«اعتاد القول أنه لا يمثل أي شيء»: حوار مع مؤلف سيرة كافكا
حوار مع راينر شتاخ الذي قضى 18 عامًا في تأليف سيرة كافكا
 
 
 

ثمانية عشر عامًا قضاها الباحث الألماني راينر شتاخ في كتابة سيرة الكاتب فرانز كافكا (1883-1924)، التي أصدرتها دار فيشير الألمانية في ثلاث أجزاء على مدار 12 عامًا (2002 – 2014). ولم يكن الجزء الأول كما هو متوقّع عن طفولة كافكا في براغ، وإنما عالج  حياته بين 1910- 1915 تحت عنوان «سنوات القرارات» وصدر عام 2002. تبعه «سنوات المعرفة» الذي تناول السنوات المتبقية حتى موته في 1924. وأخيرًا «السنوات الأولى»، الذي نشر عام 2014. وكان بالنسبة لشتاخ، كما يقول، أمرًا عجيبًا أن يبدأ كتابة سيرة كافكا بموته، ثم عن ولادته.

ينتوي شتاخ السفر إلى القدس في الأسابيع المقبلة للإطلاع على اليوميات الكاملة لـ ماكس برود، صديق كافكا المقرب، والتي أصبحت متاحة للجماهير بعد حكم صادر عن محكمة إسرائيل العليا في أغسطس الماضي. رغم أنه لا يتوقع أن تسفر عن أي اكتشافات فاصلة لم يعالجها هو في سيرته. فربما يضيف فصلًا أو فصلين لسيرته الحالية. كان شتاخ  قد تمكّن بالفعل من الاطلاع على جزء من اليوميات قبل إتاحتها، لكنه لم يستطع الاطلاع عليها بالكامل.

وصدرت «السنوات الأولى» بالعربية في دار «كتب خان» بترجمة الدكتورة هبة الله فتحي. ويُذكر أن  شبكة «نيتفليكس» تتفاوض هذه الأيام مع شتاخ لتقديم ثماني حلقات من السيرة، وفي حال حدث ذلك سيساعدهم بنفسه في الكتابة.

أجريتُ هذا الحوار مع راينر شتاخ حين استضافه معهد جوته بالقاهرة للحديث عن الكتاب هذا الشهر.

شريف عبد الصمد: ما هي وسائل البحث التي استخدمتها للكتابة عن كافكا، والأهم لمَ قضيت من عمرك ثمانية عشر عامًا للبحث عنه؟

راينر شتاخ: مهما قرأت كافكا مرة تلو الأخرى لا زلتُ أكتشف فيه جوانب عدة لم أدركها من قبل. ودومًا أكتشف أني لا زلت لم أكتب كل ما انتويته. وربما أضيف فصلًا أو اثنين بعد ما أطلِّع على يوميات برود التي تحتفظ بها الآن جامعة القدس. مع إني أعتقد أن سيرتي لخصت حياته بدقة كبيرة.

كي تكتب عن كافكا أو أي إنسان آخر عليك أن تفهم العصر الذي عاش فيه أولًا؛ عقليته وأهم مستجداته. وتلك الفترة، أي بداية القرن العشرين كانت من أهم الفترات في تاريخ البشرية من حيث الاختراعات والتغيرات. ففي ذلك الوقت تم ابتكار أحدث التكنولوجيات التي مكّنت المرء من إنشاء المصانع وتحديث المدن. بين 1895 إلى 1910 تم اختراع مدفع الرشاش والتليفون والجرامافون والسيارة والسينما والسياحة الجماعية والرياضة الجماعية والكشف بالأشعة. في ذلك الوقت بدأ زحام السيارات في الشوارع، وازدادت الأمراض العصبية. كان العالم يتغير بسرعة هائلة، أسرع من قدرة المرء على الاستيعاب. ربما لا يوجد زمن شبيه من ناحية التغيرات إلا زمننا هذا، بما فعل به الإنترنت. في ذلك الزمن بدأ ناس كثيرون يشتكون من التكنولوجيا ويروجون لفكرة العودة إلى الطبيعة. وكان من بينهم كافكا الذي رفض استبدال جهاز التسجيل في مكتبه بالسكرتيرة مثلًا، لأن هذا كان قد يعني أنه سيعمل ليلًا نهارًا.

إحدى الوسائل الهامة التي اعتمدتُ عليها في سيرتي هي قراءة الصحف اليومية لذلك العصر، رغم أنها كانت تروج البروباجاندا. فبوهيميا أو التشيك الحالية كانت تتبع الإمبراطورية النمساوية المجرية. ومع ذلك عرفتُ من الجرائد التي خصصتُ سنة كاملة لقراءتها فقط، دون الكتابة، الكثير عن ذلك الوقت.

أيضًا قابلت ابن فيليسيا باور، خطيبة كافكا السابقة، وقد عرفت منها معلومات مذهلة عن عائلتها وعلاقتهما، لم يعرفها كافكا ذات نفسه. وأظن أنه لو عرفها لما دامت علاقتهما كل هذا الوقت. كذلك قابلتُ ابنتي أختين له قبل موتهما، وحكيا لي أن  «خالو» كافكا لم يكن معقدًا على الإطلاق كما تم تصويره من قبل المؤرخين والعلماء. بل حين كان يلعب معهما في الرمال مثلًا كان يعود طفلًا مرة أخرى. والطفولة إحدى السمات التي اتسم بها كافكا.

عبد الصمد: لقد وثّقت حياة كافكا بدقة مذهلة. ففي فقرة تحكي كيف قرر كافكا الذهاب إلى البنك أثناء الحرب العالمية الأولى ليستثمر ماله في الدولة التي وعدت المواطنين بإعادة الفلوس بعائد مادي بعد الحرب. ولكن كافكا يتردد ويثني عن عزمه في آخر ثانية، ثم يتذكر أن يعزي عائلة صديق اعتاد  مراسلته. بلا شك اعتمدت على الجوابات العديدة الموجهة إلى أصدقائه وأقاربه، كذلك اليوميات التي كتبها بانتظام. في عصرنا الحالي الذي يعتمد على التواصل عبر «واتسأب» أو وسائل الإعلام الاجتماعية، انقرضت فيه وسيلة كتابة الجوابات الحميمة. أتظن أن كتابة السيرة الذاتية ما زالت ممكنة عن كاتب معاصر مثلًا؟

شتاخ: الوسيلة الوحيدة المتبقية لنا اليوم كي نكتب عن كاتب معاصر مرت على وفاته خمسين سنة مثلًا دون الاستناد لجوابات أو كتابات شخصية هي استجواب الشهود الذين ارتبطوا به بمعرفة وثيقة. ولو مات هؤلاء فُقدت السيرة الذاتية. منذ سنوات تم إصدار سيرة ذاتية عن الكاتب الأمريكي ديفيد فوستر والاس. وقد أجرى الكاتب حوارات عدة مع من كانوا يعرفونه.

بمناسبة البنك الذي ذكرته، فكافكا كان موظفًا. وكانت الصحف اليومية تنشر المبالغ التي استثمرها الموظفون في البنوك والدولة. ولذلك اضطر للاستثمار في الحرب.

كي تكتب عن شخص عليك أن تعرف مدى إدراكه للعالم حينها، وماذا كان يدور حوله. كافكا مثلًا كان يعمل لهيئة حكومية، ولذلك كان يعرف أكثر بكثير عن الحرب من المواطنين الذين اطلعوا فحسب على الجرائد الحكومية. مثلًا كان يعرف بحكم عمله أن الجنود الذين أصيبوا بصدمات عصبية في الحرب تم معالجتهم بالكهرباء حين عادوا كي يتأكد الأطباء أنهم لا يمثلون، لأنهم لم يفهموا أعراض الصدمة العصبية حينذاك.

عبد الصمد: قرأت مؤخرًا رواية مصورة لفنانة مصرية (شبيك لبيك- دينا محمد) ذكرتني رسوماتها بأعمال كافكا عن العنف والحكم. كذلك صور الكاتب الفلسطيني إبراهيم نصرالله في روايته «حرب الكلب الثانية» التي فازت بالبوكر العربية عام 2018 قلعة تحكم المواطنين دون أن يظهر حكامها في الصورة، وهي بالطبع مستوحاة من رواية كافكا «القلعة» (1922). أيدهشك أن كافكا ما زال يؤثر على العالم العربي؟ وأتظن أن كثيرين ممن تعرضوا لقمع سياسي يؤثرون قراءته لأنه عبر عن القمع بصور مبتكرة وحديثة؟

شتاخ: لقد ذُهلت حين زرت تركيا، حيث ستصدر ترجمة سيرتي، بارتفاع مبيعات كتب كافكا نفسها. حتى في آسيا ذهلت لشعبية كافكا، وقد سعدت للغاية لترجمة سيرتي إلى الصينية.

هناك وسائل عدة للقمع. هناك القمع المباشر كما مارسه النازيون. هناك أيضًا وسائل لتدمير البشر بطرق غير مباشرة. فمثلًا في رواية المحاكمة لكافكا (1925) يجد البطل «ك» نفسه محاصرًا من قبل غرباء وجيران وزملاء يتمشون في غرفة نومه وينتهكون حرمة بيته. لا أحد يدرك لِمَ يحاكم من الأساس. إنه الأسلوب العفوي ذاته الذي مارسه جوزيف ستالين (1878-1953) في الاتحاد السوفيتي لبث الرعب في البلاد. فلا الضباط ولا القضاة يدركون لم يحاكمون مدانين قد يكونوا أبرياء.

البشر الذين يذوقون الظلم على أيدي حكام القلعة يتعاونون مع جلاديهم. دائمًا المرء يتعاون. ربما لم يتنبأ كافكا بأن تكون لندن مراقبة بعشرة آلاف كاميرا اليوم، أو أن ترصد أجهزة إلكترونية أدق المعلومات عنا في العصر الواحد والعشرين. ولكنه تنبأ بسيناريوهات شبيهة. إني متأكد أن النظام الصيني لو قرأ كافكا سيكتشف أساليب شبيهة يمارسها. أظن أن كافكا كان منظرًا أو متخصصًا عامًا في القمع.

عبد الصمد:  كثيرون ظنوا أن كافكا الذي أعفته هيئة التأمين الحكومية التي كان يعمل لديها كموظف من الحرب لم يتأثر بها، لأن كتاباته لا تذكرها مباشرة. في سيرتك تنفي ذلك بشدة. كان زوجا أختيه، كذلك أصدقائه وناشره يحاربون.

شتاخ: الحرب كان لها أثرًا فادحًا على حياة كافكا. حياته كانت تعيسة. كان يعمل من الساعة الثامنة إلى الثانية ظهرًا في هيئة تأمين يبغضها. كذلك بغِض الحياة مع والديه والعيشة في براغ البدائية. كان يخطط للانتقال لباريس أو برلين للتفرغ للكتابة. قبل الحرب كانت القيلولة العصرية أساسية في يومه، كي يستيقظ ويكتب في هدوء ليلًا. ولكن مع الحرب سهرت عائلته للاستماع إلى أخبار الحرب. كذلك بعد إعفائه من الحرب لإصرار مدير كافكا أنه لا يمكن الاستغناء عنه؛ اضطر كافكا أن يعمل في المغرب ليلًا، وينوب عن زملائه الذين كانوا على الجبهة.

كذلك كان كل من أرادوا مساعدته في النشر يحارِبون هم الآخرون، منهم النمساوي روبرت موزيل وإرنست فايس، كذلك ناشره. ومع ذلك واصل كافكا الكتابة حتى كاد ينهار، ثم توقف تمامًا بين 1915 و1916. كذا مرة ذهب لمديره وهدد بالاستقالة، مدركًا أنه كان سيتم تجنيده فورًا، إذ لم يعطه مديره نصف عام أجازة للاستراحة.

عبد الصمد: تقول إن هناك معتقدات ومفاهيم خاطئة عن كافكا، منها أنه كان معقدًا وخجولًا للغاية في التعامل مع النساء. لقد أثبت في سيرتك العكس.

شتاخ: هناك مفاهيم كثيرة مغلوطة فيما يتعلق بشخصية كافكا. علينا مرة أخرى أن نفهم العصر الذي عاش فيه. الصبيان والبنات في بوهيميا في ذلك الوقت كانوا يرتادون مدارس مختلفة. معظم البنات لم يكملن تعليمهن. لم يختلط الجنسان إلا في سن الثامنة عشر. ولم يكن هناك أي عامل مشترك بينهما للسمار. هذا لم يتعلق فقط بكافكا، إنما بجيله بالكامل. ربما تحدث الطرفان في الموسيقى. عدا ذلك كان معظم صبيان جيله يودون التودد للنساء وخوض تجارب جنسية، ولكن كيف يتقربون منهن، هذا هو السؤال.

إضافة إلى أن وسائل منع الحمل لم تكن متاحة. أي امرأة كانت تحمل يتم رفدها من عملها. كان برود مثلًا يخشى طوال الوقت أن تحمل أي من عشيقاته، لأن حينذاك كان سيضطر أن يتزوجها ويتحمل المسؤولية.

عبد الصمد: لغة كافكا في كتابة الروايات والقصص معقدة. حتى رسائله لخطيبته. لِمَ لم يستطع كافكا أن يعبر عن مشاعره بطريقة مباشرة، أن يكتب مثلًا أنه يتألم وأنه غير سعيد؟ أكان يهرب إلى التعقيدات اللغوية؟

شتاخ: لقد كان كافكا من النوع الكمالي. ليس فقط في كتابته، وإنما أيضًا في عمله الذي كرهه. كان كافكا محاميًا، يترافع في المحكمة، ويدافع عن حقوق مصابين في الحرب مثلًا، وكان يعد مرافعته حتى الكمال. أثر ذلك في شخصيته بالطبع، وجعل منه شخصًا عصبيًا ليس بإمكانه الاسترخاء. نحن نعلم مثلًا أنه كان يغسل يديه طوال الوقت، وأنه لم يحتمل أي نوع من القاذورات.

هكذا ألف كتابات مبتكرة ليس لها مثيل في العالم. كان يعيش في كلماته وصوره. وموتور الكتابة سواء كان يكتب الأدب أم الجوابات يعمل طوال الوقت. فلم يكن بمقدوره أن يغلقه فجأة حتى أثناء كتابة الجوابات. لم يكن باستطاعة كافكا أن يكتب مثلًا أنه يشعر كالخراء، كما يقال في الألمانية. (يضحك)

كان كافكا في حالة إبداع دائمة. معروف عنه أنه كان متحفظًا ولا يتكلم كثيرًا، ولكنه حين كان يتكلم كانت تصدر عنه أقوال تدهش مستمعيه لأنها تحتوي أفكارًا جديدة. لم يكن قادرًا على «السمولتوك» أو الكلام السطحي.

عبد الصمد: وكافكا راقد في فراش موته طلب من صديقه برود أن يحرق كتاباته، رغم أنه كان مهووسًا بالكتابة. التواضع إحدى السمات الرئيسية في كافكا. فقد كان ينزعج من المجاملات. أذلك ما أحببك في شخصيته؟

شتاخ: كافكا لم يكن مغرورًا بكل تأكيد. برود كان مغرورًا، مع إنه كاتب درجة ثالثة. توماس مان كان مغرورًا، ويطالب ناشره بمعاملة خاصة طوال الوقت. طالما قال مان أنه يمثل الأدب الألماني. تخيل أن يصدر ذلك القول من كافكا؟ اعتاد كافكا القول أنه لا يمثل أي شيء. بالطبع طالما عانى كافكا من مسألة الانتماء. فهو كان يهودي يتحدث الألمانية في بوهيميا التي يتحدث معظمها التشيكية. لم ينتم لإمبراطورية النمسا والمجر. كذلك لم ينتم لألمانيا. كذلك لم يحدد هويته عبر الدين اليهودي كبرود.

هناك أيضًا مفهوم مغلوط فيما يتعلق بمطالبة حرق كتاباته. لقد أراد كافكا حرق كتاباته غير المكتملة فحسب، كذلك يومياته ومخططاته. لكننا لا ندرك مدى جديته في طلبه، لأن برود، الذي كان يعتبره أعظم كاتب معاصر باللغة الألمانية، قال له مرارًا أنه لن يحرق كتاباته مهما حدث. ولكن حتمًا كان كافكا يخشى أن يتم قراءة يومياته مثلًا، مع أنه هو قرأ يوميات كتاب آخرين.

عبد الصمد: كيف مرت عليك تجربة كتابة فصل موته؟

شتاخ: نهاية كافكا كانت مؤلمة للغاية. فلقد أثر مرض السل الذي عانى منه كافكا على حنجرته، حتى لم يعد قادرًا على الطعام أو الشراب. بل كان يتم تخدير حنجرته كي يشرب المياه. لقد تحمل آلامًا غير محتملة في أيامه الأخيرة. لقد مات جوعًا وعطشًا. ومع ذلك كان يراجع قصصه اثني عشر ساعة قبل مماته. ولقد كتب حتى جوابًا لوالديه قبل مماته مباشرة.

استغرقت ستة أسابيع في كتابة فصله الأخير. في بيت بجزر الكناري خصصته للعمل. لم أقابل أو أتحدث مع أي بشر طوال تلك المدة. كيف كنت سأتحمل وأنا أكتب تلك النهاية! كان أصعب فصل كتبته في حياتي كلها.

اعلان
 
 
شريف عبد الصمد