بعد انتهاء إضرابهم.. سائقو «أوبر وكريم» عمال أم شركاء؟
 
 

الأحد الماضي، أنهى عدد من سائقي شركتي أوبر وكريم إضرابهم عن العمل، الذي استمر أربعة أيام، وذلك في إطار تصعيدهم ﻹجبار الشركتين على الاستجابة لمطالبهم التي تطرح بدورها أسئلة حول طبيعة العلاقة بين السائقين وشركات النقل التشاركي.

الدعوة أُطلق عليها اسم حملة «خليها تفلس»، وتراوحت مطالبها بين زيادة في النسب التي يحصلون عليها، وتعديل نظام تقييم السائقين، واعتماد حد أدنى من اﻹجراءات التي تضمن أمان السائقين وسياراتهم.

تسببت الحملة، على ما يبدو، في قلق الشركتين من حدود الدعوة للإضراب وإمكانيات تأثيرها. حسبما نقلت صحيفة المال، أرسلت شركة أوبر لسائقيها رسالة تفيد أنه من المتوقع ارتفاع الطلب يوم الخميس، داعية السائقين إلى استغلال الفرصة للعمل. من جانبها، وعدت شركة كريم سائقيها بالحصول على وجبة مجانية من كبابجى «أبو شقرة» إذا قاموا بثلاث رحلات في اليوم اﻷول للإضراب.

على أحد الجروبات التي خُصصت للدعوة للإضراب على فيسبوك، يتضح حماس عدد من السائقين للإضراب ونجاحه. هناك منشورات مخصصة للسخرية من السائقين الذين خالفوا الدعوة للإضراب، وشارك آخرون مهرجانًا غنائيًا يوضح مشاكل السائقين ويدعو للمشاركة في اﻹضراب والتضامن مع مطالبه.

قياس مدى نجاح اﻹضراب أمر صعب، بسبب صعوبة الحصول على بيانات موحدة وغياب تنظيم نقابي يقوم على تنظيم اﻹضراب ويجبر أعضائه عليه. ولهذا، وعلى الرغم من هذه الجهود، فإن السائقين المضربين عن العمل لا يملكون تصورًا للخطوة القادمة بعد اﻹضراب في حالة عدم استجابة الشركتين لمطالبهم كما يتضح من نقاشاتهم.

يرى بعض السائقين أن ما يحصلون عليه لا يتلائم مع طبيعة عملهم، خصوصًا في ظل التغييرات التي أدخلتها الشركتان على تعريفات السائقين والنسبة التي تحصل عليها الشركة.

عمرو، الذي يعمل سائقًا لدى شركتي أوبر وكريم في اﻹسكندرية، يوضح أن الشركتين تحصلان على نسبة كبيرة من عائدات الرحلات، وهي النسبة التي تؤثر كثيرًا على دخولهم وعلى قدرتهم على الاستمرار في العمل.

بحسب عمرو، ارتفعت النسبة التي تحصل عليها الشركة من 20% إلى 22.5%، ومع تحميل قيمة ضريبة القيمة المضافة على السائقين، ارتفعت النسبة لتصل إلى 25.5% في أوبر و37% في كريم.

رسالة من أوبر إلى أحد السائقين توضح النسبة التي تحصل عليها الشركة

لا يؤثر اختلاف النسبة كثيرًا على إجمالي العائد النهائي الذي يحصل عليه السائق من الشركتين، بحسب عمرو، بسبب اختلاف تعريفات الرحلات ومعدل العروض التي يحصلون عليها منها. لكنها تبقى بالنسبة له ولزملائه نسبة كبيرة للغاية.

يضيف عمرو أن عددًا كبيرًا من السائقين لا يملكون سيارات، ولكي يستطيعون العمل في هذا المجال يستخدمون سيارات آخرين نظير دفع قيمة شهرية ثابتة لهم. ومع ارتفاع النسب التي يتحملها السائقون، تضاءل هامش اﻷرباح الذي يمكنهم تحقيقه. «في اﻷول العمل كان مجزي، ممكن أجيب 7000 جنيه شهريًا»، يقول عمرو، «دلوقتي مبقاش مجزي، حوالي 5000 جنيه».

