشار بن برد مع الخليفة المهدي، منها أنه لم يقاوم روح السخرية حين سأله خال المهدي، وكان قويًا نافذًا لكن أحمق، عن صنعته، وكان بشار شاعرًا معروفًا كفيفًا، فأجابه فورًا: «أثقب اللؤلؤ»، فأضحك عليه الجميع.  كما نُسبت له أبيات في هجاء المهدي. لذلك كله حاكمه المهدي كزنديق، مع أنه مدحه من قبل، فجُلِد حتى الموت، وله في حادثة إعدامه تلك تصريحات على المستوى ذاته من الجرأة.

تستدعي نظرية التحليل التفاعلي Transactional analysis التي تقسم أفكارنا ومشاعرنا وسلوكنا إلى ثلاثة مستويات: الجزء الأبوي ويتكون من المشاعر والسلوكيات التي نكتسبها من الصور الأبوية في حياتنا، ويرتبط بالقواعد ومدى المحافظة عليها، وهذا الجزء أيضًا ينقسم إلى الوالد المتحكم والوالد الحاني. والجزء الراشد ويتكون من الصور والمشاعر التي نكتسبها ونحن راشدون يتسم بالتحليل والبحث عن الحلول. وجزء الطفل ويتكون من المشاعر والأفكار التي نكتسبها في طفولتنا. وهذا المكون ينقسم بدوره إلى: الطفل الحر، ويعبر عن المبدع لأنه يرتبط بالتلقائية وخفة الدم والابتكار والانطلاق، ولا يكترث بالسلطة بأي شكل. والطفل المتكيف، ويعبر عن الجانب المطيع والخاضع للسلطة في الإنسان. أما الطفل المتمرد فهو الذي يناقض السلطة بأي شكل.

هنا نجد أن المجتمع المصري والسلطة السياسية يمثلان السلطة الأبوية المتحكمة والقامعة. ودون وعي، يغلب على المبدعين مكون الطفل الحر، الذي لا يقصد معارضة السلطة سياسيًا بقدر ما يتسم بالتلقائية وحب اللعب والجري وراء كل ما هو طازج ومدهش. نجد ذلك واضحًا في الفكرة التي جذبت شادي، وفي الإفيهات التي انطلقت بعفوية تامة من سعيد صالح.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن