كيف نجا شيخ الأزهر من التعديلات الدستورية؟
 
 

بوساطة مشتركة قام بها وزير خارجية الإمارات، عبد الله بن زايد، والرئيس المؤقت سابقًا والرئيس السابق للمحكمة الدستورية، عدلي منصور، تم التوافق على خطوات متوازية بين كل من السلطة التنفيذية ومشيخة الأزهر لحذف مادة مقترحة في التعديلات الدستورية، التي ينظرها البرلمان حاليًا، كان من شأنها أن تنهي استقلال الأزهر بالعودة إلى وضع سلطة اختيار شيخه الأكبر في يد رئاسة الجمهورية، كما كان الحال قبل 2012، وإنهاء اختياره بالانتخاب من قبل هيئة علماء الأزهر، بحسب مصدر قريب من دوائر المشيخة.

كان البرلمان قد أجاز من حيث المبدأ في منتصف الشهر الجاري التعديلات وتمت إحالتها للجنة التشريعية في مسار يمكن أن يستغرق أكثر من ثمانية أسابيع قبل طرحها للاستفتاء. التعديلات تشمل منح الرئيس الحالي وبصورة استثنائية حق الترشح لمدتين رئاسيتين متتاليتين، مدة كل منهما ست سنوات٬ تاليتن على انتهاء المدة الثانية له، والمقررة بأربع سنوات، والتي كان يفترض أن تكون الأخيرة. التعديلات أيضًا تمنح الرئيس صلاحيات أوسع فيما يخص السلطتين التنفيذية والقضائية.

القرار بحذف المادة الخاصة بالأزهر من التعديلات صدر، بحسب المصدر المقرب من المشيخة، بعد أن قبل الإمام الأكبر، أحمد الطيب، مقترحًا تقدم به الوسيطان بتلبية مطلب السلطة التنفيذية بإبعاد رجلين من رجال الطيب الأقوياء عن المشيخة.

الأول هو عباس شومان، وكيل الأزهر من عام 2013 والمقرب من الإمام الأكبر، والذي كانت السلطة التنفيذية قد وافقت على مضض قبل عامين تجديد انتدابه من جامعة الأزهر إلى منصب الوكيل، قبل أن تقرر العام الماضي رفض التجديد فترة أخرى، مما دفع الطيب لنقل شومان من منصبه التنفيذي بالمشيخة واستبقائه عبر عضوية هيئة علماء الأزهر، التي تركها أوائل الشهر الجاري.

الثاني هو محمد عبد السلام، المستشار القانوني للإمام الأكبر، والذي قبل الطيب ذهابه عن المشيخة قبل أسابيع أيضًا تحت عنوان استحداث هيئة لتولي مهام المستشار القانوني، إلى جانب منصب آخر لأول مرة هو المستشار السياسي لشيخ الأزهر، والذي كان من نصيب الشيخ قدري عبد المطلب.

«شومان وعبد السلام كانا من أقوى الشخصيات في الأزهر، وكانا يديران العديد من الأمور الخاصة بتشغيل المشيخة ويمثل ذهابهما فقدًا كبيرًا للإمام الأكبر، ولكنه في النهاية مدرك أن هناك تنازل ما عليه أن يقدمه عوضًا عن أن تأتي التعديلات الدستورية بمادة تتيح لرئيس الجمهورية عزله، وهو ما لا يمانع فيه الرجل لأنه غير مستريح في منصبه بسبب المناوشات المستمرة بينه وبين الرئاسة، ولكن ما يخشاه أن يكون ذهابه هو عنوان لاستباحة الأزهر بما يجعله في خدمة السلطة التنفيذية عوضًا عن أن يكون هيئة دينية لها مهابتها وإسهاماتها». يقول المصدر القريب من المشيخة.

المصدر نفسه، يضيف أن ابن زايد ومنصور كانا قد ناقشا مع الطيب، في لقاءات سابقة جمعتهما معه، توتر العلاقات بينه ورئيس الجمهورية، وأعربا عن توقع أن يتفهم الإمام القلق من بعض الشخصيات التي لها توجهات دينية متشددة، وأن يسعى لاحتواء هذه النقاط، ولكنه قال: «الإمام الأكبر يعلم أن الأمر لا يتعلق بالتوجهات الدينية للرجلين، إذا ما كان الحديث عن تلميح غير مقبول له بتواصل أي منهما بصورة أو أخرى مع جماعة الإخوان المسلمين، لأن الإمام الأكبر نفسه كان على خلاف لا يستهان به مع الجماعة».  

لقاء مطول مع المصدر المقرب من المشيخة، وحديث مع مصدر آخر حكومي قريب من الرئاسة، كشفا أن الأمر يتعلق بدور الرجلين المفصلي في الأزهر، حيث أنهما يعلمان كل التفاصيل الإدارية الخاصة بالمشيخة، ويعملان بالقرب من الإمام الأكبر. وبشكل عام، يتعلق الأمر بتوترات متنامية بين الإمام الأكبر والرئيس عبد الفتاح السيسي، وبقضية مدى استقلالية المشيخة عن السلطة التنفيذية منذ ثورة يناير.

التعديلات الدستورية واستقلال الأزهر

ظل الإمام الأكبر في منصبه بعد مرور أربع سنوات كاملة على وصول السيسي للحكم، ذهب خلالها كل كبار معاونيه، كما اختفى تمامًا من على الساحة كل الشخصيات السياسية التي تقدمت واجهة المشهد في 3 يوليو 2012 عند إطاحة المؤسسة العسكرية بالرئيس محمد مرسي، المحسوب على الإخوان المسلمين.

وبالفعل، كان وصول السيسي لعضوية المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعد تعيينه مديرًا للمخابرات الحربية في يناير 2010 من قبل الرئيس الأسبق حسني مبارك، سابقًا على وصول الطيب لمشيخة الأزهر بعد ذلك بشهرين في مارس من نفس العام، وذلك من خلال تعيين مبارك المباشر له وفقًا للقانون الذي أقره الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في مطلع الستينيات. وحتى اليوم يبقى السيسي والطيب معًا بعد أن تغيرت تقريبًا كل الوجوه.

ويقول مصدر حكومي إن «المسألة مسألة، وقت لأن من الواضح أن الرئيس غير مرتاح لمسألة استقلالية الأزهر، ولا إلى الدور الخارجي الذي يرى أن شيخ الأزهر يلعبه، فشيخ الأزهر يتصرف كأنه غير خاضع لعباءة الرئاسة، وهذا أمر من الواضح أنه غير مريح للرئيس».

ويدلل المصدر الحكومي على قوله هذا بما شهده من بعض المماحكات البروتوكولية التي بدت وكأنها تهدف لإيصال رسالة واضحة للإمام الأكبر بأن انتخابه في 2012 من قبل هيئة كبار العلماء ليبقى في منصبه لا يعفيه أبدًا من التعرض للمساءلة من قبل الدولة في عدد من القضايا.

كانت هيئة كبار العلماء قد أُطلقت في العقد الأول من القرن العشرين بوصفها هيئة استشارية عليا للجامع والجامعة والمشيخة، وكان عبد الناصر قد ألغاها في بدايات الستينيات، ولكنها عادت بقوة في 2012، بعد أن منحها تعديل قانون الأزهر في ذلك العام سلطة تعيين الإمام الأكبر، التي كانت في يد رئيس الجمهورية.

ويتفق المصدر المقرب من مشيخة الأزهر مع مسألة المماحكات البروتوكولية، التي كان آخرها، حسب قوله خلال افتتاح كاتدرائية المهد ومسجد الفتاح العليم عشية عيد الميلاد في يناير من هذا العام، حيث كان الطيب مريضًا ومتعبًا وقتها، ويشعر بالإرهاق والاستياء من طول الانتظار خلال مراسم الافتتاح التي تلقى فيها معاملة «لم يجد فيها ما يليق»، ما تسبب في إزعاجه، وبدا ذلك واضحًا خلال كلمته المرتجلة حين خانه التعبير في قوله «واسألوا التاريخ، فكنائس مصر كلها بنيت في عهد الإسلام».

ويضيف المصدر: «كان هناك توتر في الجو بين الشيخ الطيب والرئيس وكان الشيخ يسعى لعدم التصعيد بالتأكيد علي أهمية ما قام به السيسي من بناء واحتفال متوازي لجامع الفتاح العليم وكاتدرائية الميلاد».

ويتفق المصدران، الحكومي والقريب من المشيخة، أيضًا على أن من العوامل التي ستقرر الفصل المقبل في هذه العلاقة الشائكة هو الموقف المحتمل للإمام الأكبر من التعديلات الدستورية، التي أصبحت قيد التمرير.

ويقول المصدر الحكومي إنه من المهم متابعة الموقف الذي سيتخذه الإمام الأكبر في هذا الصدد، وما إذا كان سيتجه للدعوة للتصويت على التعديلات بنعم أو لا.

أما المصدر المقرب من المشيخة فيقول إنه ربما يدعو الإمام الأكبر للمشاركة بالتصويت حرصًا على إبداء الرأي «ولكنه لا يبدو واردًا أن يسير في المسار الذي يسير فيه البابا تواضروس (رأس الكنيسة القبطية) والذي يتوقعه الرئيس من الأزهر بالدعوة للتصويت بنعم على التعديلات الدستورية بوصفها من مجالب النفع أو ما إلى ذلك، لكن بالتأكيد لن ينتقد الرجل بالتصريح ولا التلميح التعديلات».

كما يستبعد عمرو عزت، الباحث بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية في وحدة حرية الدين والسياسات الدينية، أن يتجه الطيب للتصعيد، ليس فقط لأنه لا يفعل ذلك عادة بصورة مباشرة، ولكن لأنه يدرك أن هناك مساحات للتحرك ربما يكون السيسي عاقد العزم على استخدامها لإزاحته، وأولها تمرير تعديلات معمقة على قانون تنظيم الأزهر من خلال البرلمان، بما يفتح الباب أمام سيناريو ما لإزاحة الطيب سواء من خلال تحديد مدة ترأس أي شخص بعينه لمركز الإمام الأكبر أو من خلال طرح تعديلات تستوجب إعادة انتخاب الإمام الأكبر من خلال هيئة كبار العلماء، مع العمل بالتوازي على التأثير على تشكيلة الهيئة، بحيث لا تدعم إعادة ترشيح الطيب للمنصب مرة أخرى.

ورغم أن العدد المتاح لعضوية هيئة كبار العلماء يصل إلى 40 عضوًا، فإن الإمام الأكبر عندما قام بتشكيلها في يوليو 2012 لم يضمنها سوى 21 عضوًا، «وهو تحرك ذكي من قبل الطيب ليضمن أن كل الأعضاء تقريبًا بهذه الهيئة شخصيات معروفة له ويضمن أنها محل ثقته، وأنه مستحق لدعمها»، بحسب عزت، حتى لو أن الموافقة على عضوية اللجنة تتطلب موافقة رئيس الجمهورية وفقًا للقانون.

«في كل الأحوال، لا يوجد تصور واضح  إذًا عن الكيفية التي يمكن أن يتم بها التحرك في المستقبل لإزاحة الطيب»، يقول عزت، مضيفًا: «لا أظن أن المسودة التي يعمل عليها النائب حامد أبو حامد [لتعديل قانون الأزهر] مسودة جادة أو متبلورة بما يكفي لإزاحة الطيب، ولكن بالطبع يمكن أن تتحول هذه المسودة التي تبدو حتى الآن مجرد تلميح بما هو ممكن إلى مسودة جادة تفتح الباب أمام التحرك نحو إزاحة الطيب».

«تعبتني يا فضيلة الإمام»

في الأسابيع الماضية، ازدادت الخشية في دوائر هيئة كبار العلماء، بحسب المصدر المقرب من المشيخة، من الحديث «افتئاتًا ضد الهيئة العليا لكبار العلماء بوصفها مناهضة لمدنية الدولة، وهي العلة التي نقل البعض للطيب خلال الأسابيع الماضية عن دوائر الحكم اعتزامهم استخدامها للترويج لتعديل مادة استقلالية الإمام الأكبر [في الدستور] خاصة وأن رئيس الجمهورية سبق وأن خاطبه في أحد المناسبات العامة في مطلع 2017 بقوله «تعبتني قوي يا فضيلة الإمام» لتلي ذلك هجمة على الطيب من إعلاميين وكتاب موالين للنظام وجهوا اللوم للطيب بوصفه المسؤول عن تعثر مطلب الرئيس بتجديد الخطاب الديني»، بحسب المصدر المقرب من المشيخة.

 كانت مطالبة السيسي للإمام الأكبر في محفل علني مذاع على الهواء بإلغاء الطلاق الشفهي أمرًا مفاجئًا للطيب، الذي لم يرق له أن تتدخل السلطة التنفيذية في موقف الأزهر من التفسيرات الشرعية، خاصة بطريقة رأى فيها «أمرًا تنفيذيا يصدر علي الهواء بلا سبب واضح لأن أغلب حالات الطلاق المرتفع التي تعاني منها الأُسر المصرية حاليًا لا تقع في دائرة الطلاق الشفهي»، بحسب المصدر نفسه أيضًا.

ولم يتفاعل الطيب مع مطلب السيسي ولم يعلق عليه علنًا، لكن بعد أيام قليلة، وعقب اجتماع برئاسة الطيب، أصدرت هيئة كبار العلماء بيانًا أكدت فيه على أن «ظاهرةَ شيوع الطلاق لا يقضى عليها اشتراط الإشهاد أو التوثيق … وأن العلاج الصحيح لهذه الظاهرة يكون فى رعاية الشباب وحمايتهم من المخدرات بكل أنواعها، وتثقيفهم عن طريق أجهزة الإعلام المختلفة، والفن الهادف، والثقافة الرشيدة، والتعليم الجادّ….»

«كانت هذه هي بداية الظهور المباشر للتوتر بين الطيب والسيسي، وعندها بدأت وساطة من عدلي منصور نقل فيها للإمام الأكبر عتابًا من أحد دوائر السلطة التنفيذية إزاء لغة الخطاب التي بدت ملقية اللوم على الدولة في مسألة الاحتياج الاقتصادي رغم ما تبذله الدولة من جهود في سبيل تحسين الأوضاع بعد سنوات شهدت اضطرابات سياسية غير قليلة»، بحسب المصدر القريب من المشيخة.

وبحسب المصدر نفسه، فإن الإمام الأكبر «ورغم الغصة من الطريقة التي خاطبه بها رئيس الجمهورية، وهي سابقة في حديث رأس السلطة التنفيذية مع الإمام الأكبر حتى في عهد مبارك ومن سبقوه في الحكم، فقد وعد الإمام الطيب بألا يصدر بيانات تعبر عن عدم الاعتداد بجهود الحكم».

غير أن عودة الرئيس للتلميحات المتكررة حول تقاعس الأزهر عن تجديد الخطاب الديني، والهجوم الإعلامي من مقربين من السلطة على الإمام الأكبر، دفع بالطيب إلى اللجوء لقريته في إشارة إلى عدم ارتياحه لهذه الطريقة. كان ذلك في شتاء 2017، وعندها شهدت الساحة التي عادة ما يجتمع فيها أهالي القرى القريبة من منزله، والمسماة بساحة الطيب، تجمعًا واسعًا من الأهالي للإعراب عن دعمهم للطيب.

ويقول المصدر المقرب من المشيخة: «سمعت أن هناك احتجاجات ما وقعت في ساحة الطيب لدعم الإمام الأكبر، وسمعت أيضًا من أحد الأصدقاء في إحدى الصحف اليومية أن هناك تعليمات صدرت بعدم الإشارة إلى هذه الاحتجاجات».

غير أن وساطة مشتركة من مسؤولين في الإمارات ومن عدلي منصور هدأت الأمور على الجانبين، بحسب ذات المصدر، الذي أضاف أن الإمام الأكبر كان قد أبلغ من توسط لديه أنه سينأى بنفسه وبالمشيخة عن الحديث في الشأن العام والشأن السياسي، وأنه يتوقع أن تبتعد الشخصيات التنفيذية والسياسية عن إبداء آراء دينية قبل التشاور مع الأزهر.

ويدلل المصدر على نجاح الوساطة بما «أبداه الرئيس من حرص على استقبال الشيخ الطيب في أواخر 2017 عقب عودة الرئيس من زيارة أفريقية استمع خلالها من مسؤولين أفارقة عن الدور التوعوي الهام الذي يقوم به الأزهر في القاهرة، وهو الأمر الذي قدره الإمام».

لكن المصدر عاد يقول إن التهدئة «كانت في النهاية سطحية، لأنه يبدو أن الطبيعة الخاصة بكل من الإمام الأكبر كرجل صعيدي صلب ورئيس الجمهورية كرجل عسكري يؤمن بأنه صاحب القول الفاصل ستجعل من نقاط الالتقاء بين الرجلين أقل من نقاط الاختلاف».

وبحسب المصدر القريب من دوائر المشيخة، فإن الإمام الأكبر يدرك أن الأمر لا يتعلق بما يُثار حول تجديد الخطاب الديني «أولًا لأن مؤسسة الرئاسة ورغم مخاطبات عديدة لم تطرح تصورًا محددًا حول ماهية الخطاب المراد تجديده، وثانيًا لأن إذا كان المطلوب حسب ما يردد بعض إعلاميي السلطة حذف نصوص من كتب التراث، فهذا ليس بحق أدبي ولا ديني ولا أكاديمي للإمام، ولكن ما بوسعه ان يقوم به، وهو ما يعكف عليه حاليًا، هو النظر في جملة من الإشارات الواردة في كتب التراث والتي يصفها البعض أنها تصريح بأشكال مختلفة من العنف والتمييز، ليقدم شروحًا وهوامش ووضعها في سياقها ورفض الشاذ منها».

ويضيف المصدر ذاته، أن الإمام الأكبر مقتنع أنه يبذل جهدًا حقيقيًا لإعفاء الإسلام من أقوال ومواقف وقعت في سياقات بعينها وجاءت من غير أهل العلم. ويقول «يسيء الإمام الأكبر أن يتماهى أي من كان مع وصف الإسلام بالعنف، لأن الممارسات العنيفة لم تقع من المسلمين وحدهم، كما يزعجه أنه عندما يتحدث عن ذلك مع شخصية دينية رفيعة مثل بابا الفاتيكان، يجد آذانًا صاغية وتفهم، بينما يتعرض هنا في مصر لهجوم من بعض الإعلاميين بصورة غير مبررة، على الأقل في رأيه».

من ناحيته، يلفت عزت إلى أن سعي السلطة التنفيذية البادي لإخضاع الطيب أو إزاحته لا يهدف فعليًا لتحقيق أهداف تتعلق بعنوان غير محدد حول تجديد الخطاب الديني أو مدنية الدولة، لأن الواقع يقول إن التعديلات التي يناقشها البرلمان حاليًا بغرض إقرارها ابتعدت عن التعرض لمسألة انتخاب شيخ الأزهر من هيئة كبار العلماء، كما ابتعدت أيضًا عن الانتقاص من صلاحيات الأزهر الدينية في المجال العام ودوره بوصفه هيئة فنية تبدي الرأي في المسائل التي تتعلق بالشرع. بما يجعل لها تواجد على سبيل المثال في نقابة الأطباء لإقرار حالات يستقر فيها الطب على إجراء عمليات تحول الجنس أو تواجد في الإذاعة والتليفزيون لمراجعة بعض البرامج أو غيره.

لو أن المطلوب فعلًا هو مدنية الدولة، بحسب عزت، فالأمر يتطلب أن يبقى الأزهر مستقلًا كجامعة وهيئة دينية، وألا يكون له في الوقت نفسه قولًا حتميًا في أمور مثل قوانين الأحوال الشخصية أو مراجعة نصوص بعض الكتب قبل طبعها ونشرها، «لكن لا أظن أننا عند هذه النقطة إطلاقًا، وما نحن بصدده هو مواجهة لا علاقة لها بمسألة مدنية الدولة».

يفسر المصدر الحكومي التوتر في العلاقة بين السلطة وشيخ الأزهر بما «يبدو عدم ارتياح من الدولة» إزاء الدور الذي يعلبه الإمام الأكبر على الساحة الدولية بوصفه مستقلًا عن الدولة، وخاصة فيما يتعلق بعلاقته بالإمارات العربية المتحدة، التي هي في النهاية أحد أكبر داعمي نظام الحكم الحالي في مصر.

وبحسب المصدر الحكومي ذاته، فإن هناك جهات في القاهرة تابعت عن قرب إفادات مفصلة وصلت من الإمارات العربية المتحدة أثناء مشاركة الطيب والبابا فرانسيس، بابا روما، في لقاء بداية الشهر الجاري عُقد في أبوظبي تحت مظلة مجلس حكماء المسلمين، وشارك في اللقاء ولي العهد ورجل الإمارات القوي، محمد بن زايد، والذي أبدى ترحيبًا غير قليل بالإمام الأكبر، وقبله على رأسه.

أسست الإمارات مجلس حكماء المسلمين في 2014، بعد أسابيع قليلة من وصول السيسي للحكم في مصر، ليكون كيانًا موازيًا للاتحاد الدولي لعلماء المسلمين، الذي كان يرأسه في ذلك الوقت يوسف القرضاوي، القريب من جماعة الإخوان المسلمين، ورأى الإمام الطيب وغيره من شخصيات أزهرية تحدثت في توقيتات متباينة أنه يسعى للانتقاص من دور الأزهر. 

ويقول مصدر بالتليفزيون المصري إن تعليمات واضحة صدرت بشأن كيفية ومدة تغطية خبر زيارة الإمام للإمارات، وهي ليست المرة الأولى، حيث كانت هناك تعليمات مماثلة أثناء زيارة الطيب لإيطاليا العام الماضي؛ ما وصل التليفزيون عنها أنها لقاءات أجراها الإمام الأكبر مع المسؤولين الرسميين في إيطاليا، ولم يُسمح إلا بعرض القليل منها، على أن يكون التركيز بالأساس على لقاءه مع بابا الفاتيكان. كما وصل للتليفزيون لقاء جمع الإمام الأكبر مع ملك السعودية، سلمان بن عبد العزيز، في ديسمبر الماضي عندما تصادف وجود الإمام الأكبر في السعودية لأداء العمرة مع وفاة أحد أشقاء الملك «فما كان من الإمام الأكبر، الذي يقدر للسعودية ما قدمته من دعم لتطوير الجامع الأزهر بصورة لائقة، إلا أن ذهب للعزاء ثم طلب الملك استقباله»، بحسب المصدر المقرب من مشيخة الأزهر.

لكن الأمر لم يقتصر على منع إذاعة صورة الإمام الأكبر مع ملك السعودية، الذي يعد أيضًا حليفًا قويًا للنظام الحاكم في مصر منذ الإطاحة بمرسي، بل تطور الأمر إلى صدور قرار رئيس الجمهورية بعدم السماح للسفر في مهمات رسمية لكل كبار المسؤولين بدون موافقة الرئيس.

ويقر المصدر المقرب من مشيخة الأزهر أن التزامن بين واقعة العزاء وبين القرار الجمهوري لم يفت على الإمام الأكبر، ولكنه يقول إنه استعان بالرأي القانوني، الذي أكد أن الأزهر ليس جزءًا من السلطة التنفيذية حتى إذا كان الإمام الأكبر يُعامل معاملة رئيس الوزراء، وبالتالي فإن الإمام الأكبر غير معني بهذه التوصية. ويؤكد المصدر أن سفر الإمام للإمارات بعد القرار كان «بدون استئذان»، لأنه «لم يعد يعين من قبل رئيس الدولة». غير أن المصدر الحكومي قال إن ترتيبات سفر الإمام الأكبر للإمارات تمت عبر الجهات المختصة في الدولة، والتي لم تكن تتحرك لو أن هناك أدنى ممانعة من مكتب الرئيس.

وبحسب نفس المصدر، فقد لقي الإمام الأكبر تقديرًا كبيرًا من مستقبليه في الإمارات، ووعودًا بدعم مستمر وأيضًا مطالبات بالتجاوز عما قد يضايقه.

ويقول المصدر إن «الإمارات حريصة جدًا على الأزهر، وهي تفعل ذلك منذ سنوات طويلة لأنها لا تود أن يكون هناك سيطرة دينية للجناح السلفي المتشدد الذي تعبر عنه السعودية. وبعد وصول محمد بن سلمان لمنصب ولي العهد في السعودية، أصبحت السعودية أيضًا داعمة لهذا التوجه أكثر من الإمارات، ربما لأنها ترغب في أن يتحرر الأزهر تمامًا من كل التأثيرات السلبية التي وقعت عليه فيما سبق، وهناك ثقة لدى الجانبين أن الإمام الأكبر قادر بهدوء على مواجهة هذه الأفكار بدون مواجهات مزعجة».

ويضيف أنه ربما هناك تشاحن على دعم الأزهر من قبل السعودية والإمارات لأن كلا منهما تريد أن تبدو الراعي للحوار الديني وصاحب الوصاية علي دعوة التسامح. وهو تشاحن على من سيكون أقرب لواحدة من أهم الجهات الدينية وأكثرها تأثير في العالم الإسلامي.

في الأيام التالية لصدور قرار رئيس الجمهورية بعدم السماح للسفر في مهمات رسمية لكبار المسؤولين بدون موافقته ثارت تكهنات كثيرة حول مصير الإمام الطيب في حال إقرار مادة دستورية تعيد تعيين الإمام الأكبر من قبل رئيس الجمهورية، وصلت تلك التكهنات في بعض المواقع والصحف الموالية للرئاسة لطرح أسماء تلي الطيب في المشيخة مثل مختار جمعة، وزير الأوقاف الحالي، وأسامة الأزهري، مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الديني. لكن هذه التكهنات اختفت بعد رحلة الطيب الأخيرة للإمارات، كما اختفت أيضًا الانتقادات الإعلامية وكل حديث عن تعديل دستوري يمكن أن يبعد الطيب، وتحولت الدفة إلى مديح الإعلاميين باعتباره وجهة مشرفة لمصر وللإسلام، بعد أن كانوا حتى الأمس القريب يوجهوا له سهام النقد.

مبارك – الثورة – مرسي – السيسي

منذ وصوله لمنصبه الرفيع على رأس الأزهر قرب نهاية حكم مبارك، كان الطيب رجلًا هادئًا معنيًا بالعلم ومتفهمًا لحتمية العلاقة القريبة بين السلطة التنفيذية ومشيخة الأزهر، بحسب ما سبق أن قاله لـ«مدى مصر» مسؤول سابق بالرئاسة في عصر مبارك. ومن هذا الموقف، فيما يبدو، لم يتردد الرجل في قبول مشاركته بلجنة السياسات التابعة للحزب الوطني في نفس عام تعيينه في 2010. ولكن تغير ذلك مع ثورة 2011 وأزمة السلطة التي تلتها.

ويتفق مع هذه الرواية واقعة التصريحات التي أدلى بها الطيب في الأيام الأولى لتظاهرات ثورة يناير 2011، والتي أبدى فيها دعمًا غير قليل لبقاء مبارك في السلطة ورفضا للتظاهرات. ورغم أن هذه التصريحات جاءت -كما قال مصدر قريب من دوائر الحكم في تلك الفترة- بعد مطالبة ضمنية وجهها في ذلك الوقت أحد كبار معاوني مبارك لكل من الإمام الأكبر ورأس الكنيسة القبطية الراحل البابا شنودة الثالث، والذي تحدث بدوره داعمًا للرئيس الأسبق حسني مبارك في وجه الثورة، إلا أنها بدت متفقة في كل الأحوال مع ممارسة الإمام الأكبر لدوره كأحد كبار موظفي الدولة، وليس رئيسًا لجهة مستقلة لها هيبتها الدينية، حتى لو لم تكن لها الوضعية الروحية للكنيسة القبطية.

لكن مع ثورة يناير وتنحي مبارك، تغيرت العديد من الأمور ولم يعد لرأس السلطة التنفيذية تلك القبضة الحاكمة تمامًا، على الأقل في السنوات الأولى التالية للثورة، وهو ما حث الإمام الأكبر على أن يراجع بعض مواقفه، حسب من تحدث إليه في سياقات سابقة، بحيث لا يضطر للدخول في مساحات السياسة ويبقي على الأزهر مؤسسة دينية وجامعة معنية بالعل.

ولكن الإمام لم يبق طويلًا في هذه المساحة البعيدة، وذهب طوعًا، أو ربما لاستيائه من سعي رئاسة مرسي، المحسوب على الإخوان المسلمين، إلى «فرض أشخاص بعينهم على هيئة كبار العلماء، بل ولرغبتهم في إزاحة الطيب ليحل مكانه الشيخ يوسف القرضاوي، المقرب من الجماعة، في مسعى للسيطرة على الأزهر من الناحية الفكرية، وفي إطار رفض واضح لتعدد المذاهب الذي يحرص الأزهر عليه»، بحسب المصدر المقرب من دوائر المشيخة، الذي أكد على إصرار الطيب على أن الأزهر يبقى جامعًا لكل مذاهب السنة بل منفتحًا على قراءة ومناقشة بعض مذاهب الشيعة وهو الأمر الذي لم تكن لتقبل به جماعة الإخوان المسلمين.

وكان قد قال لمحدثيه غير ذات مرة،  بحسب نفس المصدر، إن الجماعة سعت لإبعاده عن المشيخة من خلال سلسلة من المماحكات ليس أقلها ادعاء واقعة وجبات الأغذية الفاسدة في المدينة الجامعية لطلاب جامعة الأزهر، حين شهد ربيع عام 2013 تظاهرات لعدد من طلاب الأزهر بحجة رفض الوجبات الغذائية منتهية الصلاحية التي تقدم لهم ومطالبات بتنحي شيخ الأزهر.

وبعد أن رأى الإمام الأكبر أن قطر تتحرك لدعم القرضاوي، تحرك بدوره باتجاه الإمارات التي اقتربت منه في ذلك الوقت عارضة العون، فكان أن قامت الإمارات بإنشاء مجلس حكماء المسلمين.

في حديث خاص مع الكاتبة خلال حكم مرسي، عاب أحد قيادات الإخوان المسلمين على الطيب كونه «لم يقف مع الثورة في البداية» مما يضعه في خانة «الفلول».

ومع تداعي رئاسة مرسي وحالة الارتباك السياسي التي حلت بالبلاد في صيف 2013، ذهب الإمام الأكبر لاجتماعات دعت إليها شخصيات قيادية في البلاد للنظر فيما هو قادم، من بينها الاجتماع الذي دعا إليه وزير الدفاع وقتها عبد الفتاح السيسي، للنظر في الخيارات السياسية التالية لتظاهرات 30 يونيو. ثم شارك الإمام بالتواجد جنبًا إلى جنب مع رأس الكنيسة القبطية البابا تواضروس الثاني، والسياسي محمد البرادعي، وقيادات عسكرية وشرطية، في الثالث من يوليو بإعلان السيسي عزل مرسي.

كانت العلاقة بين السيسي والطيب في البداية «معقولة ومعتدلة جدًا»، بحسب المصدر المقرب من المشيخة، فالسيسي كان دومًا يحرص على أن يستمع باهتمام لما يطرحه الإمام الأكبر وبدوره كان الطيب حريصًا على تقديم الدعم لوزير الدفاع بما في ذلك دعوته المصريين للنزول لـ «تفويض الجيش والشرطة لمكافحة الإرهاب»، وهي الدعوة التي أطلقها السيسي للتظاهر يوم 26 يوليو 2013. جاءت الدعوة بعد أيام من غضب أبداه الإمام الأكبر تجاه ما يعرف باسم «واقعة الحرس الجمهوري» حين قامت قوات أمنية في السابع من يوليو 2013 بمهاجمة وقتل عدد من أنصار الرئيس المعزول أمام مقر الحرس الجمهوري، حيث تجمهروا مطالبين بإطلاق سراح مرسي، متوعدين باقتحام النادي التابع للحرس الجمهوري القريب من مقر اعتصام ميدان رابعة العدوية بحي مدينة نصر.