بحسب رأيه، فإن تحميل ضريبة القيمة المضافة على السائقين أمر غير عادل، ﻷن ضريبة القيمة المضافة تُخصم من المستهلك اﻷخير بحسب رأيه. وبالتالي، فإن المطالبة بخفض النسبة التي تحصل عليها الشركات من الرحلات إلى 15% فقط، وتحريك تعريفات الرحلات مطلب منطقي بما يسمح لهم بالاستمرار في العمل.

يتعقد اﻷمر أكثر بالنسبة للسائقين بسبب نظام التقييم الذي تعتمد عليه الشركتان. يوضح عمرو أن الشركتين تتجهان عادة لمعاقبة السائقين بإيقافهم عن العمل لفترات تتراوح بين ثلاثة أيام إلى أسبوع إذا انخفض تقييم السائق عن 4.7، أو في حالة رفضه نسبة محددة من طلبات الرحلات.

لا يرفض عمرو نظام التقييم، لكنه يرى أنه لن يكون عادلًا إلا إذا طُبق بالمثل على العملاء. ولهذا يرى أن مطلبهم بإنشاء آلية يمكن للسائقين من خلالها الدفاع عن مواقفهم في حالة الخلاف مع العميل، أمر منطقي لحمايتهم.

كما يطالب السائقون أيضًا بإجبار العملاء على التسجيل ببياناتهم الشخصية والرقم القومي لهم لحمايتهم من حوادث السرقة باﻹكراه التي تعرض لها بعضهم.

الدعوة إلى اﻹضراب عن العمل تفتح الباب ﻹعادة التفكير في السؤال حول طبيعة العلاقة بين شركات النقل التشاركي مثل أوبر وكريم وبين السائقين فيها، وهو سؤال مطروح في مختلف دول العالم وليس في مصر فقط.

تصر شركة «أوبر» على تعريف نفسها كشركة تكنولوجيا تختص بتوصيل الركاب بالسائقين، وأنها ليست شركة نقل، في محاولة لتحرير علاقتها بالسائقين من الضوابط التشريعية التي تحكم علاقة العامل بصاحب العمل.

لكن هذه الحجة لم تصمد أمام عدد من المحاكم اﻷوروبية في دعاوى قضائية مختلفة. آخر هذه الدعاوى كانت في فرنسا الشهر الماضي، حيث اعتبرت محكمة فرنسية أن العقد بين أوبر والسائق الذي رفع الدعوى عقد عمل تخضع للشروط التي تحددها قوانين العمل المعتادة. وقبلها بشهر، قضت محكمة بريطانية كذلك بإجبار شركة أوبر منح حد أدنى للأجور للسائقين وحقهم في الحصول على إجازة أسبوعية معتادة.

لم يتطرق القانون الذي أقره البرلمان المصري لتنظيم خدمات النقل البري للركاب باستخدام تكنولوجيا المعلومات العام الماضي إلى طبيعة العلاقة بين الشركات والسائقين.

يشير محمد عبد السلام، النقابي والناشط العمالي، إلى أن طبيعة العمل بين شركات مثل أوبر وكريم وبين سائقيها تختلف عن علاقات العمل المعتادة في تفصيلة جوهرية هي أن ملكية وسيلة اﻹنتاج في هذه الحالة ليست للشركة وإنما للعمال. ولهذا، لا يلتزم السائقون أمام الشركة بعدد معين من ساعات العمل، كما يمكنهم التخلف عن العمل في اﻷيام التي يريدونها.

لكن هذا النوع من التعاقد الذي تفرضه تغيرات ظروف اﻹنتاج في عصر التكنولوجيا لا تعني أنه لا يحق لهم المطالبة بظروف عمل أكثر أمانًا. لكن، بحسب رأي عبد السلام، فإن الطريق يبدأ من محاولة تنظيم أنفسهم في شكل نقابي يتحدث باسمهم. ويمكن لهذا التنظيم النقابي التفاوض مع الشركة واتخاذ اﻷساليب القانونية المتاحة لتحقيق مطالبهم، أو حتى التصعيد بالاحتجاج أو اﻹضراب في حالة عدم الاستجابة لها.

يُدرك عمرو أن محاولة تأسيس نقابة للتحدث باسمهم تمثل خطوة مهمة لهم، موضحًا أنه اقترح فكرة تأسيس نقابة مرارًا قبل ذلك. «الناس عايزة حاجة تلمهم وتتكلم باسمهم»، يقول عمرو، «بس مش عارفة تعمل ده ازاي ومحدش عنده وقت».

اعلان
 
 
محمد حمامة