بحسب المصدر القريب من المشيخة،«غضبة الإمام» من أحداث الحرس الجمهوري تم احتوائها من قبل «معنيين» -رفض الإفصاح عما إذا ما كان بينهم السيسي- أكدوا للإمام الطيب أن خطأً أمنيًا وقع ولن يتكرر.

لكن بعد أسابيع قليلة من مظاهرات التفويض، بدأ فض اعتصامي أنصار مرسي في رابعة العدوية وميدان النهضة في ساحة جامعة القاهرة، وبينما مر الاعتصام الثاني دون سقوط ضحايا كثر بين المعتصمين أو المقتحمين، كان الاعتصام الأول بحسب بعض من تابعوه من الجمعيات الحقوقية والصحفيين «مجزرة»، بينما كان بحسب وصف الأجهزة الرسمية مواجهة اضطرت لها قوات إنفاذ القانون بعد أن بادر بعض المعتصمين باستخدام السلاح ضد رجال الشرطة.

وفي أعقاب عملية الفض، التي أصر اثنين من معاوني الطيب حينها، وآخر من معاونيه بعدها، على أن الإمام الأكبر لم يكن على علم بها، أصدر الطيب بيانًا بصوته أذاعه التليفزيون الرسمي مرة واحدة، ولم يسمح بإعادته، بحسب أحد معدات البرامج في تليفزيون الدولة وقتها، أدان فيه الاقتحام، وقال قولته الشهيرة «الدم كله حرام» ثم ذهب للاعتصام بقرية بالصعيد.

وفي كتابها «سطوة النص – خطابات الأزهر وأزمة الحكم» الذي يتعرض بالبحث والتحليل للبيانات الصادرة عن الأزهر وإمامه في صيف 2013 المشحون، تشير بسمة عبد العزيز إلى أن خطاب الأزهر في تلك المرحلة كان في المجمل داعمًا للتغيير الذي حدث في الحكم، ولكنه لم يكن متفقًا مع خيارات يراق فيها الدم، ولهذا فإن خطابه الأكثر وضوحًا في لغة الرفض كان بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة.

بعد مغادرة الطيب إلى الأقصر في أغسطس 2013، بقي هناك وقتًا قبل أن يتلقى اتصالات من قيادات أزهرية أعربت له عن خشيتها من أن يفتح طول غيابه الباب أمام التدخل في شؤون الأزهر من قبل جهات ليس لها الحق في التدخل، وذلك بحسب ما قاله للكاتبة آنذاك أحد معاوني الإمام الأكبر سابقًا.

في الوقت نفسه، بدت التغييرات الدستورية التالية لعزل الإخوان تتجه في اتجاه معاكس لاستقلالية الأزهر. كان الطيب قد تمكن في يناير 2012، وقت حكم المجلس العسكري، من استعادة هيئة علماء الأزهر بموجب تعديل قانون الأزهر في أوائل نفس العام. كان هذا هو التحول الأهم الذي جعل من الأزهر مجددًا جهة مستقلة لا يتولى رئيس الجمهورية تعيين إمامها الأكبر وترشيح المفتي.

ثم جاء دستور 2012 ليضيف للهيئة صلاحيات أوسع وأكثر إبهامًا. في مادته الرابعة أشار إلى الرجوع لهيئة كبار العلماء فيما يتعلق «بأخذ الرأي في الشؤون المتعلقة بالشريعة الإسلامية»، وهي الإضافة التي قال مصدر في حزب النور السلفي، وقت إعداد الدستور، إنها ستستخدم للاستعانة برأي الهيئة في مدى تطابق قوانين أُقرت في حقبتي حكم أنور السادات ومبارك مع الشريعة، كالقوانين المرتبطة بحقوق النساء في الحضانة والخلع والسفر بدون إذن الزوج، وربما أيضًا قوانين أخرى تتعلق بتنظيم الأسرة وتجريم ما يعرف بختان البنات.

وبحسب أحد أعضاء لجنة الخمسين التي صاغت دستور 2014 فإن حذف هذه المادة كان «من أول الأمور التي طُرحت ولم تلق معارضة سوى من قليلين». كما حُذف أيضًا من صلاحيات هيئة كبار العلماء ما وصف في دستور 2012 بـ«البت في الأمور الدينية»، وذلك لتناقضها مع فكرة مدنية الدولة التي يفترض أن «30 يونيو» كانت تهدف للحفاظ عليها».

 ويقر المصدر المقرب من المشيخة في حديث له من أيام قليلة بدقة الراوية، ويضيف أن حرص الإمام على أن يحتفظ الأزهر بالاستقلال الذي ناله بعد الثورة وأن يحتفظ بهيبته الدينية أمر بالغ الأهمية له.

اعلان
 
 
أسمهان سليمان